فى غرفة لا تزيد مساحتها عن 3 أمتار بالقصر العينى، تعيش النجمة نادية لطفى أيامها.. لازالت روحها شابة وإن كان الزمن قد ترك أثرا على الملامح الفرعونية الجميلة.. تسجل انطباعاتها عن الأيام بكل ما فيها من استقامة واعوجاج.. وتؤكد أن قلبها لم يعرف الخوف ذات يوم لكنه عرف معنى الصبر.. داخل الغرفة سرير تم إعداده بأجهزة طبية حديثة.. وبعض باقات الورد البيضاء التى تتشابه مع رقة النجمة.. حوائط الغرفة تزينت بصورتين للفنانة الشقراء وهى فى عمر الصبا.. وعلى أرفف الحائط أيضا كُتب نجيب محفوظ.. فى زوايا الغرفة انتشرت بعض أوراق الصحف والمجلات.. وبها كرسى واحد يجلس عليه الضيف الذى تختاره "بولا محمد شفيق" لتستأنس به دقائق وربما ساعات.. ومن مجاملة القدر لى كنت واحدا من الذين استأنست بهم ساعات داخل الغرفة.. المفارقة أنها فى مثل هذه الأيام وعقب انتصارات أكتوبر عام 1973 كانت فى نفس المكان "القصر العينى" لدعم المرضى العسكريين وقت الحرب، لكن الآن تجلس بداخله على كرسى متحرك.

نادية لطفى
جدران حوائط الغرفة الأربعة، هى وحدها التى تسمع أنين هذه الفنانة الكبيرة عندما تصرخ من الوجع، وإن كادت لا تبدى به أبدا رغم الألم، وما بين البوح والكتمان من شدة الوجع بدأت النجمة الحكاية مع "اليوم السابع" صارخًة :"أنا الآن فى مدرسة الآلام والعذاب.. ما أصعب الوجع.. آلام الضلوع لا توصف .. تستطرد حديثها وهى جالسة على كرسى متحرك وفى أنفها جهاز التنفس الصناعى وقد ارتدت ملابس "المرضى" وأخذت تشرح ما وصلت إليه حالتها الصحية :"تعبت فى منزلى بجاردن سيتى، وتعرضت للإغماء، وحملونى على كرسى وأثناء نزولى فى الأسانسير توقف قلبى لحظات عن النبض وأخذ الطبيب يحاول إسعافى بكل الطرق، وظل يعمل ضخ للقلب فحدث كسر فى الضلوع، وتمزقت ، وها أنا أعانى الأمرين بسبب آلامها ، وتبين أن القفص الصدرى كله مدمر بفعل هذه الكدمات، واهتدى الأطباء للعلاج الطبيعى، وهذا من 4 أيام فقط، قبلها لم أكن أخضع لأى علاج طبيعى، وتسبب ذلك فى تأخر خروجى من المستشفى".. تضيف بصوت أرهقه الوجع :"أتعاطى مسكن ذا مفعول كبير لكن لا حيلة له فى منع الوجع، ألم شديد لا قدرة لأحد على احتماله".

النجمة الجميلة
"بولا" النجمة التى لعبت دورا إنسانياً وفنياً وسياسياً، فيما شهده المجتمع من تغييرات، وصار اسمها مرادفا للتمرد، تنسى مرضها لحظات، وتتذكر 6 أكتوبر ووقت العبور، وتقول :"زعلانة من التلفزيون المصرى، وبعاتب على المسئولين عدم عرضهم لفيلمى "جيوش الشمس" الذى سجلت من خلاله شهادة الجنود المصابين والجرحى عن الحرب داخل مستشفى قصر العينى مع شادى عبد السلام".. وتساءلت بحدة :"لماذا لم يعرض التلفزيون صورى مع الجنود فى الجبهة؟.. فقد كنت مسئولة اللجنة الفنية أيام حرب الاستنزاف وكنت أنظم زيارات على الجبهة لرفح الروح المعنوية لدى الجنود، وكان يرافقنى فطين عبد الوهاب وفؤاد المهندس وجورج سيدهم، وغيرهم، وذهبت أيضا إلى الضفة الثانية ومعى نجيب محفوظ ويوسف السباعى ويوسف إدريس"، وتسمح النجمة لذاكرتها أن تعود للماضى 43 عاما لتتذكر انتصارات حرب أكتوبر المجيدة، قائلة :"أصبت بانهيار عصبى وهبوط فور سماعى خبر عبور قواتنا المسلحة خط برليف وتحقيق النصر، لأنى لم أصدق وقتها أننا انتصرنا".

