يعتبر العميد حمدي نجيب، الملقب بـ«قائد رحلات الموت» بمعركة «كبريت»، في نصر أكتوبر 1973، أحد أبطال الكتيبة 603 مشاة برمائي، وكان من المشاركين في النصر العظيم 6 أكتوبر 1973، فهو من مواليد شهر أغسطس عام 1949 في القاهرة، وقد التقاه موقع «صدى البلد» وإليكم نص الحوار:

من هو «قائد رحلا الموت»؟

تخرجت في الكلية الحربية عام 69 كضابط مشاة، وكنت منذ تخرجي أحلم باليوم الذي تحين فيه اللحظة التي نأخذ بثأرنا فيها من إسرائيل التي احتلت جزءا عزيزا من أرض مصر التي أعشقها أنا وأجدادي، وكان القرار الذي اتخذه الضباط والجنود منذ اليوم الأول في حرب أكتوبر قرروا عدم العودة إلى منازلهم مرة أخرى إلا بأحد «السبيلين»، النصر أو الشهادة، وبسبب الإرادة والعزيمة والتدريب الجاد، وفقنا ربنا وحققنا النصر.

ما هي المهمة التي كنت أحد عناصرها في حرب أكتوبر؟

قبل الحرب بشهور، تم تدريبنا كوحدة خاصة تلقب بكتيبة المشاة برمائي، في قاعدة إسكندرية البحرية، وكنا من الأوائل الذين أضربوا على هذا، ثم انضممت إلى الكتيبة 603 التابعة للواء 130 مشاة ميكانيكي، وعبرنا القناة مع أول موجه للعبور يوم 6 أكتوبر مع الكتيبة 602، وكانت مهمتنا الأساسية هي «احتلال المضايق»، وممرين «متلا – والجدي»، لمنع العدو من إمداد النقط التي قمنا باحتلالها بالتعزيزات.

يوم 8 أكتوبر، صدرت لنا الأوامر باحتلال نقطة كبريت القوية، وكانت من أخطر وأصعب النقاط في مواجهة مدينة السويس، وهي المنطقة الفاصلة بين الجيشين الثاني والثالث الميداني، وأضيق منطقة بين «البحيرات المرة»، الكبرى والصغرى، والقريبة من شاطئ القناة، وترجع أهميتها إلى أنها تعتبر مقر لمركز عمليات إسرائيلي كبير، يشرف علي تأمين خط بارليف، وأيضا ينزل فيه كبار القادة الإسرائيليين لمتابعة الموقف على طول جبهة المواجهة لمدينة السويس، وتشرف على مطار «كسفريت الإسرائيلي».

وكانت هذه النقطة محصنة بألغام، وتحيط بها دبابات لها مرابض تتخفى وراءها، تقوم بضرب الأهداف ثم تختبئ وراء المرابض، فلا يستطيع أحد استهدافها، وتقع هذه النقطة بين ثلاث اتجاهات للعدو والخلف قناة السويس، أي العدو أمامنا والبحر خلفنا، ورغم ذلك عبرنا إلى المنطقة وتعاملنا مع نيران ودبابات العدو لمدة يومين، وكانت هناك خسائر كبيرة من الجانبين، لكن الجانب الإسرائيلي تكبد خسائر أكبر في الأفراد والمعدات، حتى هرب باقي جنوده من الموقع وخرجوا فارين.

وقمنا باحتلالها فورا، ونظرًا للأهمية الكبيرة للنقطة، كانت القوات الإسرائيلية تقوم بغارة كل 5 دقائق مع أول ضوء وحتى آخر ضوء، لكننا قاومنا وكبدناهم خسائر فادحة، ومن أكثر الغارات التي تصدت لها قواتنا في معركة كبريت، عندما علم المقدم إبراهيم عبد التواب، أن الإسرائيليين يحضروُن لغارة على الموقع، وتحركت إلينا أكثر من 20 دبابة، فأصدر القائد إبراهيم أوامره بالضرب والهجوم، فأصيب الإسرائيليون بحالة من الذعر الشديد، وتم تدمير حوالي 16 دبابة إسرائيلية، ما اضطر الآخرين إلى الهروب.

وحاولت سيارة إسرائيلية الاقتراب من الموقع، فقام أحد أفراد الكتيبة بضربها، فانقلبت وتم أسر ثلاثة جنود إسرائيليين، كانوا على متنها. وأثناء التحقيق معهم، كشف الأسري عن غارة إسرائيلية ضخمة يعد لها بهدف «دك» الكتيبة في الخامسة مساء، وبالفعل أربع طائرات فانتوم دكت الموقع بشراسة، و رغم ذلك ظلت القوات صامدة، ولم يستطع الإسرائيليون اقتحام الموقع مجددًا.

