وصلت العلاقات السعودية المصرية بعد ثورة 30 يونيو لقمة التوافق أيام الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، لكن مؤخرًا بدأت الهوة تتسع والعلاقة تجف بين البلدين؛ نتيجة للخلافات في الرؤى المتعلقة بقضايا إقليمية وعربية، وفقا لتقارير إعلامية.
وباتت العلاقات المصرية السعودية تشهد تراجعًا ملحوظًا نظرا لوجود عدة قضايا تفرض على البلدين اتخاذ مواقف مختلفة وإن كانت مضادة لكلاهما وخصوصا سوريا.
ويرى مراقبون للوضع في منطقة الشرق اﻷوسط، أن السياسة السعودية تجاه مصر تغيرت مع وصول الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم، إذ أصبحت السعودية أكثر تقاربا مع كل من تركيا وقطر، واللتان تشهد علاقتهما بالنظام المصري توترًا كبيرًا منذ ثورة 30 يونيو التي أطاحت بالرئيس المصري اﻷسبق محمد مرسي.
ووفقًا لقراءة العديد من المحلللين السياسيين المراقبين لﻷوضاع الشرق اﻷوسط، فإن التوتر بين مصر والسعودية كان سببه العديد من اﻷزمات التي مر بها البلدين نظيرً المواقف المتباينة في اﻹقليم وهي كالتالي:
الازمة الأولى الخاصة بشركة ” أرامكوا”، حيث أوقفت المملكة السعودية حصة المساعدات البترولية المقررة لمصر لشهر أكتوبر الجاري، بعد نحو 6 أشهر على توقيع اتفاق بين القاهرة والرياض في أبريل الماضي.

وكانت وكالة “رويترز” كشفت أن مخصصات المساعدات البترولية السعودية لشهر أكتوبر لم تصل مصر، مما اضطر الهيئة المصرية العامة للبترول إلى زيادة مناقصاتها سريعا من 200 ألف طن سولار في سبتمبر الماضي إلى 560 ألف طن، برغم النقص الشديد في العملة الصعبة.
وفي أبريل الماضي زار الملك سلمان بن عبد العزيز القاهرة على رأس وفد سعودي ضخم من ضمنه ولي ولي العهد محمد بن سلمان ووقع مع الجانب المصري اتفاقية لإمداد القاهرة بمنتجات بترولية مكررة (700 ألف طن شهريا لمدة خمس سنوات)، بقيمة 23 مليار دولار بين شركة أرامكو السعودية والهيئة المصرية العامة للبترول.
ولم تنف وزارة البترول أو تؤكد الخبر، وقال المتحدث الرسمى لها، في بيان، أن الهيئة المصرية العامة للبترول لم تتلق أى مخاطبات رسمية من شركة أرامكو السعودية بشأن موقف تسليم الشحنات البترولية طبقاً للتعاقد الجاري بين الشركة والهيئة المصرية العامة للبترول والتى تمثل جزءا من احتياجات مصر.
وأضاف أن هيئة البترول تعاقدت على كميات إضافية للوفاء باحتياجات السوق المحلى واستمرار الحفاظ على مخزون إستراتيجى من المنتجات البترولية.

ولم يصدر أي تعليق عن “أرامكو” السعودية إلى الآن.
ومن المتوقع أن تتأثر مصر بهذه الخطوة، في وقت تعاني فيه البلاد من ندرة في العملة الأجنبية، لأن المساعدات كانت توفر على السوق المحلي ملايين الدولارات شهريا، لذلك رفعت هيئة البترول مناقصاتها لتعويض العجز الذي ستحدثه خطوة الشركة السعودية.

