مارست العديد من دول العالم سياسة التقشف بعد أن عانت من مشكلة اقتصادية مثل العجز في الموازنة وانخفاض الإيرادات مقارنة بالنفقات العامة للدولة، إلى أن تقوم تلك الدول بزيادة الإنتاجية وبالتالي زيادة إيراداتها حتى تخرج من تلك الأزمة، ومن أبرز تلك الدول إسبانيا وفرنسا وبريطانيا فى الغرب والسعودية والإمارات ومصر فى الشرق وإيران.

والتقشف هو مصطلح يشير في علم الاقتصاد إلى السياسة الحكومية الرامية إلى خفض الإنفاق، وغالبًا ما يكون ذلك من خلال تقليص الخدمات العامة في كثير من الأحيان، تلجأ الحكومات إلى الإجراءات التقشفية بهدف خفض العجز في الموازنة، وغالبًا ما تترافق خطط التقشف مع زيادة الضرائب.

والتقشف بالمعنى العام يُقصد به صعوبة العيش وخشونته، بسبب عدم كفاية حاجات الإنسان وهو في الاصطلاح السياسي: برنامج حكومي ذو طابع اقتصادي، يستهدف الحد من الإسراف من زيادة الإنفاق على السلع الاستهلاكية؛ وتشجيع الادخار، والعمل على مضاعفة الإنتاج؛ علاجًا لأزمة اقتصادية، تمر بها البلاد.

وفى السطور القادمة سنتعرف على أهم الدول العالمية والعربية التى طبقت هذه السياسة.

ففى اليونان، بدأت الأزمة في أواخر عام 2009 مع انتشار المخاوف بين المستثمرين حول عدم قدرة اليونان على الوفاء بديونها نتيجة الزيادة الحادة لحجم الدين العام.

وقد أدى ذلك إلى أزمة ثقة في الأسواق المالية اتضحت بارتفاع الفائدة على السندات اليونانية وارتفاع التأمين على السندات اليونانية ضد التخلف عن السداد، ومع تزايد حجم الديون العمومية وارتفاع عجز الموازنة واجه الاقتصاد اليوناني ضعفا في النمو، وهو ما عقد من وضع اليونان وصعب من قدرتها على الحصول على قروض جديدة لتسديد ديونها السابقة.

فاتخذت الحكومة اليونانية حزمة إجراءات تقشفية في 9 فبراير 2010 من أجل كبح جماح عجز الميزانية، واستهدفت الإجراءات الحكومية خفض إجمالي النفقات العامة على الأجور والرواتب من 1% إلى 5.5% عبر تجميد رواتب الموظفين الحكوميين وتقليص مكافآت العمل الإضافي وبدلات السفر.

وافق البرلمان اليوناني في 5 مارس 2010 على مشروع قانوني يهدف إلى توفير 4.8 مليار يورو على أثر مخاوف من إفلاس الحكومة اليونانية وتخلفها عن السداد، وتضمن القانون رفع الضرائب على القيمة المضافة وعلى السيارات المستوردة وعلى المحروقات وخفض رواتب القطاع العام وتقليص المكافآت والبدلات الممنوحة للموظفين الحكوميين.

أما المملكة العربية السعودية قامت بتطبيق سياسة التقشف مع تزايد الأنباء التي تتحدث عن عجز مالي سعودي كبير، جراء انهيار أسعار النفط من جهة ونتيجة طول أمد العدوان على الشعب وحجم الاستنزاف الكبير في الخزينة السعودية مع كل يوم يمر على العدوان الذي لم يستطع تحقيق أي نتائج تذكر من جهة ثانية، قالت مصادر اقتصادية خليجية مطلعة إن العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز قد بدأ في إطلاق حملة تقشف واسعة في مختلف قطاعات الدولة بسبب ارتفاع العجز في الميزانية.

وأكدت المصادر أن نسبة العجز في الميزانية السعودية وصل إلى 20 بالمائة، مؤكدة أن من أبرز الخطوط العريضة لسياسة التقشف السعودية الجديدة تخفيض الدعم للمحروقات والكهرباء والماء وبعض السلع الأساسية الأخرى، وربما إلغائه كليا، ودراسة إمكانية فرض ضرائب على الدخل والتحويلات الخارجية بالنسبة إلى الأجانب، وزيادة بعض الرسوم على تجديد الإقامات ورخص القيادة والخدمات البيروقراطية الرسمية الأخرى، حيث من المتوقع أن يتم البدء بهذه الإجراءات في الميزانية السعودية للعام المقبل التي من المفترض أن تعلن في شهر ديسمبر المقبل.