كيف استطعتم الصمود وسط هذا التهديد؟

كنا حوالي 400 جندي وضابط تحت قيادة البطل إبراهيم عبد التواب، في هذا الموقع كنا نقاتل بكل قوة، وأخذنا على نفسنا عهدا أننا لن نترك النقطة أبدا للإسرائيليين، إلا على جثثنا، وفقدنا الاتصال بقيادة الجيش الثالث الذي نتبعه إداريا، وبدأت الإمدادات والذخيرة تنفذ.

ما سر تسميتك بقائد رحلات الموت؟

عندما اشتد القتال وبدأت الذخيرة تنفد، اقترحت أنا وزميلي «عصام هلال علي»، قائد اللواء، أن نقطع المسافة بيننا وبين الجيش الثالث سيرا على الأقدام، حتى نعرض عليه موقفنا، لكنه رفض في البداية لخطورة الطريق، وخوفا من أن يتم رصدنا من عناصر الأمن الإسرائيليين وقتلنا، لكن مع الإصرار، وافق وبالفعل تحركنا مع أول ضوء، وسلكنا طريقا خلف القوات الإسرائيلية، وخلال الرحلة التي تبعد 13 كيلومترا عن موقعنا، استطعنا رؤية تمركزات العدو في الطريق، وأعداد دباباته وأسلحته، وأبلغناها للقيادة عندما وصلنا.

وقام قائد الجيش لثالث بإمدادنا بالمعدات اللازمة لدباباتنا، وإجهاز اتصال متكامل وطبيب وإمدادات طبية للجرحى، وعدنا أنا وزميلي متسللين خلف العدو، حتى وصلنا للموقع مرة أخرى، دون أن يلاحظنا الإسرائيليون، وبعدما نجحت التجربة، اقترحت على قائد اللواء مصاحبة الجرحى للوصول إلى قيادة الجيش، والعودة بالإمدادات للكتيبة، وظلت هذه الرحلة أسبوعية وقاموا بتسميتي «قائد لرحلات الموت» بسببها، لأنني كنت أنقل الجرحى والإمدادات، بالرغم من خطورة الرحلة المكتوب عليها الفشل بنسبة 99%، ورغم ذلك، نجحت كل الرحلات لمدة 114 يوما حتى 2 فبراير 1974 ولم نتركها للعدو أبدا.

وما هي أهم ذكرياتك في «معركة كبريت»؟

من الأشياء التي لا أستطيع نسيانها أبدا، أنه عندما توقف الدعم والإمداد، كان هناك نقص كبير في المياه، ونستطيع تحمل عدم الأكل، لكن عدم تحمل «الشرب» كان صعبا، وكانت وراءنا قناة السويس، لكن مياها مالحة، فقام أحد الجنود من حملة المؤهلات وكان خريج كلية علوم بتسخين المياه وتبخيرها واستخلاص المياه النقية ليشرب منها الموجودون في الموقع وكانت أول سابقة لتحلية مياه البحر في مصر أثناء حرب أكتوبر.

وكانت هناك بطولة أخرى لأحد الجنود، الذي قام بزرع عدد من الصواريخ والألغام، لتفجير الآليات الإسرائيلية التي تهاجم الموقع، وقد نفدت الذخيرة، وكان هناك «رتل» من الدبابات قادم علينا، فقمنا بإخلاء الموقع، وأن يقوم كل فرد بحفر حفرة والاختباء بها من نيران العدو، وبقيت أنا وزملائي عصام والجندي، بزراعة الألغام وقررنا الموت، أهون من الأسر، أو ترك النقطة، وتم تفجير كل الألغام التي زرعها الجندي منذ الصباح، لكنها لم تصب دبابات العدو، وبقيت ثلاثة فقط لابد من تفجيرها عن قرب، واستأذن الجندي منا أن يقوم بهذا العمل، لكننا رفضنا.

وحاولنا أن نقوم بها نحن، إلا أن الجندي أصر، ما جعلنا نوافق، وقام باستهداف الثلاث دبابات بثلاث صواريخ، ما أجبر العدو على الالتفاف والهرب سريعا، خوفا من صواريخنا، ولم يكونوا يعلمون أنها آخر 3 صواريخ، وأن الموقع لا يوجد به غيرنا، وهم كانوا يهاجمون بآليات كبيرة ومتعددة، وأنقذنا الموقع، وعادت باقي القوة إليه مرة أخرى.

استشهد المقدم إبراهيم عبد التواب يوم 14 يناير 1974، وعندما علم الإسرائيليون بنبأ استشهاده، توقفوا عن الضرب في هذا اليوم، ولم تخرج طلقة واحدة منهم تجاه الموقع، تعبيرا عن احترامهم الشديد لتمسك هذا القائد بالموقع، واستبساله ضدهم طوال هذه الفترة، وظلت الكتيبة صامدة حتى بعد استشهاد قائدا لمدة شهر آخر، حتى قرار إيقاف إطلاق النار، وغادرناها في 20 فبراير 74.