بداية، نعترف بأن الكتابات المتعلقة بحرب السادس من أكتوبر 1973 قليلة ولا تليق بهذا الحدث العظيم، الذى غير تاريخ المنطقة، كما ترك أثره الكبير على الإنسان المصرى، خاصة المثقف الذى كان مشغولا بالتحولات التى أحدثتها نكسة 1967، ومع ذلك نستطيع أن نرصد عددا من الكتابات الأدبية التى تناولت هذه الأحداث العظيمة وما قبلها وما بعدها، فهناك (شجر الصبار) لمعصوم مرزوق، و(رجال وشظايا) لسمير الفيل، و (الخريف الدامى) لمحمد النحاس، و(سبع جبات من الرمال) للسيد الجندى، و(يوميات مقاتل قديم) للسيد نجم، و(سنوات الحب والموت) لبهى الدين عوض، و(يوميات على جدار الصمت) لمحمد السيد سالم، و(عندما تشتعل النجوم) لفوزى البارودى و(حدود الاستطاعة) قاسم مسعد عليوة، (المرصد) لحنا مينا و(أنشودة الأيام الآتية) لمحمد عبد الله الهادى.
ومع ذلك سوف نتوقف عند عدد من الكتاباب التى حققت شهرة ما فى تناول هذه الحرب ومنها.
"الرفاعى"
رواية للكاتب الكبير جمال الغيطانى، وتتناول بطولات العميد أركان حرب إبراهيم الرفاعى، مؤسس وقائد المجموعة 39 قتال، هذه المجموعة الاستثنائية فى تاريخ العسكرية المصرية، والتى قدر للمؤلف جمال الغيطانى،أن يقترب منها ويعايش أفرادها وأعمالهم القتالية عن قرب فى فترة صعبة واستثنائية .
والرواية تحكى عن الرفاعى ورفاقه، التى تشبه حكاية الأبطال الذين قاموا بهذه الملحمة الكبرى التى غيرت تاريخ المنطقة.
"حكايات الغريب"
مرة أخرى يحكى جمال الغيطانى حكاية المواطن والجندى المصرى "عبد الرحمن"، الذى اختفى خلال الفترة ما بين نكسة 1967 وحرب أكتوبر المجيدة عام 1973، وظل أهله وأقاربه يبحثون عنه طوال الفيلم ليجدوا كل مرة من يؤكد لهم أنه كان موجودا فى إحدى المدن ولكن باسم آخر.
وحكايات الغريب مجموعة قصصية كتبها الغيطانى عام 1976 وركزت على روح أكتوبر التى تفجُّرت شعبيًّا، خصوصًا أثناء حصار السويس، حيث وجد المواطن المصرى البسيط نفسه أمام التحدى الكبير، فأبى أن يترك أرضه، ودافع عنها بكل ما يمكنه من قوة.
الحرب فى بر مصر
هذه الرواية المهمة جدا حكاية "مصرى" بطل الحرب فى بر مصر التى تجسد تضحية جيل بأكمله فى حرب السادس من أكتوبر، ولأن تأثير الحرب يتجاوز الجانب العسكرى فى ميدان المعركة بل يمتد إلى آثار إنسانية شديدة العمق لأن الثمن الذى يبذل فيها أرواح من لحم ودم.
لم يكتب العقيد فى تلك الرواية عن المعركة ذاتها، لكن عما حدث من تداعيات فى نفوس الجنود، والناس عامة، فكتب عن الجنود باعتبارهم بشرا عاديين، فى وقت كان الإعلام المصرى، يتعامل معهم على أنهم أبطال، مشيراً إلى أن أكتوبر حوّله النقاد إلى شهر السؤال وليس شهر الحرب، تذهب روايته "الحرب فى بر مصر" التى حازت على المرتبة الرابعة ضمن أفضل مئة رواية عربية إلى أن هناك مصريين ضحوا بأرواحهم فى الحرب، فى حين ذهبت العائدات المترتبة على النصر إلى طبقة الأثرياء التى لم تشارك فى الحرب بل تهرب أبناؤها من التجنيد.
رواية القعيد ظلت ممنوعة من مصر من عام 77 إلى عام 85 وكان المنع بسبب محتواها السياسى لأنها تقول أن الحرب قام بها الفقراء وحولها الأغنياء إلى مشروع استثمارى ولهذا طبعت الرواية فى بيروت وفى فلسطين وبغداد والسودان والجزائر ولم تطبع فى مصر إلا بعد ثمان سنوات .
