يجمع كمال عبد اللطيف في كتابه الجديد العرب في زمن المراجعات الكبرى: محاولات في تعقُّل تحولات الراهن العربي، الصادر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (224 صفحة بالقطع المتوسط) جملةً من البحوث، واكب في بعضها جوانب من واقع الثورات التي حصلت في بعض البلدان العربية، ابتداءً بعام 2011، فيقول: “اقتربنا في بعضها الآخر من أزمة الفكر العربي في عالم تزداد درجات تعولمه وتفاعله مع التحولات الكبرى الجارية في عالمنا بصورة غير مسبوقة”. وهو يحرص في مؤلفه هذا على إعطاء أولوية للنقد الثقافي، ونقد الوثوقية في السياسة والثقافة من أجل مقاربات أكثر إقناعًا وأكثر وفاء لقيم التاريخ والمستقبل.
ووفق بيان المركز، قسّم عبد اللطيف كتابه إلى قسمين؛ يتألف القسم الأول، مراجعة ما بعد الثورات العربية، من أربعة فصول. يرى في الأول، وعنوانه الثورات العربية نحو تجاوز ثنائية الداخل والخارج، أنّ ما حصل من انفجارات عربية ناتج من جبروت متمادٍ حوَّل الأنظمة السائدة في أغلب البلدان العربية أنظمةً غير قادرة على مغالبة درجات الفقر والتهميش التي نزلت بمجتمعاتها، علاوة على استشراء الفساد والبطالة، وعدم القدرة على النهوض والتقدم، وذلك في تشخيصه الأوَّلي لبعض أمارات الحدث، إذ يرصد العلامات الكبرى للانفجارات التي حصلت خلال عام 2011 في أغلب المجتمعات العربية، وأطاحت رؤوس أنظمة سياسية معينة.
ينتقل الكاتب بعدها إلى طرح إشكالية “الثورات العربية: مؤامرات أم مناورات”، إذ يرى أنّ الفاصل بين حدود المؤامرة وحدود الفعل الذاتي في الثورات العربية يكاد لا يُرى، “بحكم أن الحوادث الثورية في التاريخ تتسم بكثير من الاختلاط، وتتعين بجملة من العوامل الدولية والإقليمية والمحلية، كما ترتبط بسياقات التاريخ الذاتية والموضوعية، وتتصل بالإستراتيجيات التي تحسب حسابات الراهن والمستقبل، من دون إغفال مقتضيات المصالح ممثلة في النفط، ومجسدة في إسرائيل وحسابات إقليمية أخرى”.
وبنى الفصل الثاني، ما بعد الثورات العربية: زمن المراجعات الكبرى، معتمدًا على مفردات ثلاث: الارتباك والمفارقة والمراجعات الكبرى. يقول إن مفردة الارتباك قدمت الصفة الأكثر تعبيرًا عن المآزق التي يعرفها الطور الانتقالي العربي، وقد شخّصها في بعدها التاريخي العام متناولًا التحديث المعوّق والتقليد المعوّق؛ المعادلة التي تشخص الواقع العربي في السياسة والفكر طوال القرن الماضي إلى يومنا هذا. يقول: “أما المفردة الثانية التي كشفت أمامنا بصورة مُكبَّرة جوانب من التوتر في الطور الانتقالي في تونس ومصر، فهي مفردة المفارقة بصيغة الجمع، حيث تبدو شبكة الأوضاع في البلدان المذكورة في صورة تكشف عن أشكال من خلل صنع كثيرًا من المفارقات في الخطاب وفي الفعل السياسيين”. ركّب المؤلف مبدأ المراجعات الكبرى بشكل يكون فيه قادرًا على مواجهة المنازلات الكبرى التي وُلِدت، وبعض الثورات التي اشتعلت، والمنازلات الأخرى التي عادت إلى الواجهة. يقول: “أصبحنا، في الطور الانتقالي، أمام طريق تنفتح على إمكان تجاوز المرتبك، ورفع المفارق، وتركيب ما يسمح ببلورة ما يتيح لنا إنجاز تأصيل ثقافي مبدع للتحديث العربي والديمقراطية العربية. ولن يتم ذلك في نظرنا إلا بتفعيل مبدأ المراجعات الكبرى”.
