سمير الفيل يدون سيرة طازجة للحرب مع العدو الإسرائيلي

هؤلاء الذين صعدوا للأعالي .. لا يحتاجون لنعش أو تشييع

القادة بخط المواجهة الأول .. والجنود صامدون حتى الشهادة

السويس تشهد انتقاما شرسا بعد تفجير المدمرة إيلات

“نبيه” من محتال لفدائي .. و”جابر” ينجو من مجزرة الأسرى

إسرائيل تنتشل جثثها .. وبكاء الصامدين بعد الانسحاب بالدفرسوار
“شاهدوا حفرة تجمع جثث بعض الجنود المصريين بحرب فائتة بنفس الزي الكاكي الذي يرتدونه وقايش الوسط .. بعضهم كان قابضا على دبشك البندقية الصدئة . تقدم ورفاقه لتغطيتها وغرسوا عصا تحمل خوذة حديدية للدلالة على موضعهم . كان الراوي لم يشغله سوى أمر واحد : ما الكلمة الأخيرة التي نطقوا بها قبل أن يرحلوا ؟ “
لقد ساقت الأقدار أديبنا المصري سمير الفيل لحياة الجندية بعد أشهر قليلة من حرب أكتوبر، كان يشعر بمرارة من يلحق برماد الشعلة المقدسة دون أن يشارك بإيقادها مع رفاقه، وقد تعطل تجنيده لوجود عجز بالمدرسين آنذاك.. لكن من يدري ، لقد كانت مرارة عدم اللحاق بالحرب سببا لشهادته على الحقيقة، وتلمس المواقع التي شهدت لتوها أتون الحرب وصهرت أخلص أبناء هذه الأرض الطيبة في دفاعهم المستميت ضد الجيش الصهيوني.
سؤال بات يتردد صداه بداخله بقسوة وإلحاح عن حقيقة ما جرى، وقد راح يتلمس إجابته بإلحاح في عيون وشهادات من حضروا الحرب بالكتيبة “18” مشاة ، تلك التي صمدت بالدفرسوار وشهدت عبور القناة التي تحولت مياهها للون العقيق الأحمر!.
صفحات رواية “وميض تلك الجبهة” التي صدرت عن الهيئة العامة للكتاب، محملة بوقائع حقيقية لحرب أكتوبر والسنوات التالية في القطاع الأوسط من الجبهة .. “أيام العزة والألم ” كما يسميها الكاتب حيث الأرض تعبق برائحة أنفاس من مروا ، والأشواك وحدها تملك فضيلة البوح
وجع المكان
يقول الكاتب : “في ساحة القتال تغويك الأسلحة بضجيجها. تهتك الأستار غير مبالية بأية حرمة . حين تخلو لنفسك ستبكي بضراوة . إنها الحرب. “
يستعيد الكاتب بدايات رحلته للكيلو 18 مع رفاقه المجندين، وما أشقاها من رحلة في الصحراء، تصطحبك فيها مشاهد مرعبة لخوذ مثقوبة وسترات ملطخة بالية وحطام سيارات سقطت عليها قذائف العدو . “كانت الشمس تصب شواظ لهيبها فوق أبدانهم النحيلة . ومخل المهمات تثقل ظهورهم “.
كان الجنود متكيفون مع وضع الصحراء وحياة الجندية العسيرة، ورغم القصف المدفعي والاشتباكات الليلية وطلعات الطيران ظل الصولات والمجندين ودودين محتفظين بأسرار الحياة وسط أهوال الموت. لقد عادوا لتوهم من منطقة الدفرسوار بسيناء ” يلملمون ذواتهم المبعثرة، يبكون قتلاهم ، يعالجون جرحاهم، يجمعون صفوفهم ويلتقطون الأنفاس”.
هنا حيث الشجيرات المتكاثفة الورعة، “كان الجنود يبكون فراق أهلهم وخاصة حين يتأملون أسماء صغارهم في السطور الأخيرة وينطقون أسماءهم في رهبة داكنة “ .. تامل الكاتب الحفر والملاجيء وجذوع الأشجار المتفحمة .. شجرة التوت العتيقة التي جاءت دشمتهم تحتها .. تقاطع أعمدة المدافع مع جذوع النخل .. وتداخل الأبنية الطينية الواطئة مع هياكل الدبابات
تساءل : “متى تفض الأيام سترها ، وتعرفني حقيقة ما حدث في تلك الأيام الفائتة؟ وحين يطأ الصمت بأسئلته يرى الأعين تهرب من الإجابة ولكنه يلمح ذلك الوميض الخاطف الذي ينبثق فيغشيها بأسى شفيق.. وميض يصعد معراج النجوم، ينأى عن الأرضي الزائل ، له لون الأحمر ! لكنه قرر اقتحام خلوة أيامهم الجوفاء، وينصت للأنين، بحثا عن دفقات جنائزية تليق بالحياة!”