زهر الخريف
كتبها الروائى والباحث السياسى الدكتور عمار على حسن، وتدور أحداثها حول شابين أحدهما "على عبد القادر إسماعيل" والآخر "ميخائيل ونيس سمعان" اللذان عرفت الصداقة قلبهما وجمعهما حب البطولة والكفاح لحماية قريتهم الطيبة من عصابات الليل، وكأن القدر كان يعدهما لتحقيق بطولة أكبر وهى الاشتراك فى حرب أكتوبر 1973 فلم يترددا فى تلبية النداء، ورحلا سويا وهما يحلمان بالعودة برايات النصر خفاقة، إلا أن حلمهما لم يتحقق، فقد روت دماء ميخائيل أرض، أما "على" فقد ضاع فى الصحراء الواسعة ولم يجدى البحث عنه إلى أن تكشف لنا الرواية فى نهايتها من خلال أحد الجنود زملاء على أنه مات محترقا فى إحدى الطائرات.
ويتجسد الوفاء فى ابلغ صوره من خلال الشخصية الثالثة فى الرواية وهى "وفاء" زوجة وحبيبة "على" التى لم تمهلهما السعادة سوى أسبوع واحد بعد زواجهما، ثم ذهب إلى الحرب لكى يلبى نداء الواجب والوطن، إلا أنه لم يعد، ومع هذا لم تفقد وفاء الأمل فى رجوعه وهى تنتظره فى شباكها حالمة باليوم الذى يخترق فيه جسده أستار الظلام المسدلة على قلبها، غير عابئة بالمشيب الذى يدب فى شعر رأسها مع مرور السنين، وهى تنتظر بجوار صديقاتها جورجيت حبيبة الشهيد ميخائيل، وتصور الرواية كيف أحضر نصر أكتوبر الأمان إلى القرية.
دوى الصمت
للكاتب علاء مصطفى، وما يميز هذه الرواية أن كاتبها عاشها بالفعل وهو يخوض كضابط بالجيش أهوال حروب رافقته رحلة حياته فى يونيو 1967م، حرب الاستنزاف، أكتوبر 1973م يعانى ويلاتها بكل قلبه وإحساسه مكتوياً بلظاها، مكتسباً تلك المعرفة التى لا تقدر بثمن.
وفى الرواية انطلق "مصطفى" ناقماً على أهوال الحروب ومآسيها ومعبراً عن أعظم المواقف الإنسانية فى الحب والحرب، وهى ليست تأريخاً لبطولات عسكرية فحسب أو عملاً أدبياً بحتاً، بل هى رواية تحقق المعادلة الصعبة فى المزج بين التفاصيل الفنية لسير المعارك العسكرية، والجانب الأدبى المفعم بالمشاعر والروح الإنسانية الفياضة المتضمنة مآثر الحرب والنضال وقصص الحب العارم التى تدور أحداثها بين دول متفرقة.
والرواية رؤية للتفكير العسكرى المتطور تعطى مصداقية لمحاولة القوات المسلحة لتسجيل حرب أكتوبر بصدق وأمانة.
الرصاصة لا تزال فى جيبى
"كل ما فى هذه القصة من حوادث وشخصيات هو مجرد صور أطلقها خيالى.. لأن كاتب القصة غير المؤرخ وغير المحقق الصحفى أنه حتى وهو يتعرض بقصته للأحداث الوطنية العامة يعتمد على خياله متحررا من الارتباط بالواقع.. وكل القصص العالمية التى انطلقت من سنوات الحرب، أو من الثورات الوطنية الكبيرة، لم تكن ترسم واقعا ولكنها كانت خيالا من وحى واقع.. وأقول هذه الكلمة حتى لا يحاسبنى أحد بميزان الواقع، ولكن فقط يحاسب خيالى، وهذه القصة كتبتها على مرحلتين كتبتها أولا قبل حرب 6 أكتوبر، وتوقفت بها عند مرحلة معارك حرب ا لاستنزاف، ونشرت هذه المرحلة تحت عنوان”رصاصة واحدة فى جيبى” وبعد 6 أكتوبر كتبت المرحلة الثانية من القصة تحت عنوان الرصاصة لا تزال فى جيبى"، هكذا قدم إحسان عبد القدوس فى مقدمة روايته الرصاصة لا تزال فى جيبى.
ويستهل "عبد القدوس" روايته قائلاً على لسان محمد بطل الرواية "هل هذا كلام يا رجل إنى أجلس أمامك مرتدياً بدلة الجندى وفى يدى سلاحى ورغم ذلك فإن أول ما تسألنى عنه هو قصتى مع فاطمة.. لم يخطر ببالك ان تسألنى أولاً عن قصتى مع اليهود.. قصتى فى الحرب.. أنت تسألنى عن فاطمة لأنك تعرف فاطمة وعشت فى قصتها.. ولم تسألنى عن الحرب لأنك لم تعش الحرب ولم تعرف اليهود كما عرفتهم أنا".
وتبدأ أحداث الرواية بالرغبة المحمومة لمحمد ذلك الشاب الجامعى فى أن يتعلم حمل السلاح حتى ينتقم من عباس رئيس الجمعية التعاونية الذى اعتدى على شرف ابنة عمه ومحبوبته فاطمة إلى الدرجة التى يقول فيها " أصبح خيالى يقيم تمثال بطولة لكل رجل قتل آخر من أجل فتاة رداً لشرفه، إنى أريد أن استرد شرفى "لهذا انضم محمد إلى التدريب العسكرى فى الجامعة وأمسك لأول مرة فى حياته بالبندقية التى جذبته بعيداً عن عالم الأدب والفلسفة وخلقت منه شخصية جديدة مما دفعه هذا لعمل المستحيل لدخول الجيش.