مجلس الأمن

والأزمة الثانية نشأت عندما صوتت مصر لصالح مشروع القرار الروسي في مجلس الأمن الدولي يوم السبت الموافق 8 أكتوبر، بشأن الأزمة السورية، إلى جانب الصين وفنزويلا.
ونتيجة لذلك وجهت كل من المملكة العربية السعودية وقطر انتقادات حادة لمصر، على خلفية تصويتها، السبت، لصالح مشروعى قرار بمجلس الأمن حول التهدئة في سوريا، خاصة في مدينة حلب، قدم المشروع الأول فرنسا وإسبانيا بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا، فيما قدمت روسيا المشروع الثانى، وفشل المجلس في تمرير القرارين، حيث لجأت موسكو لحق النقض ضد المشروع الأول، بينما لم يحصل الثانى على الأغلبية اللازمة.
ووصف المندوب السعودى لدى منظمة الأمم المتحدة، عبدالله المعلمي، تأييد مصر لمشروع القرار الروسى بأنه “أمر مؤلم”.
وانتقد رئيس اللوبي السعودي في أمريكا، سلمان الأنصاري، تصويت مصر لصالح مشروع القرار الروسي، وقال في تغريدة على موقع “تويتر”: “عذراً يا مصر.. لكن تصويتك لصالح مشروع روسيا يجعلني أشكك في أمومتك للعرب وللدنيا!”.
في المقابل، أوضح السفير عمرو أبوالعطا، مندوب مصر لدى الأمم المتحدة، الموقف المصري بقوله، إن القاهرة تؤيد جميع الجهود الهادفة لإنهاء مأساة الشعب السوري، وصوتت بناءً على محتوى القرارات التي تضم عدة عناصر مشتركة، صوتت مصر لصالحها، وتتلخص في وقف استهداف المدنيين السوريين، ووقف العدائيات، وضرورة التعاطي الحاسم، مع استخفاف بعض الجماعات المسلحة بمناشدات المجتمع الدولي لها عدم التعاون مع التنظيمات الإرهابية.
الملف السوري

وتكمن الأزمة الثالثة في التباين الواضح في الرؤى بين مصر والسعودية بشأن سوريا خصوصًا حول ضرورة تغيير نظام الحكم أو القيادة السورية، وهو ما أكده سامح شكري خلال أحد تصريحاته بأن مصر تعارض تغيير الحكم، ولا تتبنى النهج السعودي في هذا الإطار.
فقد صرح وزير الخارجية المصري، سامح شكري، الثلاثاء 16 فبراير 2016، إن “مصر تعتبر قرار السعودية بالتدخل البري في سوريا أمرا سياديا منفردا”.

وأضاف شكري أثناء مؤتمر صحفي مع نظيره الكويتي أن “القرار السعودي لا يأتي في إطار القوة الإسلامية المشتركة لمواجهة الإرهاب”.
وتظهر تصريحات وزير الخارجية المصري حجم التباين بين الموقفين المصري والسعودي فيما يتعلق بالتدخل العسكري في الأزمة السورية. إذ عبرت السعودية أكثر من مرة عن استعدادها لإرسال قوات برية إلى سوريا.
وفي مقابلة لوزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، مع قناة سي إن إن، الجمعة 12 فبراير 2016، جدد الجبير استعداد بلاده لإرسال قوات إلى سوريا قائلا “إذا قرر التحالف الدولي ضد “داعش” -والذي نحن جزء منه- إرسال قوات برية إلى سوريا -إلى جانب الحملة الجوية الحالية- فإن المملكة العربية السعودية مستعدة لإرسال قوة خاصة من أجل هذا المسعى”.