الشقراء والدنجوان
سألت نادية لطفى عن فكرة الخوف من المجهول والمرض والموت؟.. ردت بجرأة وكأنها نسيت عذابات الضلوع :"عمرى ما خفت من حاجة ، معنديش فكرة الخوف، وعمرها ما روادتنى، حتى الخوف من المرض أو الموت، ولى طريقة فى تناولى للأشياء بعيدا عن فكرة الخوف، وهى كيفية تناول الموضوع، أنا مدركة جدا إن الموت حق علينا، هتعب نفسى ليه وأخاف منه وأنا عايشة، وعندما أموت فلن أخاف منه أيضا لأنى لن أحس به، وهذا واقع ومن الأفضل أن نتقّبله".

نادية لطفى والعباس السكرى
قلت لـ نادية لطفى هل المرض نعمة أم نقمة؟ قالت :"أهم درس مستفاد من المرض هو الصبر، والصبر يعطيك قدرة على استمرار إرادتك، فأنا من الناس الذين يؤمنون بهذا، وطالما ربنا كتب مفهاش فصال، وأهم حاجة يستفيدها الإنسان من المرض مذاق الألم والصبر".. طرحت عليها سؤالا ألم يكشف لك المرض الأصدقاء من الأعداء ردت ببساطة :"لا يمر فى خاطرى كلمة عدو، وعمرى ما حسيت أن لى أعداء، ربما يكونوا موجودين لكنى مش شايفاهم، حتى فى عز النجومية عندما كانت تعقد مقارنات بينى وبين سعاد حسنى مثلا، كنت لا أفكر فى هذا الأمر أبدا، سعاد لها موهبتها وبصمتها، وصعب جدا أن نتشابه فى شىء، ما عدا حبنا فى العطاء للعمل لكن مش فى الحياة ولا التمثيل.. وكنت صديقتها لحد آخر لحظة فى حياتها.. وموضوع إنها قُتلت أم انتحرت بقى "سمج".. وكذلك مسألة زواجها من عبد الحليم، لكن بكل صراحة هى أحبته، وهو أحبها، لكن معرفش إن كان تم الزواج بينهما أم لا، وأقول لمن يسأل "أنتوا مالكم".
وتستكمل :"هو أحبها وتبناها وحليم كان لما بيلاقى شىء نفيس غالى يميل إلى أن يكون عامل مساعد لإظهاره ، مثلما وقف مع هانى مهنا ومجدى الحسينى والمصور فاروق إبراهيم، وهكذا كان مع سعاد حسنى، خصوصا أن ظروفها الحياتية لم تكن طبيعية وكان يشفق عليها، فى حاجات كانت فى حليم كلها رجولة".
وتصف النجمة هذه المرحلة بأنها خصبة، وتقول :"المناخ كله كان فيه خصوبة على كل مستوياته بالنسبة للاقتصاد أو السياسة أو الفن فى كل المجالات ، واستمرت النهضة حتى آواخر الستينات، إلى أن جاءت النكسة وحدث فرق كبير بين جيلين، جيل النكسة اتشرخ واتزلزل ولم يتعاف، لكن الحياة تستمر، بعد حرب أكتوبر تصورنا تحقيق نهضة كبيرة لكن حصلت انكسارة شديدة جدا، تقريبا الخط البيانى نزل بعد العبور فى كل المجالات، أعتقد أنه كان فى حاجة لم تكتمل فى النجاح".

النجة نادية لطفى
نادية لطفى عاصرت أكثر من حاكم لمصر من أحبّت ومن كرهت؟.. ترد بقوة وحسم :"معرفش أحب الرؤساء.. الحكام رجال بلا ملامح، ولا أتعامل معهم بمنطق الحب والكره".. تضحك :"اللى أحبه وأكرهه أبوى وخالى، لكن ماليش دعوة بالحاكم أنا برصده وبشوف أعماله، وعلى أساسها أحط له الأرقام وأقيمّه".. الإجابة حمستنى إن أسألها منحت الرئيس جمال عبد الناصر كم من عشرة؟.. قالت :"ولا حاجة لم أعطه شيئًا لأن النكسة دمرتنى.. النكسة كانت مصيبة سودة غيّرت الدنيا، وفى هذا الوقت كان يثار ما يسمى بتجنيد الفنانات، وكان موجود حقيقى، بس أنا كنت فى شغلى ومحدش أزعجنى للأمانة، أو قال لى شىء أو عرض على حاجة، وعرفت لما قامت الهوجة والتحقيقات سنة 68 لكن قبلها بصراحة مكنتش أعرف".