العمر لحظة
للكاتب يوسف السباعى تقع أحداث تلك القصة فى أواخر 1969 وأوائل 1970 خلال الفترة المعروفة بحرب الاستنزاف، ولقد سجلت هذه الفترة أروع بطولات الجندى المصرى فى معارك العبور وضرب المدفعية وعمليات القناصة وتوغل الكوماندوز إلى أعماق العدو، وفى معارك الجو والبحر التى أكدت قدرة الجندى المصرى فى المواجهة ومنحت العدو أياماً مرهقة ، وأهدته أكبر قدر من الخسائر ، كانت المعركة رمزا لصلابة الجندى المصرى وجرأته وفدائه ولقد حاول الكاتب من خلال الرواية أن يقول عنها شيئاً أنصف الجندى المصرى والأدب المصرى أمام التاريخ.
"نوبة رجوع"
فى الرواية رصد محمود الوردانى ما قام به العسكرى المصرى فى مواجهة الموت بمنتهى البساطة، وبدون تعقيد كما يتناول الكاتب ما حدث بعد الحرب من انفتاح اقتصادى و زيارة القدس، وصلح مع العدو من خلال المعاهدة ويرى "الروردانى" فى تصريحات صحفية أن المعاهدة التى أعقبت الحرب لم تكن مناسبة للتضحيات التى قدمها الجنود خلال الحرب .
والرواية صدرت عام 1990 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، إلا أن الوردانى انتهى من كتابتها عام 1982، وعن تأخره فى كتابة الرواية يقول أن الحرب تجربة كبرى تشبه السجن والموت، ومن ثم لابد من استيعابها أولاً قبل الكتابة عنها، حتى لا تخرج الكتابة انفعالية .
"موسم العنف الجميل" لفؤاد قنديل
يقول الروائى فؤاد قنديل عن روايته "لم أكن قادر على كتابة أى موضوع، و تصر حرب أكتوبر على الظهور لى فى اليقظة والمنام، وأنا أشكى لها عجزى، لأنى لم أخض الحرب وهى تصر، حتى رضخت وقررت خوض التجربة، وهكذا أمضيت عدة سنوات فى القراءة عن الحرب ومُشاهدة أفلام حربية وزيارة الضباط والجنود فى سيناء حتى انتهيت من رواية موسم العنف الجميل ”.
"السمان يهاجر شرقاً" للسيد نجم
تعبر الرواية عن "تجربة الحصار" ذاك الذى كان وعبر عنه الجنود حول حالتهم النفسية طوال السنوات السابقة عن بداية المعارك، أو الحصار الفعلى، بعدما انتقل جنود كتيبة المشاة وعبروا منطقة نقطة دشمة كبريت الحصينة على الضفة الشرقية للقناة، تقع الرواية فى عدة فصول: "العصفور لا يغرد ولا يبكى، الطيور الفزعة،السمان يهاجر مرتين، الثيران تلتهم التورتة،الجمل يجتر ما فى جوفه، ذكر النحل يموت فى أنثاه،الطيور لا تأكل عشها" وتحت دلالة تلك العناوين، عايش القارئ تفاصيل التجربة.. الملل والضيق النفسى الذى يعانيه الجنود.. بداية رفع درجة الاستعداد مع استدعاء الجنود الإجازات حتى بداية المعارك على غير توقع من الجميع .
سرابيوم
فى رواية «سرابيوم» لا يستعرض مؤلفها محمود عرفات، الذى شارك فى حرب أكتوبر كضابط احتياط فى أحد التشكيلات القتالية المدرعة بالجيش الثانى الميدانى، معرفته بالتسليح وخطط المعارك، ولكنه ينسج عملا إنسانيا ذا شجون، سيحتفظ لنفسه بمكانة فى "أدب الحرب" الذى يتصارع فيه السلاح مع أشواق الإنسان إلى الحرية.
ويقول الكاتب "سعد القرش" عن الرواية "من فاتته المشاركة فى حرب أكتوبر 1973، أو كان بعيدا عن محيط مدينة الإسماعيلية خلال الحرب وبعدها، ربما يقرأ كلمة «سرابيوم» فيظن فى هذا العنوان نوعا من المراوغة، كأن يكون حاصل جمع كلمتى «سراب» «يوم». ولكن «سرابيوم» لا تحتمل هذه المراوغة، ولا تمتلك ترف المجاز، فهى حقيقة جغرافية، قرية فى الإسماعيلية، بالقرب من قناة السويس، وفيها تدور أحداث هذه الرواية للكاتب المصرى محمود عرفات، وتصدر يوم 15 أكتوبر 2015 فى سلسلسة «روايات الهلال».