وهكذا وبلغة شعرية ونفس صوفي يقذفك الكاتب لحالة ما بعد الحرب وأسئلتها المرة، متأملا تفاصيل المكان الذي لم يخلو من طبيعة جميلة رغم قسوة حياة البشر! فهذه بيوت البدو الطينية، وهذا الليل بنجومه التي تشتعل وتخبو، وهذه شجيرات الكافور والفواكه تطل عليهم في نزهتهم القصيرة لقرية أبي سلطان المجاورة ، هناك ازداد تحديقا “في طيور النورس التي كانت تنحدر نحو صفحة القناة تضرب أجنحتها في الفضاء، ثم تستقر على الأزرق المشوب بخيوط ذهبية نحيلة ” . على صفحة القناة.

. أما البشر الذين رسم لوحاتهم بسخرية أضافت الحياة لرواية “الحرب” فكانوا من عجينة المصريين الطيبة، ترى الباشجاويش محيي الدين الأسمر ذو النكات التي تضحك الجميع من القلب ، والصول لطفي دمث الخلق الكريم، “رزق” الذي لا يكف عن مطاردة الفتيات البدويات، حتى النقيب أحمد عادل المعروف بفظاظته وقسوته على المجندين الجدد بسبب ما يعلمه من سخرية الجميع الخفية من أدائه المتخاذل بالحرب لطبيعته غير المقدامة، وهو ما عرض جنوده لمخاطر هائلة، هذا الرجل تجده بلحظات ضعفه يعترف ويبكي ويطلب الصفح!
يوميات على خط النار
لم يكن أحد ليؤنس وحشة الراوي بقدر حكمدار طاقم الرشاشات 12 محمد مصطفى حمام ، وقد أشبع ظمأه للحقيقة حين روى عن هؤلاء الذين هوت أجسادهم الطاهرة قبل أن يبتل حلقهم برشفة ماء، رحلوا بلا شواهد ولا قبور ولا أوسمة، مضوا في طرقهم للأعالي بلا سرادقات. “
من البداية استشعر الحكمدار “حمام” مع قلة من كتيبته هاون 82 أن رائحة قتال تنتشر، وليست مجرد تدريبات، وخاصة بعد استدعاء جنود الاحتياط ودعم الكتيبة بمدفعية ثقيلة وبطاريات صواريخ.
فجأة لم يكن من الممكن التقاط الأنفاس فالقوارب المطاطية تعبر صفحة الماء بينما الدبابات البرمائية تأخذ طريقها وتشق مياه القناة ، وأمامها السواتر، ونافورات دم وماء، وشظايا، وانفجارات، وهرولة، قنابل الدخان تنشر ستارة من نار وعرة والمحاربون يسعلون ويركضون، بعضهم تدلى على السلالم المهتزة فوق الساتر، والكل يتضرع لله، وقد كانوا مكلفين بحماية الكتيبة مع الاسلحة الأخرى ضد طلعات الطيران المعادي.
جاءتهم الأوامر لركوب الباكيهات وفك الرشاشات ونقل الذخيرة ، وقد أغلقوا الفتحات وتحركوا بينما الأرض تهتز من تحتهم، ولما وصلوا القناة وجدوا أنساق المشاة وبعض الفصائل المزودة بقنابل هجومية تحتل مصاطب الدبابات التي احترقت تماما . ظل المهندسون العسكريون يصوبون خراطيم المياه على جسد الساتر بمواضع بعينها .
في تمام الساعة الخامسة وتسعة وعشرين دقيقة من مساء يوم الجمعة 20 اكتوبر 1967 وفور اختراق المدمرة الاسرائيلية “إيلات” للمياه الإقليمية المصرية شمال شرق بورسعيد أصدر قائد السرب النقيب بحري أحمد شاكر أوامره لطاقم اللنس بتوجيه ضربة قاصمة للهدف المعادي. وأطلق صاروخان أصابهما إصابة مباشرة . ثم تطور الهجوم بقيام اللنش الثاني بقيادة النقيب لطفي جاد الله في السابعة وأربعين دقيقة بإطلاق صاروخين آخرين انفجرت على أثرها المدمرة وهوت إلى القاع.
