سنوات طويلة مرت على تبادل الأسرى بعد حرب أكتوبر والإفراج عن الضابط حمدى عمران الذى شارك فى حرب الاستنزاف وانتصر مع زملائه فى حرب أكتوبر ووقع أسيراً بعد معجزة نجاته من الموت، حيث ظل 6 أيام فى مياه البحر، بعد أن أصاب مركبته صاروخ إسرائيلى. انتماء ووطنية تشعر بها بمجرد دخولك للمنزل الذى يحمل كل من فيه شعارات حماية الوطن والدفاع عنه. الرائد حمدى عمران، الذى نجا بأعجوبة من الموت والأسر، يحكى لنا سنوات نضاله مع أبطال أكتوبر، وكيف نجاه الله من البحر ومخاطره وحكاياته مع الموساد بعد أسره، ومشاعره بعد نكسة 67.
يقول عمران: دخلت الجيش سنة 64 بالثانوية العامة، حتى التحقت بالوحدات العائمة التى كانت تشمل وحدات الصواريخ، وكانت مهمتى فيها تشغيل «فورمال الكهرباء» الموجودة على المركب، وخرجنا من حرب 67 بخسارة ونكسة، لعدم الإلمام بالتعليمات والاستعدادات فى العمليات العسكرية بشكل جيد.
ويضيف عمران: «الجيش كله أراد التخلص من وصمة العار التى لحقت بنا فى 67، وأصبح هناك استعداد دائم ومستمر للحرب، سواء كان من خلال الجيوش الأرضية أو البحرية والطيران، والجميع كان يتدرب بشكل مختلف وفقاً لتعليمات الرئيس محمد أنور السادات الذى كان بالفعل جنرال حرب يعرف ما تعنيه المعارك برسومها ومخططاتها».
ويحكى الرائد حمدى عمران مهمته فى يوم العبور قائلاً: خرجنا فى مهمة تأمين فى وقت الفجر، حتى وصلنا إلى بورسعيد فى الثانية عشرة، حين صدرت التعليمات وقتها بفتح ظرف العمليات الذى كان ممنوع علينا فتحه قبل ذلك لضمان سرية العمليات، واتضح ضرورة تغيير خط السير من ميناء بورسعيد إلى يافا.
ويكمل عمران «فى الثانية عشرة مساء كان اللانش الذى نستقله هو» اصطياد، مخصص لرصد وإبعاد القطع الحربية فى حالة وجود أى هجوم، وبالفعل قمنا بتنفيذ مهمتنا الأولى، وعمل ساتر دخانى، ولكن تفاجئنا بهجوم «الفانتوم» الذى يضرب أى أهداف متحركة، وأصاب المركب التى كنا نستقلها، من الجانب فشقها نصفين واستشهد وقتها 14 محارب من إجمالى 36 آخرين وجدوا باللانش.
ويضيف عمران: «لم يكن أمامنا سوى ما يسمى «كارلو فلوت» وهو عبارة عما يشبه برميل يسمح بـ6 فقط داخله والتف الباقى حوله بالتبادل، وسرنا فى البحر 6 أيام بليالهم يتساقط منا الشهيد تلو الأخر، بعد أن انتهت المياه العذبة والطعام، وكان البعض يلقى شهادته وهو واهم بسراب النخيل والمياة فيموت غرقاً.
ويقول عمران: «أتذكر زميلنا حسن عبد النبى، الذى أنقذنا عندما حدث ثقب فى وسط «الكارلو فلوت» وكدنا نموت جميعاً غرقى، وجلس عليه لمدة 3 أيام حتى أصيب بعدها بالشلل، ورأينا إحدى الجزر، ومن شدة فرح صديق آخر لنا نزل من المركب وبدأ يدفعه للجزيرة حتى استشهد غريقاً هو الآخر، ووصلنا إلى الجزيرة وعددنا 4 لا نقدر على شىء من التعب والإجهاد وما أصاب عقلنا من هيام فى بحر لـ6 أيام».
ويسير عمران: كنا ندفن الرتب الخاصة بنا فى الرمال، وكل منا لا يرتدى سوى قطعة ملابس واحدة، وبقينا فى الجزيرة يوماً اخر حتى اكتشفتنا الهليكوبتر الإسرائيلى، حيث نزل منها ضابط مسلح بالرشاش ووضعنا بالطائرة.
