من جديد عاد الحديث عن مشهد تفجيرات برجى التجارة العالمى فى الحادى عشر من سبتمبر 2011، يتصدر الأحداث فى العالم مع إقرار الكونجرس قانون يتيح مقاضاة من ترى الولايات المتحدة ومواطنوها أنه متورط فى تلك الأحداث، لتتجدد أيضا الرغبة فى الاطلاع على كل ما يخص الأحداث، ويبدو هذا الاطلاع أكثر إثارة إذا ما كان زيارة على أرض الواقع لواحد من شواهد الحدث، وهو النصب التذكارى للأحداث.. وهو ما كان ورصدناه فى السطور التالية:
النصب التذكراى لضحايا 11 سبتمبر بأمريكا
كانت الساعة تقترب من الحادية عشر صباحاً، والأجواء صافية بعد ليلة ممطرة جاءت بعد أسبوع من إحياء الأمريكيين للذكرى الـ15 لهجمات الحادى عشر من سبتمبر 2001، المئات يتوافدون إلى النصب التذكارى لأحداث 11 سبتمبر فى أطراف ضاحية مانهاتن بمدينة نيويورك، فى المكان الملقب بـ"الجراوند زيرو".. جاءوا جميعاً ليروا بأعينهم المكان الذى شهد الكارثة التى غيرت شكل العالم، وأدت إلى ما نراه اليوم فى العراق وأفغانستان والشرق الأوسط بأكمله، وتقسيم العالم إلى جزأين، وفقاً لتصنيف الرئيس الأمريكى السابق جورج بوش، من مع أمريكا ومن ضدها.
الأمريكيون يضعون الورود على أرواح الضحايا
الوصول إلى النصب التذكارى بعد أيام من إحياء الذكرى، والحديث مرة أخرى عن تورط عرب ومسلمين فى الهجمات، قد يكون مؤشرا على خطورة ما هو قادم لنا، خاصة أن ملامحنا الشرقية بادية للجميع، وسط مئات المتواجدين ذوى الملامح الغربية، لكن ما طمأننا شىء غريب ربما لا يصدقه أحد، فعلى بعد بضعة أمتار من النصب التذكارى وقف أربعة مصريين يبيعون "الهوت دوج" والفلافل والمياه والعصائر على عربات الهوت دوج، وهو ما أراحنا كثيراً.
النصب التذكارى
ما أن اقتربت من المكان تذكرت المشاهد التى رأيتها عبر التليفزيون، وكيف انهار برجى التجارة العالمية فى دقائق معدودة، وانهارت معهم نظرية الأمن القومى الأمريكى، وربما فى نظر الكثيرين، الهيبة الأمريكية أيضاً.. خليط من الشعور المتباين ينتاب من يتجول فى المكان، لكن أكثرهم سيطرة على هو سؤال لم أجد له إجابة، وهو من صنع الإرهاب الذى أودى بحياة آلاف ومازال، وكيف نستطيع إيقاف هذا الفيروس، وهل بمثل هذا النصب التذكارى نكون قادرين على مواجهة الإرهاب؟
مواطنون أمريكيون أمام النصب التذكارى
اقتربت من النصب التذكارى لأحداث 11 سبتمبر، ولم يكن غريباً أن نرى التأمين المشدد من الجيش والشرطة الأمريكية، فهناك انتشار مكثف للأمن الأمريكى فى كل خطوة، لكن دون أن يضايقوا أحدا، فلا أحد يقول لك شىء، ولا يمنعونك من فعل شىء طالما أنك لا تخرج عن القواعد والإجراءات.
النصب التذكارى لضحايا تفجيرات برج التجارة العالمى
أول ما رأيت هو "كشك" صغير يقف أمامه شاب يرتدى "تى شيرت" مكتوب عليه "النصب التذكارى لـ11-9"، وبداخل الكشك هدايا تذكارية عبارة عن كتيبات صغيرة وتى شيرتات وأساور يدوية وميداليات وهدايا صغيرة كلها مدون عليها "memorial 11\9‬‏"، وأنا أتابع هذه الهدايا وأتحدث مع صديقى عصام الشامى، رئيس قسم التصوير فى اليوم السابع، عن كيف يجيد الغرب والأمريكيون تحديداً إحياء ذكرى الحوادث التى تعرضوا لها، عكسنا نحن الغارقين فى ذكريات أليمة ونحييها دوماً بدماء جديدة، فجأة وجدنا أمامنا "ريتشارد كريفر"، رجل ثمانينى يرتدى نفس التى شيرت الخاص بالذكرى، ويقترب من كل وافد جديد إلى النصب التذكارى شارحاً له كل التفاصيل.