في سياق متصل، نشرت صحيفة "جارديان" البريطانية في عددها الصادر الجمعة مضمون رسالة بعث بها العاهل السعودي إلى وزير المالية تحمل عنوان "سري للغاية" في تاريخ 14 /12/ 1436 هجري 28/9/2015 ميلادية، وتنص على ضرورة اتخاذ إجراءات تقشفية لتقليص الإنفاق الحكومي في الأشهر الثلاثة الأخيرة من ميزانية العام الحالي من بينها الإيقاف الفوري لكل مشاريع البنى التحتية الجديدة، ووقف شراء أي سيارات أو أثاث أو تجهيزات أخرى، وتجميد جميع التعيينات على الدرجات كافة، وإيقاف صرف أي تعويضات مالية من جراء نزع الملكية من المواطنين، وفك الارتباط للعقارات التي لا توجد حاجة ماسة لنزع ملكيتها، كما يجب منع إبرام أي عقود استئجار المباني التي سبق الإعلان عن استئجارها، وأن لا يتجاوز الصرف من اعتمادات البنود والمشاريع خلال الفترة المتبقية من الميزانية عن 25 بالمائة من الاعتماد الأصلي.

وتأتي هذه السياسة التقشفية الجديدة مع انخفاض مؤشر الأسهم السعودية بحوالي 30 بالمائة خلال الأشهر الـ12 الأخيرة، حيث اضطرت السعودية لسحب حوالي 75 مليار دولار من الاحتياط المالي الذي يقدر بحوالي 670 مليار دولار لمواجهة العجز والأعباء المالية الأخرى، خاصة نفقات الحرب الباهظة التي تخوضها السعودية في كل من اليمن وسوريا.

وبدولة الإمارات، استغنت الشركات شبه الحكومية في أبو ظبي عن آلاف العاملين، في مؤشر جديد على تأهب الدول الخليجية الغنية بالنفط لفترة تقشف طويلة مع تعرض اقتصاداتها لضغوط بسبب هبوط سعر النفط الخام.

ومنذ منتصف 2015، قلصت الإمارات العربية المتحدة والسعودية وقطر ودول أخرى في المنطقة، الإنفاق على عدد من مشروعات البناء، وخفضت دعم الطاقة لتقليص عجز الميزانية الناجم عن النفط الرخيص.

والآن بدأت بعض الحكومات خفض عدد العاملين في الشركات التي تسيطر عليها والكثير منها في قطاع الطاقة.

والهدف من ذلك ألا تثقل هذه الشركات كاهل الميزانيات العامة إذا استمرت أسعار النفط منخفضة لسنوات عديدة.

وقالت مصادر مطلعة لرويترز، إن شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) التي يعمل بها نحو 55 ألفًا قد ألغت مئات الوظائف في الأشهر الأخيرة، وستقلص أعداد العاملين بها بواقع خمسة آلاف على الأقل بنهاية 2016.

كما أعلنت إيران العديد من حزم التقشف بسبب استمرار الهبوط في أسعار النفط، لم تجد طهران مفرا من تقليل سعر برميل النفط المعتمد في ميزانيتها للعام المالي، وسط مؤشرات على اتجاه الحكومة إلى إقرار حزمة من الإجراءات التقشفية، لمواجهة الهبوط الحاد في إيرادات النفط التي تمول السواد الأعظم من الميزانية.

وأعلنت إيران تقليل سعر برميل النفط المعتمد في ميزانيتها للعام المالي المقبل، إلى مستوى 40 دولارا للبرميل من مستوى تقديري سابق بلغ نحو 72 دولارا للبرميل.

ونقلت وكالة فارس الإيرانية للأنباء عن وزير المالية والاقتصاد علي طيب نيا، قوله إن «إيران ستخفض سعر النفط الذي تحسب على أساسه ميزانيتها المقبلة إلى 40 دولارا للبرميل». وأضاف: "سنعدل سعر النفط في الميزانية من 72 دولارا للبرميل إلى 40 دولارا".

وفي أواخر العام الماضي، اعتمد الرئيس الإيراني ميزانية العام المالي المقبل مع بلوغها نحو 312 مليار دولار.