ويقول حمدى عمران: «أتذكر وقتها حرص الضابط الإسرائيلى على حياتنا، من أجل الاستفادة منا فوضع على أفواهنا شاش، وخرطوم صغير يصب المياه بنقط صغيرة عليه، وقال «بدك تعيش سيب الشاش، بدك تموت شيل الشاش»، ثم أنزلنا فى نفس الميناء الذى قمنا بضربه وأودعونا بمستشفى عسكرى لمدة 36 يوما، بعدها كانت الرحلة الأخرى للموساد.
يقول عمران: رحلة مستمرة لمدة 14 يوماً من الاستجوابات المتتالية بمكتب الموساد، وهناك كان أفراد شوام هم من يقومون بسؤالنا والترجمة للضباط الإسرائيلين وتفاجئنا بمعرفتهم معظم الامور العسكرية عنا، وكان كل همه منى أن يعرف معنى ما قلته عن وظيفتى بعد أن أخبرته أن عملى فى الصاروخ هو «لمبة»، وهو الأمر الذى أثارت حفيظتهم.
أما عن تفاصيل عودته لمصر فيقول: جائنى قائد المعسكر وقتها وكان يدعى جورج وأخبرنى بموعد ترحيلى فى صباح الغد، وفى الباكر فتحت الأبواب وتوزعت علينا بيجامات تحمل نجمة إسرائيل، وأكياس بها «ساندوتشات» وأقلونا داخل أتوبيسات إلى المطار، حيث كنا أول فوج تبادلت فيه مصر الأسرى مع إسرائيل.
ويشير عمران: كان البجميع قد فقدوا الأمل فى عودتى إلى مصر مرة أخرى أو نجاتى من الحرب، وتم إبلاغ أسرتى بفقدانى، وتسلموا المعاش بالفعل، حتى سمعنى زملائى على أثير إذاعة إسرائيل، وعاد الأمل مرة أخرى، ونزلنا من طائرات الصليب الأحمر إلى مطار منشية البكرى، حيث كان فى انتظارنا المشير أحمد اسماعيل الذى استقبلنا أفضل استقبال، ثم جاءت جيهان السادات لزيارتنا فى المستشفى التى وضعنا فيها بناء على تعليمات المخابرات العامة.
رضوان الغول.. أحد جنود انتصار أكتوبر يتذكر.. اقتحمنا حصون العدو وأسرنا جنودهم.. اجتزنا الساتر الترابى ونحن نردد وراء قائدنا المسيحى وهو يهتف الله أكبر
«رضوان الغول» أحد جنود انتصارات أكتوبر، كان فى أول صفوف مقاتلى الجيش المصرى، التى عبرت قناة السويس، واجتازت الساتر الترابى، وكبدت العدو خسائر فادة فى الأرواح والممتلكات.
فى منزل متواضع على ساحل مدينة العريش، يسرد «رضوان الغول» لـ«اليوم السابع» ذكرياته المجيدة، مشيراً إلى أنه شارك فى مقاومة احتلال سيناء، وهو فى المرحلة الثانوية، عندما كان طالبا فى مدرسة العريش الثانوية فى وقت احتلال إسرائيل لسيناء.
وكانوا كطلبة يقومون بتوزيع منشوارات مناوئة لوجود المحتل، يخطونها بأيديهم ويلقون بها فى شوارع وطرقات المدينة، إلى جانب العوائق الحديدية على طريق سير وآليات ودوريات العدو، الذى تنبه لمجموعاتهم وحذرهم أكثر من مرة، وألقى القبض عليه وزملائه مرتين خلالها مارسوا ضدهم أصنافا من التعذيب، وفى المرة الثالثة تقرر أن يتم ترحيلهم خارج العريش عن طريق الصليب الأحمر، وبالفعل تم نفيهم وسلمهم الصليب للقوات المصرية، وتم نقلهم لمعسكر لمنظمة الشباب بالقاهرة ومنه انتقل للعيش عند أحد ذويه فى القاهرة والبحث عن لقمة العيش.
وتابع «الغول» بأنه التحق بصفوف التجنيد، وانتقل فى مراحله للجبهة المشتعلة على قناة السويس، وبعد 9 أشهر من التحاقه بالتجنيد والتدريبات تم تحريكهم فى مواقع أكثر اقترابا من الجبهة الغربية للقناة.
وأضاف: قبيل لحظات العبور وتحديد ساعة الصفر، لم نكن نعلم شيئا، وفى الساعة المحددة بدأت الطائرات تتجه نحو الشرق، وتدك حصون العدو، وبدأنا فى التحرك على القوارب المطاطية.