مواطنون يقفون بجوار النصب التذكارى
ما أن اقتربنا منه وعرف أننا مصريون ابتسم وقال لنا "أهلاً بالعرب وبالمصريين"، موضحاً أنه متطوع لهذه المهمة، ثم بدأ فى الشرح لنا، فمكان البرجين تم بناء نصب تذكارى عبارة عن حوضين من المياه محاطين بالمئات من أشجار البلوط الأبيض.
أهالى الضحايا يضعون الورود داخل أسماء ذويهم
حوضان من المياه، أو كما يسميهم المتطوع ريتشارد كريفر، بحيرتى المياه، محاطين بجرانيت منقوش عليه أسماء الأشخاص الـ2983 الذين قضوا نحبهم فى هجمات 11 سبتمبر، والستة الذين قتلوا فى الانفجار الذى نفذه إرهابيون فى فبراير 1993، وينحدر منهما شلالان كبيران من المياه على الجدران داخل الحوضين وتختفى المياه فى كل حوض داخل فجوة كبيرة فى المنتصف بعمق يصل إلى 22 مترا، ويحمل تصميم حديقة النصب التذكارى تأثيرا قويا فى حد ذاته، حيث يعكس حالة من الفراغ مماثلة للغياب الناجم عن ضحايا الهجمات.
أحد المسئولين عن النصب التذكارى
"ريتشارد كريفر"، قال لـ"اليوم السابع" إن البحيرتين تم بناؤهما مكان البرجين، الأول والثانى، ومساحة البحيرة مماثلة لنفس مساحة المبنى المنهار، وخارج البحيرة هناك مجموعة من الأشجار تملأ المساحة التى كانت محيطة بالمبنى قبل أن ينهار نتيجة اصطدام الطائرة به، وداخل البحيرة ترى شلالات المياه التى تشير إلى دموع الشعب الأمريكى التى سالت على فراق ضحايا الهجمات، وتدخل المياه فى حفرة عميقة يصل عمقها إلى 22 متراً وهى تمثل الجرح الغائر فى صدور وقلوب الأمريكيين عن فقدان الضحايا، وتحت البحيرتين متحف على مساحة 70 قدم تحت الأرض، ويضم المتحف وهو جزء من النصب التذكارى بعضا من أكثر المقتنيات التى تنبض بالحياة المرتبطة بالهجمات، كما يضم حطام طائرة تابعة للخطوط الجوية الأمريكية والتى كانت قد اختطفت واستخدمت لتدمير البرجين".
مندوب اليوم السابع أمام النصب التذكارى
بعدما انتهى ريتشارد من شرحه ودعناه بابتسامة وسرنا فى اتجاه المتحف، ووجدنا طوابير فى انتظار الدخول، ولضيق الوقت لم نتمكن من دخول المتحف، الذى تباع تذكرة دخوله بـ25 دولارا للفرد.
مندوب اليوم السابع مع أحد المسئولين عن النصب التذكارى
ويقع المتحف المكون من سبعة طوابق تحت الأرض وتبلغ مساحته 10210 أمتار مربعة، بين حوضى النصب التذكارى، ويضم بقايا الطائرات المستخدمة فى الهجمات وسيارات الشرطة والإسعاف التى تم تدميرها وعدد من درجات السلم المتبقية التى استخدمها المئات للهروب من ناطحتى السحاب، بالإضافة إلى لقطات مصورة لبعض الأحداث التى وقعت خلال الهجمات، كما يضم المتحف نبذة عن الضحايا الذين بلغ عددهم ثلاثة آلاف، وينظر الأمريكيون للمتحف على أنه كتاب تاريخ ضخم يروى كيف استطاعت نيويورك والأمريكيين بشكل عام الحفاظ على روح الوحدة والتعاون بين مواطنيها، وهو التعبير الذى استخدمه مايكل بلومبرج عمدة مدينة نيويورك الأسبق ورئيس المتحف.
أمريكيون يتجهون إلى النصب التذكارى
وتكلف النصب التذكارى أكثر من 700 مليون دولار وسيتطلب 60 مليون دولار سنويا للحفاظ عليه، ويعتقد أنه واحد من أكثر النصب التذكارية تكلفة فى العالم.
كتيبات تذكارية عن الحادث
على بعد خطوات قليلة من النصب التذكارى تم بناء مول كبير تحت الأرض، وله مدخل أبيض مميز، أطلق عليه "مركز التجارة العالمى"، وبداخله متاجر عالمية ومحلات ملابس، وأشهر المتاجر فى هذا المول هو مبنى "آبل ستورز" الذى يتوافد عليه المئات يومياً للحصول على منتجات آبل.
شعار تذكارى لـ11 سبتمبر
المواطنون يصطفون للدخول للمتحف التذكارى لضحايا وأحداث 11 سبتمبر
بوابة الدخول إلى المتحف
طابور من المواطنين أمام المتحف