كان محمد حمام لا يزال صبيا يلعب الكرة مع أصدقائه بالسويس، وقد شاهدوا ضحايا ضرب إسرائيل لمعمل تكرير البترول في الزيتية، والحرائق المشتعلة، وأدركوا منذئذ قسوة الحرب. كان أبوه مساعد إطفاء وقد وقفوا اياما متواصلة بلا نوم ، يحاصرون النار المشتعلة حتى لا تزحف إلى المدينة وتقضي عليها . كانت مرارة إغراق المدمرة تشعل الغضب الصهيوني .
في الأيام التالية قصفوا المدينة ذاتها، المدارس والمستشفيات والأسواق المكتظة بالباعة. حتى قطارات السكة الحديد .
عاد الأب منهكا وأخبر أسرته بجمع حاجياتهم فالهجرة بدأت . كانت لحظات قاسية ومريرة أن يتركوا المدينة التي أحبوها.
ويعود الضابط محمد حمام من شروده بسنوات صباه ، فمياه القناة بالاسماعيلية رائقة، يجتازها “باهي” والذي أصيب بهتك بضلعين بجوار القلب إثر شظية عمياء، يغسل الرفاق ألمهم بالمياه التي كادوا يستشهدون للزود عنها.
ومازلنا مع ذكريات الحكمدار : “كانت مهمة الكتيبة المحددة هي احتلال دشمة الدفرسوار وتل سلام .. تمركزوا شمال البحيرات المرة في المنطقة التي تفصل الجيش الثاني عن الجيش الثالث. حول دشمة الدفرسوار تساقط جنود كثيرون. اندفع القائد غير عابيء بالطلقات التي حولته إلى خرقة مثقوبة من لحم ودم وعظام . كان منظرا يثير الرعب . لكن الجنود اندفعوا في إثره واحتلوا الدشمة بعد مقاومة رهيبة وقتال بالسلاح الأبيض . تم تطهير الموقع وساقوا الأسرى للمؤخرة .
روى سيد جابر كيف أسره العدو بعد إصابته بشظية بترت صباعي قدمه، وقد أبقوا عليه حيا فكانت المرة الأولى التي لا تدوس دباباتهم الأسرى فتطحن عظامهم! ، لأنه صار لدى مصر أسرى منهم ويريدون مبادلتهم، ولا يخلو الأمر برغم البؤس في مستشفى النقب الإسرائيلي من مواقف إنسانية وأخرى ساخرة .
كان الراوي حريصا على نقل روح الجنود المحيطين به، من حيث هم بشر، يميلون للحياة بمباهجها ويتلاسنون ويتبادلون النكات ثم تعيدهم ذكرى الحرب لوجوم مخيف،
يتذكر الجنود شجاعة قائد ثاني الكتيبة مقدم محسن فوزي الذي كان يشارك رجاله صنع الحفر البرميلية والتغطية بشباك التمويه على المدافع وقيادة مجموعات الاستطلاع في عمق دفاع العدو . والعقيد أحمد إسماعيل الذي عبر مع النسق الأول دون أن يطلب من أحد ذلك .
سعت القوات المصرية لاحتلال الطريق الأوسط الذي يمتد من داخل عمق سيناء إلى شمال البحيرات، و”حتى ليلة 16 أكتوبر كنا نتوغل . نصد الهجمات المضادة ونكسر رؤوس الكباري المعادية، ونقبع في انتظارهم ملتفين في ترقب حذر صامت، ثم يحصدون بنيرانهم من يقترب على الأرض من قوات العدو محتمين بمجنزراتهم.
صمود عجيب
كانت إسرائيل تستخدم خديعة الدبابات المصرية التي ترفع العلم المصري وقد حصلوا عليها من أيام هزيمة 67 للتمويه ثم يضربون بالمصريين، وكان الأمر يحتاج ليقظة كبيرة، كما كانت أعدادهم هائلة بالفعل وإمداداتهم أيضا، يطلقون رشاشات النصف بوصة بغزارة . في المقابل كانت صلابة المصري بلا حدود، وقد ركز الهاون قصفه على الدبابات المتحركة في الخلف. وواصل الأفراد الضرب لساعات دون توقف حتى كادت مواسير مدافعهم أن تنصهر .
أحد الجنود ويدعى مرسي ، كانت له عادة، أن يفطر بالمغرب حيث الجنود صائمون برمضان، ويذهب لدبابات العدو “كي يهضم” يقذف بالقنابل ويعتلي جنب الدبابة ويلقي بمسمار الأمان ولما وصل للدبابة الخامسة استشهد بنيرانهم وقد تقدموا لدهس موقعه بدبابة تحمل جسمانه .