وتابع: بدأنا فى صعود الساتر الترابى، ومن الصدف أن القائد كان «مسيحى»، وكان معنا يهتف «الله أكبر.. الله أكبر صلوا على النبى.. صلوا على النبى» ونحن نردد وراءه وهو يحمسنا، ونتدافع نحو الجبهة وسط أتون المعركة واشتعال الأجواء وانهمار الرصاص من كل جانب.
وتابع «رضون الغول» سرد تلك اللحظات بقوله: «اقتحمنا حصون العدو وأسرنا جنودهم، وكانت المفاجأة بعد أن اطمأن الأسرى أنهم فى أمان، قالوا لنا إنهم كانوا يشاهدون مجموعات من الأشخاص المقاتلين يرتدون ملابس بيضاء اجتازوا حصونهم وأرعبوهم وهو ما شل حركتهم».
وتابع قائلا: كما كانت حلاوة الانتصار فى لحظة العبور أيضا معاناة الحفاظ على النصر، لافتا أنه كان ضمن جنود التبه الذين حوصروا فى الثغرة، وخلالها عاشوا معاناة استمرت لأكثر من مائة يوم، وهم لا يجدون القوات بعد أن توقف عنهم المدد، وبعد انتهاء الحصار عادت إليهم الحياة، وكانت فرحتهم وهما من جديد يواصلون تتبع آثار انتصارهم على الحدود وانسحابه أمامهم من مواقعه.
وأكد أنه سعيد بأسرته التى يفتخر بأنه ترك لهم تاريخا حافلا، ولم يتوانى لحظة فى معركة إعدادهم للحياة العملية، حتى أصبحت كل أمنياته فى الدنيا أن يراهم فى أسعد حال وهم: «محمد» مهندس كيميائى، و«نها» إذاعية فى إذاعة شمال سيناء، و«دعاء»، و«إسراء» و«إيمان» خريجات مؤهلات عليا ويعملن فى التدريس.
النقيب «عروج» يعيش على ذكرى يوم النصر.. أتمنى ألا يستهين الشباب بيوم انتصارات أكتوبر
النقيب «حمدى عروج» ابن مدينة العريش، له مع ذكريات انتصارات أكتوبر لحظات لا تنسى، يفتخر بها ضمن سنوات عمره التى قضاها فى القوات المسلحة جنديا متطوعا فى سلاح حرس الحدود حتى خرج للمعاش برتبة «نقيب».
قال «عروج» إنه التحق بسلاح حرس الحدود متطوعا فى مطلع شبابه، وكان هذا حال أبناء سيناء فى ذلك الوقت، حيث يلتحقون بسلاح الحدود متطوعين ويخدمون فيه ومرت سنوات الخدمة خلال حرب الاستنزاف، مضيفاً من بين كل الأيام التى قضاها فى العسكرية، كان أخلدها أيام انتصارات أكتوبر التى خلالها تم توجيههم على الجبهة من الخلف لحماية القوات بمنطقة جنوب الإسماعيلية والسويس.
ولا ينسى أنه فى هذا اليوم جاءت رائحة الانتصارات مبكرة، وكانت نفوسهم منشرحة لتلك اللحظات التى لم يكن لديهم علم بها، ولكنهم فوجئوا بأن قبة السماء تزدحم بأسراب طائرات تتجه من الغرب للشرق، وجاءتهم الأوامر بالتحرك لحماية مؤخرة الجبهة، وعملوا مجتمعين كجنود على تأمين وصول الإمدادات، ومرور القوات والتصدى لمحاولات عقب العبور للالتفاف من العدو على القوات، وتم تكبيدهم خسائر ومنع محاولتهم والتصدى لهم، واستكملت القوات الأمامية دحر العدو.
وأضاف «عروج» أنه راضٍ عن دوره الوطنى طوال فترة خدمته لوطنه، ويعتبر ما قام به واجبا وطنيا شاركه فيه أبناء مصر جميعا، وأن انتصارات أكتوبر سبق التجهيز لها بتخطيط جيد وإرادة الجندى المقاتل المصرى الذى تحدى ظرف لم يكن سهلا فى مواجهة إمكانيات عدو ليست بالهينة وصنع انتصارا أبهر العالم، انتصارا كانت إرادة الله العليا فى تحقيقه.
وقال، أتمنى ألا يستهين شباب اليوم بهذا الانتصار، ولا تمر ذكراه عليهم مرور الكرام، وأن يعلموا أن وراء ذلك شباب كانوا فى عمرهم فى مثل هذا اليوم عبروا ساترا ترابيا كان يعزل شبه سيناء عن الوطن، وهم من حرروا أرضهم.

العدد اليومى