صاحبة النظارة السوداء
"بولا" لم تعط عبد الناصر ولا درجة، لكنها منحت الرئيس أنور السادات درجات، وقالت :"السادات أعطيه لأنه على الأقل حرر الأرض من الاحتلال، ويكفيه وسط كل الظروف الصعبة فى فترته، أنه حقق انتصار وعبور.. وبالنسبة لـ حسنى مبارك مأثرش فيا لا بخير ولا شر.. أما محمد مرسى كان بيخلينى أموت من الضحك، إسماعيل يس جنبه ولا حاجة، خسارته فى الكوميديا.. أما الرئيس السيسى من الرجال القليلين الذين أعجبت بكلامه وأدوات سلوكه ، عنده حنكة فى الأداء العام، السيسى راجل محترم، وعندما حدثنى للاطمئنان على حالتى الصحية قلت: ألو.. فرد :"أنا السيسى".. قلت: يا نهار أسود أنت السيسى بتاعنا.. قالى آه.. وكان راجل لطيف معى طوال المكالمة".

نادية
قلت لها إن عبد الحليم حافظ كتب فى مذكراته أن "الحياة رحلة رائعة بكل ما فيها من ألم ".. فماذا تقولين أنت عن تجربتك مع الحياة ؟.. ترد النجمة :"الحياة هى لحظة مشعة صادقة، وصادفت هذه اللحظة كتير، بسبب نعم ربنا ، وجميل جدا أنك تصل لها وتستمتع بها وتحلق داخلها ".. تقول نادية :"أحب صوت ليلى مراد، صوتها الوحيد الذى يطربنى عن كل النجمات، أشعر دائما أن صوتها به فرق والآت موسيقية، كما أنها ست راقية جدا".
سألتها عن أقوى ممثل وقفت أمامه لم تفكر طويلا وقالت :"رشدى أباظة كان مجرم حرب".. ومن السيدات اعتبر أمينة رزق "كون كامل" فى المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة، هذه السيدة حضرت الفن فى أشكاله المتطورة ومارسته فى كل مرة بنجاح كبير".. قلت لها من بين شخصياتك الكثيرة المتعددة تبقى شخصية "زنوبة" فى "قصر الشوق" عالقة فى الذهن؟.. ولا ينسى الجمهور مشهدها وهى تجلس على "تشت الغسيل" وعبد المنعم إبراهيم يخرط لها "الملوخية" ويطّبل لها بأصابعه على "الطبلية" وهى تغنى وترقص وتتمايل بخفة ودلع: "بس قولوا لأمى.. طب وأنا مالى.. طيب يا غزالى".. تضحك بصوت عال ثم تعلّق :"شخصية "زنوبة" مسحورة، معرفش جات منين، معرفش عملتها إزاى، نجيب محفوظ نفسه اتجنن من الأداء، بس أنا ركزت جدا، لأن أهم حاجة مذاكرة الشخصية ومفيش حاجة اسمها الكاميرا حبانى أو كرهانى الموضوع مذاكرة وتركيز.

نادية وسعاد
تشدد نادية لطفى أنها لم تعتزل الفن بل اعتزلت "العفن" وتقول :"دى مش السينما بتاعتى، دخلت أشكال معرفهاش ولا أفهمها.. لا أستطيع أن أوقع عقدا على سيناريو مسموم ، الجمهور بالنسبة لى أمانة فى اللى هوصله له ، وأبسط الأشياء أنى أمتنع عن تداول المواد السامة، والفنان اللى يعمل كدة بيقتل فكر ويقتل روح ويقتل أمانة، ويعطى لجمهوره مفتاح الانحراف والسقوط".. وعن أفضل نجمة تقول :"أكتر واحدة قريبة منى هى نجلاء فتحى، تليها يسرا، لكن يسرا تعد رقم 1 فى جيلها، لأنها تملك مقومات الممثلة فى جميع اتجاهاتها وعارفة تتعامل، وعبلة كامل ممثلة قوية، وبالنسبة للنجوم هناك كثيرون منهم مثلا يحيى الفخرانى مدرسة تقعد تدرس فيها 20 سنة وفى النهاية تسقط برضو".

فى أحد المهرجانات
الآن بعد كل هذه الرحلة بما فيها من رضا وغضب وأمل ويأس وفرح وحزن هل تشتاقين لصورتك الجميلة تلك النجمة الشقراء صاحبة النظارة السوداء.. ترد بتسامح شديد :"عمرى ما وضعت الجمال فى تقييمى لنفسى.. الجمال رؤية المشاهد هو الذى يقيمنّى.. أنا اشتغلت على العقل، وبتقى شر نفسى، لأن النفس أمارة بالسوء، وصراحة أمارس حياتى كما أريد، وكما أنبغى، أخرج وألتقى الناس، لأن الهروب من المرض والشيخوخة يضعف الإنسان، وأعترف أنى الآن لست أنا فى الشكل والصورة التى اعتاد الجمهور رؤيتها، لكن تقدم العمر أضاف لى خبرات وتجارب كثيرة، منها عمق التعامل، والحكمة، والرؤية المستقبلية.. الآن أنا امرأة جميلة الفكر، أمتلك حرية الروح والإرادة والاختيار".