استمرارا للانتقادات التي تواجهها بسبب الخسائر في صفوف المدنيين باليمن ، جاءت الضربة الجوية على مجلس عزاء والذي وضعت طائرات التحالف، الذي تقوده السعودية في قفص الاتهام ، مما قد يمثل المزيد من المشاكل للحملة المدعومة من الغرب ضد المقاتلين الحوثيين في اليمن.
وقال مارك تونر المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن وزير الخارجية جون كيري، تحدث مع الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي عهد السعودية ووزير خارجيتها عادل الجبير الأحد، لتأكيد”القلق العميق” الذي تشعر به الولايات المتحدة إزاء تلك الغارة.
تحقيق وإدانة
فيما دعت كندا الأحد إلى إجراء تحقيق سريع. وأدان وزير الخارجية الكندي ستيفان ديون في بيان “الهجوم الذي استهدف قاعة عزاء في صنعاء”، مضيفا أن “على التحالف الذي تقوده السعودية أن يفي الآن بالتزاماته في إجراء تحقيق”.
وأعلن البيت الأبيض مراجعة فورية لدعم واشنطن للحملة العسكرية الممتدة منذ 18 شهرا بعد أن قصفت طائرات المعزين في قاعة عزاء بالعاصمة صنعاء يوم السبت مما أسفر عن مقتل 140 شخصا، وفقا لتقديرات الأمم المتحدة و82 وفقا لتقديرات الحوثيين.
وأشارت الحليفة الرئيسية للرياض في بيان للمرة الثانية في شهرين إلى أن الدعم الأمريكي “ليس شيكا على بياض”، وهو ما يضع الشراكة بين السعودية والولايات المتحدة في اختبار، بينما هي تحت ضغط بالفعل نتيجة الخلافات بشأن حروب في أراض عربية أخرى.
دعاية لإيران
ويقول دبلوماسيون إن هذا الانتقاد يقدم دعاية غير مباشرة لخصم الرياض اللدود طهران، حليفة الحوثيين التي لطالما اعتبرت أن للمملكة نفوذا فاسدا ومستبدا على جارتها الجنوبية الفقيرة.
ونفت مصادر في التحالف الذي تقوده السعودية تأدية أي دور في الهجوم، لكن الرياض وعدت فيما بعد بإجراء تحقيق “في الحادثة المؤسفة والمؤلمة التي وقعت في صنعاء”، بمشاركة خبراء من الولايات المتحدة الأمريكية.
واستهدفت هذه الخطوة على ما يبدو تفادي المزيد من الانتقادات للحملة العسكرية التي تواجه انتقادات لاذعة؛ لتسببها في سقوط مئات القتلى من المدنيين في هجمات عشوائية على ما يبدو.
ضغط وقيود
يقول مصطفى العاني المحلل الأمني القريب من وزارة الداخلية السعودية: “سيكون هناك ضغط على الحملة”. وأضاف أنه بينما اتبع التحالف قواعد تتسم بالحرص الشديد وتفهم المخاوف بشأن حقوق الإنسان، “فإنه سيكون هناك الآن ضغط لإنهاء العملية بكاملها أو وضع قيود على العملية”.
ويقدر أن عشرة آلاف شخص قتلوا في الحرب وتنحى الأمم المتحدة باللائمة على ضربات التحالف في 60 في المئة من الوفيات بين المدنيين الذين بلغ عددهم 3800 منذ بدء الحملة في مارس آذار 2015.
ودفع الغضب بشأن الخسائر بين المدنيين بعض المشرعين في الولايات المتحدة وبريطانيا بالإضافة إلى نشطاء مدافعين عن حقوق الإنسان، للسعي من أجل فرض قيود على مبيعات الأسلحة للرياض وهي جهود لم تنجح حتى الآن.
وينفي التحالف استهداف المدنيين، ويقول إنه يبذل جهودا كبيرة للغاية لضمان دقة استهداف غاراته، فيحسب شحنات المتفجرات للحد من خطر التسبب في أضرار تتجاوز نطاق المنطقة المستهدفة.
وقال مسؤولون سعوديون إن المملكة لا تريد خوض حرب في اليمن.
وقال أحد المسؤولين: “لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي بينما يطيح المتمردون بحكومة شرعية في دولة مجاورة بالقوة، بينما يصبح اليمن دولة بلا قانون وملاذا للإرهابيين، وبينما نهاجم عبر حدودنا”.
ومضى قائلا: “ستواصل السعودية تقديم الدعم العسكري لحكومة اليمن الشرعية، بينما يواصل المتمردون حملتهم غير الشرعية... لكننا سنواصل أيضا دعم وتشجيع التوصل إلى تسوية عن طريق التفاوض”.
ويتهم التحالف الحوثيين الذين سيطروا على معظم شمال البلاد في سلسلة عمليات عسكرية منذ عام 2014 بوضع أهداف عسكرية في مناطق مدنية. وينفي الحوثيون ذلك.
ولم يقتصر الغضب من الضربة الجوية التي وقعت يوم السبت على صنعاء، فقد أثار الهجوم غضبا دوليا.
وقال متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، إن أي هجوم متعمد على المدنيين غير مقبول على الإطلاق.
وقال المتحدث إن بان دعا إلى “تحقيق سريع ومحايد في هذه الواقعة. يجب تقديم المسؤولين عن الهجوم للعدالة”.
ووصف منسق الإغاثة في حالات الطوارئ بالأمم المتحدة ستيفن أوبراين الهجوم، بأنه فاحش وشائن. ووصفته فرنسا بأنه “مذبحة”، وقالت إنها تريد إجراء تحقيق مستقل.