ويتضح من تصريحات الجبير أن السعودية تربط إرسال قواتها البرية بمشاركة دولية ضمن قوات التحالف.
ويقول الدكتور سرحان العتيبي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة الملك سعود، في حديثه مع بي بي سي عربي، إن “مصر الآن ضمن محور يضم روسيا وإيران وسوريا، ولا يمكن للدور المصري الخروج عن هذا المحور”.
ويضيف أستاذ العلوم السياسية السعودي “الموقف المصري لم يكن مفاجئا، فقد عبر مسؤولون مصريون عن آراء مماثلة من قبل، كان آخرها تصريحات وزير الخارجية المصري السابق، نبيل فهمي، والتي قال فيها إن مصر رفضت طلبا سعوديا بإرسال قوات برية إلى اليمن”.
ويرى العتيبي أن سبب الموقف المصري يرجع إلى أن “السياسة المصرية الحالية غير مستقلة وترتبط بتوجهات خارجية”، حسب وصفه.
في المقابل، يقول الدكتور حسن أبو طالب، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، في حديثه مع بي بي سي عربي، إن “الدبلوماسية المصرية تنطلق من فكرتين رئيسيين: أولا. حماية الدولة السورية كمؤسسات من أن تقع بأيدي جماعات إرهابية مثل “داعش”. ثانيا. دعم الخيار السياسي وأن يقرر الشعب السوري مصيره بنفسه”.
ويضيف أبو طالب “عسكرة الصراع السوري يعقده ولا يسهم في علاجه، ويتجلى ذلك بوضوح عبر السنوات الخمس للأزمة”.

وفيما يتعلق بمستقبل العلاقات المصرية السعودية، يرى أبو طالب، أن “العلاقات بين البلدين متشعبة وعلى أكثر من محور، وأن الاختلاف حول الملف السوري، لن يؤثر على طبيعة العلاقات بينهما”.

وأعلنت السعودية في ديسمبر 2015 عن تحالف عسكري يستهدف الإرهاب يضم 34 دولة، من بينها مصر. كما أن مصر تنخرط في تحالف سعودي آخر، تأسس في مارس 2015، وينفذ عمليات عسكرية في اليمن.
صداقة مصر لروسيا

والأزمة الرابعة، تتضح في العداء بين روسيا والسعودية عداء تاريخي ممتد منذ عقود من الزمان، ويبدو أن التقارب المصري الروسي في عهد الرئيس السيسي لم يكن مزعجا للملك عبد الله إلا انه بات من الواضح أن هذا التقارب والغزل السياسي والإعلامي بين القاهرة وموسكو وبوتين والسيسي أصبح مستفزا لدوائر عليا في السعودية.

وكانت تصريحات وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل المهاجمة لروسيا بشدة في مؤتمر القمة العربية تعبيرا عن امتعاض وغضب شديد من سماح السيسي بتلاوة رسالة بوتين للقمة العربية.

كما فاقمت المطالب السعودية بمعرفة أوجه إنفاق مصر لحوالى 27مليار دولار، قدمتها دعمًا للاقتصاد المصرى من استياء الأخيرة التى اعتبرت الأمر تجاوزًا للسقوف التي تحكم علاقات البلدين ذلك بعد تقديم شخصيات مصرية معارضة مذكرة للجانب السعودي، تؤكد أن هذه المليارات لم توظف لخدمة الاقتصاد المصرى بل وظفتها النخبة الحاكمة لدعم مصالحها الشخصية وتمكنها من السيطرة على مفاصل البلاد.
مؤتمر غروزني

والأزمة الخامسة التي أججت علاقة البلدين، المشاركة المصرية المكثفة في مؤتمر غروزني الذي انعقد قبل شهر في العاصمة الشيشانية، تحت عنوان “من هم أهل السنة والجماعة”، حيث شاركت في هذا المؤتمر الذي اعتبر “الوهابية” خارج هذا التعريف، أربعة من أهم المرجعيات الإسلامية المصرية وهم، شيخ الازهر، الدكتور احمد الطيب، ومفتي مصر الشيخ شوقي علام، ومستشار الرئيس للشؤون الإسلامية أسامة الازهري، والمفتي السابق الدكتور علي جمعة.
كما ساهم لقاء سامح شكري مع نظيره الإيراني محمد جواد ظريف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر الماضي، وبحث معه ملفات عديدة من بينها الملف السوري، في خلق حالة من الفتور بين الجانبين المصري والسعودي.