طهرت الحرب الجميع؛ يذكر المجندون رفيقهم “نبيه حمام” من المنوفية، وهو محتال ولص صغير ولكنه في الحرب كان يقوم بعمل سرية كاملة العتاد فينقل الصناديق بمفرده وسط هجوم الدبابات يحملها على كتفه دون أن يزحف ويواجه الموت كل لحظة وهو يخلي الجرحى ، وقد أسر إسرائيليا وأمره بخلع ملابسه والسير وسط النيران بالملابس الداخلية ثم سلمه للكتيبة، كما أصبح مصدرا سريا لتبادل الإشارات ، وقد حصل على نوط الواجب وأعفى من المحاكمة والحبس بعد انتهاء العمليات
كانت التعزيزات قليلة للجيش المصري، واستمر طوال الليل القتال الضاري، وفجأة هدرت الدبابات بينما طلعات النيران تقصف مواقعنا في موجات وكأن الجيش الإسرائيلي كله يهاجم اللواء 16 مشاة بكتائبها الثلاث، جرى القتال بالسناكي والطلقات والأيدي وتماست مواسير الدبابات وجنودهم داخل مجنزرات تحميهم غالبا بينما جنودنا يصارعون الموت بشجاعة،
بقيت الكتيبتان 16 و17 داخل سيناء وجاءت الأوامر بانسحاب الكتيبة 18 إلى سرابيوم لمنع الدبابات الإسرائيلية من التقدم نحو الإسماعيلية، وكانت فرق الصاعقة تحاصر الدبابات المتسللة للدفرسوار، وظل الجنود المصريون يقاومون حتى نفذت ذخيرتهم وصار الانسحاب أمرا لا بديل عنه ! وقد تبعتهم طائرات الفانتوم الإسرائيلية للقضاء عليهم، كان بكاؤهم صامتا مريرا لأنهم لم يعودوا يخشون الموت ولكن ينقصهم السلاح.
كان المصريون قد تدربوا في الأيام القليلة التي عاشوها في القتال على العمليات الانتحارية وللتعامل مع فرق العدو في الأحراش وداخل المدن . من يتذكر السيد هارون الذي استشهد وهو يحذر رفاقه من طائرات العدو .
مضى الجنود يحاربون حتى 24 أكتوبر وبعد سريان وقف إطلاق النار، وقد جاء العدو بحاخاماته في حماية الصليب الأحمر والطواريء الدولية في كل موقع بالدفرسوار نبشوا الأرض وأخرجوا موتاهم .
يفترق الراوي عن الحكمدار بعد تجنيده المؤقت بالعامرية، وفي الإسكندرية تكون فسحة لالتقاط الأنفاس والطمأنينة بعد شرود طويل والعزم على كتابة سيرة من سقطوا بالحرب فلم يشعر بهم أحد ، وقد أعجب بشقيقة سيد جابر بعدما زار أسرته لطمأنتهم عليه، وعاد بعد شهرين للدفرسوار ليشاهد عودة الكثير من الأسر المهجرة . وحين حط به الرحال لسيناء كان الفرق شاسعا، فالصحراء بمخاطرها تحمل جلد الحرب ، هنا حيث من المألوف أن تصادف عقربا أو أفعى أو أن تبيت جائعا ، تحمل الكواريك الثقيلة وتطهر المواقع وتزخر الخياشيم بذرات الرمال .. وفي الإسماعيلية قضى الجنود عيدهم من جديد بقلوب مثقلة بصدى أنين الحرب .
سيكون حال الراوي بعد إنهائه خدمته تماما كذلك الصياد الذي عثر عليه بلوحة في ممر إحدى المستشفيات – وكان يزور زميلهم الذي بترت ساقه نتيجة لغم أرضي أثناء عمليات التطهير- وباللوحة يبتسم الصياد وهو يجدف وسط أمواج متلاطمة
لقد صار “وميض الجبهة” الذي أفزع الكاتب بأسراره أمرا مألوفا؛ فالأجساد التي تطوحت وسكنت حفرة ضيقة في سيناء شبيهة بتلك التي وجدت وضمخت بالعطر وشالتها الأكتاف داخل نعش خشبي، وصفوف مشيعين.. هل يحتاج الأمر لشواهد وأضرحة .
“لا شيء يموت في الذاكرة . لا شيء”