كما ظهر استياء في صفوف الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا التي يدافع عنها التحالف.
هدف صادم
من جانبه قال مسؤول كبير في حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي المدعومة من السعودية: “ضرب هدف مثل هذا صادم... إنه الأحدث في سلسلة هجمات من جميع الأطراف على أهداف مدنية مثل المنازل والتجمعات العامة، تحول هذه الحرب إلى حرب قذرة”.
وأضاف “إن كان لهذا أن يأتي بأي شيء إيجابي، فسيكون زيادة الإرادة لوقف إطلاق النار هناك حاجة له. لكن الوقائع من هذا النوع لم تؤد إلا لتأجيج الرغبة في الانتقام”.
ودعا الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح الحليف الرئيسي والقوي للحوثيين، الأحد، إلى تصعيد الهجمات على السعودية وقال في خطاب بثه التلفزيون: “حانت ساعة الصفر لدعوة أبناء القوات المسلحة والأمن واللجان الشعبية كافة؛ للتوجه إلى جبهات الحدود للأخذ بالثأر لضحايانا”.
وأضاف صالح: “على وزارة الدفاع ورئاسة الأركان ووزارة الداخلية وضع الترتيبات اللازمة لاستقبال المقاتلين في جبهات نجران وجيزان وعسير”، في إشارة إلى المناطق الحدودية السعودية.
وتعبر تصريحات صالح عن المناخ السياسي المحموم بالتوتر في صنعاء، لكن لم يتضح ماذا سيكون الأثر المادي لذلك. ويتكرر إطلاق الحوثيين الصواريخ عبر الحدود مما يسفر عن مقتل أو إصابة مدنيين سعوديين من حين لآخر، كما تقوم مجموعات من المقاتلين الحوثيين بعمليات توغل عبر الحدود شبه يومي.
وتجمع آلاف اليمنيين بينهم الكثير من المسلحين أمام مقر الأمم المتحدة في صنعاء، الأحد، ودعوا إلى إجراء تحقيق دولي في الضربة الجوية.
وكان مجلس العزاء مقاما لوالد وزير الداخلية في الإدارة التي يقودها الحوثيون بشمال اليمن جلال الرويشان، الذي توفي لأسباب طبيعية يوم الجمعة. ويقول يمنيون إن عائلة الرويشان تحظى باحترام على نطاق واسع وعلاقاتها طيبة مع الكثير من الجماعات والقبائل من مختلف ألوان الطيف السياسي باليمن.
وقال مختار الرحبي المتحدث باسم هادي على صفحته الرسمية على فيسبوك: “لا يمكن القبول بقصف قاعة عزاء وفيها العشرات من المدنيين، حتى وإن كان فيها قيادات من الانقلابيين... حربنا حرب أخلاق”.
وأكدت قوات التحالف في بيان أصدرته عقب هجوم السبت، “أن لدى قواتها تعليمات واضحة وصريحة بعدم استهداف المواقع المدنية، وبذل كافة ما يمكن بذله من جهد لتجنيب المدنيين المخاطر”.
لكن احتمال وضع حدود للحملة العسكرية ربما من خلال تضييق نطاق الاستهداف بالنسبة للعمليات الجوية والخفض المحتمل للدعم الغربي، يمكن أن يسدد ضربة لجهود الرياض للتصدي لما تعتبرها سياسة توسعية تنتهجها إيران في جارتها الجنوبية.
ويسيطر الحوثيون وحلفاؤهم المحليون على معظم النصف الشمالي من اليمن، بينما تقتسم القوات الموالية للحكومة المعترف بها دوليا السيطرة على بقية أجزاء البلاد مع قبائل محلية.
ولم تحرز محادثات السلام تقدما يذكر. وتصر حكومة الرئيس هادي على الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 الذي يدعو الحوثيين للانسحاب من مدن سيطروا عليها منذ عام 2014.
ومنذ فترة طويلة توجه الرياض الاتهام لطهران حليفة حزب الله اللبناني بدعم الحوثيين، والسعي لتحويل جماعتهم إلى نسخة من الجماعة اللبنانية لتحارب السعودية بالوكالة.
ولطالما عبرت واشنطن عن تفهمها للمخاوف السعودية بشأن أنشطة إيران في أراض عربية لكن الجيش الأمريكي نأى بنفسه عن قرارات الاستهداف التي يتخذها التحالف.
وفي حزيران/ يونيو سحب الجيش الأمريكي عناصر من السعودية كانت تنسق مع الحملة التي تقودها المملكة، وخفض كثيرا أعداد الأفراد في مناطق أخرى حيث كانوا يساعدون في هذا التخطيط.
وقال مسؤولون أمريكيون طلبوا عدم نشر أسمائهم، إن خفض الأعداد لا يرجع إلى مخاوف إزاء سقوط قتلى من المدنيين. لكن وزارة الدفاع الأمريكية قالت إن خلال مناقشاتها مع التحالف أكدت الحاجة لتقليل الخسائر بين المدنيين.
وقال عبد الخالق عبد الله المتخصص في العلوم السياسية بالإمارات العربية المتحدة، إنه إذا تبين أن التحالف مسؤول عن سقوط القتلى، فيجب الاعتراف بذلك بوضوح وترتيب سداد تعويضات.
وأضاف أنه لا توجد دولة تريد إنهاء الحرب أكثر من السعودية والإمارات وغيرهما من أعضاء التحالف، مشيرا إلى أن احترام القرار رقم 2216 في يد الحوثيين.