يعتني المؤلف في الفصل الثالث، وعنوانه تحديات توظيف المقدس في الراهن العربي: نحو تَحرير الدين، بمسألة التحديات التي يطرحها توظيف المقدس في الراهن العربي، “إذ بلغت صور التوظيف التي تمارس اليوم على المقدس وباسمه درجات غير مسبوقة في أغلب المجتمعات العربية، خصوصًا في مصر وتونس والمغرب، من دون أن نغفل بعض صورها القائمة كذلك في السودان ولبنان وسورية، إضافة إلى الغموض الذي يعتري صور التوظيف المذكورة في اليمن وليبيا وباقي البلدان العربية”. لا ينفي عبد اللطيف أن توظيف المقدس كان حاضرًا باستمرار في التاريخ العربي، واتخذت صور حضوره في الأزمنة الحديثة مظاهر تنبئ بهيمنة الدولة على دواليب الشأن الديني وقيامها بتدبير شؤونه، “إلا أن ما ميز هذا التدبير هو طبيعته القريبة من التوجه المتدرج نحو حدود الخيار الذي يضع للدين مجالات محددة، يحصره فيها ولا يقبل أن تتجاوزها”. وبعدما يشخص المؤلف علامات توظيف المقدس في الحاضر العربي، ويبرز تحديات توظيف المقدس في الراهن العربي في راهنية الإصلاح الديني، يفتح أبواب الإصلاح الديني في الدفاع عن حرية العقيدة.
في الفصل الرابع، وعنوانه التعددية المواطِنَة: في الانتصار لقيم التحديث السياسي، يرى المؤلف أنه لم يعد ممكنًا اليوم العودة إلى نظام الملل والنحل بأسمائه الجديدة، “بحكم أن انخراط مجتمعاتنا في التمرس بقواعد المجتمعات الجديدة وتنظيماتها، منذ ما يزيد على قرن من الزمن، ساهم في بلورة روافع مجتمعية نحن مطالبون بالمحافظة عليها وتطويرها، للتمكن من جعلها روافد مساعدة في عمليات إعادة بناء مجتمعاتنا. أما صور التوظيف الإثني المختلفة الحاصلة في الراهن العربي، فتستعمل منطقًا يعادي المجتمع والدولة وجوامع الحياة المشتركة المختلفة، الأمر الذي يؤكد حاجة مجتمعاتنا إلى استيعاب قيم التحديث السياسي”.
يفترض عبد اللطيف أن لا خلاص من الانغلاق الإثني والطائفي إلا بتوسيع دوائر التشارك في العناية بالشأن العام، ويرى أنه لا يمكن تحقيق ذلك من دون سيادة قيم المواطنة الهوية الجامعة، ويقول إن بناء الإنسان في ظل قيود الأعراق والمذاهب والطوائف مستحيل، ويرى في الديمقراطية الصيغة الملائمة لاستيعاب التعددية في أبعادها المختلفة.
يتألف القسم الثاني وعنوانه أزمات الفكر العربي في الفكر واللغة والمفهوم، من أربعة فصول أخرى. يعالج عبد اللطيف في الفصل الخامس، وعنوانه أزمة الفكر العربي في التشخيص والمفارقات والتجاوز، أزمة الفكر العربي المعاصر باعتبارها مسألة موضوعية، أي مسألة ترتبط بتاريخ العرب المعاصر، “وتاريخ الصراع الأيديولوجي الذي ما فتئ يتطور في مجال النظر العربي، معبرًا عن الإرادات المحكومة بصراع المصالح والمنافع والإستراتيجيات في التاريخ”. ويوضح أن التفكير في أزمة الفكر في الراهن العربي يخالف التفكير في أزمة الوقائع والظواهر المجتمعية والاقتصادية والسياسية والنفسية. يقول: “يتيح لنا تفكيرنا في مظاهر أزمة الفكر العربي تشخيص طبيعة البنية النظرية لهذا الفكر في محتواها الفلسفي، وفي آليات ومناهج بنائها للإشكاليات والأطروحات والمفاهيم”. وينتقل من تشخيص الملامح العامة للأزمة إلى مرحلة تجاوز الأزمة بالتصالح مع الذات ومع العالم، ويرى من الضروري تأسيس جبهة للفكر الحداثي، توقف التراجع والانكفاء، وتشكل درعًا لمواجهة أشكال الاندحار الثقافي الحاصل في بيئات الثقافة العربية بفعل اتساع تيارات الفكر النصي المحافظ وتناميها، وتوقُّف وتيرة مغامرة الاجتهاد والإبداع في الفكر العربي.
