نشر الكاتب السعودى على سعد الموسى، مقالاً بعنوان "كى لا نخسر مصر" على موقع جريدة "الوطن السعودية"، مؤكداً أن الأزمة التى أثيرت مؤخراً بشأن تصويت مندوب القاهرة لدى الأمم المتحدة لصالح مشروع القرار الروسى بشأن الأزمة السورية، لا تصب فى صالح البلدين.
وطرح "الموسى" فى مقاله العديد من النقاط الهامة، أكد خلالها على أن مصر لها الحق فى الاختلاف أو تبنى وجهة النظر التى تراها، وأن ذلك لا يجب أن يكون مصدر إزعاج أو شكوك لدى الجانب السعودى، مستشهداً بعدم انزعاج مصر من التحالف المعلن بين المملكة وتركيا، بالرغم من تدخلات الأخيرة فى الشأن المصرى، وعدائها المعلن للحكومة المصرية.
وفيما يلى نص المقال..
قد أتفهم وأعطي العذر لردة الفعل الشعبية المحلية تجاه التصويت المصري مع مشروع القرار الروسي حول سورية في مجلس الأمن، ولكنني في المقابل لن أقبل انجراف "الإنتلجنسيا" وقادة الرأي وأصوات التأثير والنفوذ لمجرد أن المندوب المصري رفع إصبعه في موقف لا يقدم ولا يؤخر مع أو ضد قرار محكوم بالفيتو المعلن. هذا هو رأيي كي لا نخسر دولة شقيقة وكبرى مثل مصر، لأنها مرت بامتحان موقف على طاولة مجلس الأمن، وهي ذات الطاولة التي تنازلنا عن الجلوس عليها قبل أكثر من عامين لأسباب كثيرة تهم ترتيب مصالحنا السياسية، ومن ضمنها أن نتجنب ورطة "التصويت" في مجلس أممي بات من النادر جداً أن يبحث مشاريع قرارات لا تخص جوارنا ومن حولنا وعالمنا في هذا الشرق الأوسط.
وأمام هذا التيار الجارف في ردة الفعل سأقول ما يلي: أولاً، فمن الخلل الثقافي في بنية النظرية السياسية أن تنتظر من غيرك مهما كان أن يتطابق مع وجهة نظرك، وأن لا يقرأ الأحداث والقضايا إلا من خلال ذات عينيك. لمصر مصالحها السياسية المتشابكة ومصر اليوم تنهض من خذلان المواقف الأمريكية الضعيفة والمترددة تجاهها، وهي قد امتحنت ومرت بهذا الخذلان في سنواتها الأخيرة، ونحن اليوم سائرون مع نفس أميركا على ذات الامتحان والخذلان.
ثانياً، وفي عوالم السياسة، دع للشقيق الصديق الذي تثق به فرصة السير على الطريق الموازي أو حتى المعاكس فقد تحتاج معه إلى اختبار التجربة أو حتى تبادل الأدوار، وقد تحتاج مواقفه في تمرير رسائلك السياسية أو وساطته كجسر رابط ذات يوم .
وفيما هو الأهم في ثالثا، دعونا نقرأ المواقف السياسية تجاه القضايا المشتركة ما بين البلدين الشقيقين بتجرد ووضوح وبصوت العقل لا العاطفة: لماذا مثلاً، لم ترسل إلينا الإنتجلنسيا المصرية، ومعها مصر الرسمية عتبها أيام علاقاتنا الرسمية مع إيران فيما كانت مصر هي البلد العربي الوحيد الذي قاوم ولو حتى فتح ممثلية مصرية بسيطة في طهران؟ لماذا لم تقل مصر إننا نتبادل السفراء مع طهران في الوقت الذي أطلقت فيه الأخيرة اسم أحد أشهر شوارعها على قاتل زعيمها التاريخي أنور السادات، وتدعم بعثات التشيع إلى قلب نسيجها السني؟ وخذ في المثال الأخير: لماذا لم تنبس مصر الرسمية ببنت شفة ولم تشك أو ترتاب من تحالفنا المعلن مع تركيا رغم تدخلها السافر في الشأن المصري الداخلي بعد ثورتها الشعبية الجارفة الأخيرة؟ والجواب الوحيد أن حكماء العقل السياسي في أعلى هرمي القيادة في البلدين يدركان أن العلاقات التاريخية أكبر من تصويت أو رفع إصبع على طاولة قرار أو فتح سفارة.
لم يبق في هذا العالم العربي من الأحياء الأصحاء سوى الرياض والقاهرة في وجه هذه العواصف التي حولت عواصم الخريطة نفسها إلى جثث هامدة. لا توجد فرصة وليس هناك خيار أن تسمح هاتان العاصمتان وهذان الشعبان بخسارة ما تبقى من روابط الأعصاب الحية في قلب الجسد الميت. الهلال الصفوي يسبح اليوم في فضاءات أربع عواصم عربية وخلايا الإرهاب تحكم رسمياً أربع عواصم أخرى، وسبع دول تعيش لسنوات بلا رئاسة أو حكومة.
والسؤال الأخير: ماذا بقي في العالمين العربي والإسلامي ومن سيتبقى لهما ونحن ندق الإسفين مسماراً ساخناً في قلب العلاقة ما بين البلدين من أجل تصويت لا قيمة له في مجلس الأمن؟ انتبهوا جيداً: لمصلحة من بالتحديد يجري إخراج هذا العبث للتفريق بين آخر فارسين عملاقين متحدين في هذه المعركة الشرسة؟ الجواب معروف بكل وضوح وإن انتهت المساحة .