يركّب المؤلف في الفصل السادس، نحو تطوير الأداء اللغوي العربي، تصوره لجوانب من قصور العرب اللغوي أمام التحديات المعرفية الكبرى الحاصلة بفعل التطور الكبير في مجال تقنية المعلومات، وما ولَّده من تضخم معلوماتي واقتصادات معرفية، إضافة إلى العوالم الافتراضية التي تساهم اليوم في تغيير تصورنا عن الأمكنة والأزمنة والمعارف والقيم. وتوقف أمام مظاهر عدة من أعطاب العربية، وحاول تشخيص جوانب من عجزها أمام طفرة المعلومات وتقنياتها، مما له صلة بالتواصل، وما صار يسمّى مجتمع المعرفة. ويرى أن الإصلاح الشامل للنسق اللغوي العربي يتطلب إرادة سياسية واضحة، والاستعانة بذوي الاختصاص. كما أبرز أهمية المرونة اللغوية، لأن الأنساق اللغوية المحافظة لا تستوعب الطابع الرمزي والمختزل للغات المعاصرة الموصولة بالتقنيات الجديدة وصناعاتها.
يتناول المؤلف في الفصل السابع، التسامح والحرية والمؤسسات، نشأة مفهوم التسامح وتطوره، وصلته بأخلاق الدولة المدنية ومنظومة حقوق الإنسان، منظرًا لمأسسته، وباحثًا في كيفيات تلقّي الفكر العربي مفهوم التسامح. ويرى عبد اللطيف أن الغرب لم يستطع تمثُّل روح التسامح، ولم تمكنه دروس تاريخ الفلسفة السياسية ولا دروس تاريخ العلم من الاعتراف بالآخر بصورة تتجاوز مفارقات ولَّدها تاريخ الغرب المعاصر في علاقته بالآخرين. يقول: “إذا كانت حصيلة النظر الأخلاقي المتمثلة في المواثيق والعهود المتعلقة بحقوق الإنسان بلورت من الشرائع والمبادئ والقواعد ما ينبئ عن جهد في الفكر السياسي لا يُضاهى، فإن الأفعال والمبادرات والمواقف وردات الفعل القائمة في الواقع، تكشف وجود تناقضات مرعبة بين النظر والممارسة، حيث تعكس الممارسات تراجعات رهيبة عن منطوق المبادئ والشرائع المعلنة وروحها. ينطبق الشيء نفسه على واقع المجتمعات العربية. ومن هنا نستنتج أن معرفة التسامح لا تزال مفتوحة”.
يؤكد عبد اللطيف في الفصل الثامن، أَي قِيم نريد؟ سيادة مأزق أخلاقي وكوني، لتقادم مدونات الأخلاق القائمة، وعدم قدرة السائد منها على مواجهة المستجدات التي أصبحت تملأ حياة العرب بفعل صور التحول السريعة. يقول: “نصوِّب نظرنا نحو الإشكالات الكبرى لعصرنا، والمتمثلة في التكنولوجيا النووية واحتكار الأسلحة، ثم إشكالات تقنيات البيولوجيا وموضوع خريطة الأنواع الحية (الجينيوم)، من دون أن ننسى الإشكالات التي وَلَّدَها الانفجار الحاصل في تقنية المعلومات داخل مجتمعات المعرفة، والعودة المرعبة إلى العنف، وإلى استخدام الإنسان آلةً للدمار (الأحزمة الناسفة)”. وتستدعي هذه الإشكالات، بحسبه، بناء مجموعة من الأسئلة المساعدة في التفكير في الموضوع. وهو يسأل: “كيف نبني منظومة قيم أخلاقية تسهل عمليات انخراطنا في مجتمع المعرفة؟ كيف نُحوِّل مكاسب الحداثة والتحديث إلى مشروع لا يغفل دور الأخلاق والأخلاقيات، ولا دور الروحانيات المحايثة للحداثة؟ كيف نجعل الحداثة قادرة على تفكيك أخلاق التواكل، بل تفتيتها، والطقوس المختلفة المرتبطة بأخلاق الصبر والزهد والانعزال؟ كيف نبني أخلاق الحداثة في فكرنا بالاستناد إلى جسور المعرفة والجمال والحرية؟”.
ينهي عبد اللطيف كتابه بملحق الكتابة وتحديث الذهنيات، وهو حوار أنجزه معه الصحافي لحسن وريغ، ونُشر في جريدة الأحداث المغربية في نهاية عام 2013.
كمال عبد اللطيف محاضر في جامعات ومؤسسات بحثية عدة داخل المغرب وخارجه، وعضو مؤسس للجمعية الفلسفية العربية 1983، وعضو اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم 2003. وهو خبير في بعض الجامعات ومؤسسات البحث العلمي العربية والدولية. يساهم في الكتابة والبحث والتدريس الجامعي منذ السبعينيات، ومن أبرز مؤلفاته الإصلاح السياسي في المغرب، التحديث الممكن، التحديث الصعب؛ وأسئلة الحداثة في الفكر العربي، من إدراك الفارق إلى وعي الذات؛ والعرب في مواجهة حرب الصور؛ وأسئلة النهضة العربية، التاريخ، الحداثة، التواصل.