نشأت أجيال ما بعد أكتوبر وترعرعت وكبرت على أغنيات الشرف العربى والكرامة الوطنية التى حققها أبطال الجيش المصرى على جبهة المجد فى سيناء نهار السادس من أكتوبر عام 1973، وعندما يحين موعد ذكرى الانتصارات من كل عام تشتعل أصوات الراديو وترتجف شاشات التلفزيون، خشوعا، وهيبة، ورهبة، وفرحا أيضا، بمشاهد النصر وبأغنيات خلدت اللحظة الفارقة فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر من نوعية: "رايات النصر" و"أم البطل" وغيرها.

أحفاد الموسيقار على إسماعيل يتحدثون للزميل محمد محسن أبو النور
على إسماعيل وأغنيات أكتوبر
فى الذكرى الثالثة والأربعين لانتصارات أكتوبر المجيدة، حكى أحفاد الموسيقار على إسماعيل، أحد صناع تلك الحالة الفنية التى ألهبت الحس الوطنى فى نفوس المصريين، لـ"اليوم السابع" كواليس إخراج الأغنيات من رحم الكلمات، وأصوات الأوتار، وأبواق الآلات، وحناجر نجوم الصف الأول فى مصر مثل: عبد الحليم حافظ وشريفة فاضل وغيرهما.
على إسماعيل أو الموسيقار الذى مثلت ألحانه نقطة تحول شديدة الأهمية فى شكل الموسيقى المصرية، واستطاع أن يخلد فى نفوس المصريين والعرب حالة النصر الأعظم، من خلال كلمات كتبتها زوجته الشاعر نبيلة قنديل ولحنها فى جبهته الخاصة.

على حسين على إسماعيل وشقيقته نبيلة يتحدثان عن أكتوبر فى حياة جدهما
فعندما كان الجنود يعسكرون فى سيناء ويخوضون معارك السلاح والنار الدم، بعد أن عبروا القناة وحطموا أسطورة خط بارليف فى ست ساعات فقط، كان على إسماعيل ومعه زوجته الشاعرة نبيلة قنديل والموسيقيين والمطربين يعسكرون كذلك فى مبنى التلفزيون بماسبيرو، يخوضون هم الآخرون معاركهم الخاصة، من خلال فنهم الذى ما يزال شاهدا ـ بكل إجلال ـ على العصر الذهبى لحضارة العرب المعاصرة.

الأحفاد رووا كواليس أغنيات حرب أكتوبر فى حوار خاص لـ"اليوم السابع"
تروى نبيلة حسين، حفيدة الموسيقار على إسماعيل، فى حوارها مع "اليوم السابع" ذكريات جدها فى الأيام الأولى لحرب أكتوبر، التى توارثتها عن أبيها الموسيقار حسين إسماعيل والذى نقلها هو عن أبيه على إسماعيل وسمعها منه وحفظها فى ذاكرته ومضت معه من عام إلى عام ومن القرن العشرين إلى الحادى والعشرين.

الراحل صاحب اللحنين الشهيرين "رايات النصر" و"أم البطل"
عبد الحليم ندم على رفض "رايات النصر"
تحكى نبيلة أن على إسماعيل قدم أغنية "رايات النصر" التى اشتهرت فيما بعد بـ"رايحين شايلين فى إيدنا سلاح" فى الأيام الأولى لحرب أكتوبر، مضيفة أن جدها أراد أن يغنيها عبد الحليم، غير أن الأخير تردد؛ فأصر على إسماعيل على إخراجها من خلال مجموعة كورال، وبالفعل غناها الكورال فى فيلم العصفور للمخرج العالمى يوسف شاهين.

على إسماعيل على المسرح برفقة العندليب وموسيقار الأجيال (صورة نادرة)
المفارقة التى يرويها أحفاد على إسماعيل، أن عبد الحليم حافظ بعد أن نجح اللحن وانتشر على نحو واسع أراد غناءها؛ لكن على إسماعيل رفض، وقال إن الكلمات التى كتبتها زوجته والتى لحنها، لا تُعرض على أحد مرتين؛ فأعلن عبد الحليم لأصدقائه المقربين ندمه على عدم قبوله اللحن منذ البداية.

الرئيس السادات كرم على إسماعيل وحرص على دعوته فى حفل زفاف إحدى كريماته (صورة نادرة)
شريفة فاضل أم البطل
عادت نبيلة وقالت إن الفنانة شريفة فاضل فقدت ابنها فى الحرب؛ فطلبت من الجدة "نبيلة قنديل" تأليف أغنيه للشهيد لأن كل الأغانى وقتها كانت عن الحرب، فما كان من نبيلة قنديل، إلا أن طلبت الدخول إلى حجرة الشهيد، وفى غضون دقائق خرجت وفى يدها ورقة لم تكن سوى كلمات الأغنية التى لمست قلب شريفة فاضل؛ فقررت غناءها فورا، وهى أغنية "أم البطل".

على ونبيلة.. واحدة من أطول الزيجات فى الوسط الفنى وأنجحها (صورة نادرة)
تقول نبيلة، التى أصرت والدتها على تسميتها على اسم جدتها "نبيلة قنديل"، إن على إسماعيل أخذ الكلمات وقرأها عدة مرات وفى صباح اليوم التالى فوجئت شريفة فاضل أن اللحن جاهز للغناء، وفى اليوم الثالث كان ثلاثتهم فى مبنى التلفزيون بماسبيرو وسجلوها، بعد أن لقوا حفاوة واسعة من محمد محمود شعبان (بابا شارو) رئيس الإذاعة فى ذلك الحين.

نبيلة حسين على إسماعيل
فدائى فى معسكرات جبهة التحرير
وللتعرف على نوعية الألحان التى قدمها على إسماعيل والأجواء التى ألف من خلالها تلك الألحان، قال حفيده، على حسين، إن جده كان من أصحاب مدرسة المقدمات الموسيقية التى تشرح طبيعة الأغنية، مضيفا أن جده كان يفضل أن يعيش فى أجواء الكلمات قبل أن يلحن لحنه، وهو ما حدث تماما مع أغنية "فدائى" التى أصبحت فيما بعد النسيد الوطنى لفلسطين، والتى لم يلحنها إلا بعد أن ذهب إلى معسكرات جبهة التحرير الفلسطينية وأقام بها أسبوعين، مكنته تلك الفترة من معايشة حالة النضال والفداء؛ فألف لحنه الذى ما يزال يحفظه العرب ويتناقلونه جيلا من بعد جيل.

على حسين على إسماعيل
وعلى إسماعيل هو موسيقار مصرى ينتمى لمحافظة السويس، وكان والده قائد الفرقة الموسيقية الملكية فى عصر ما قبل ثورة الثالث والعشرين من يوليو، ولد يوم 28 ديسمبر 1922، والتحق بمعهد الموسيقى وعمل بفرقة الموسيقار محمد عبد الوهاب وتميز بالتأليف والتوزيع الموسيقى، وأسس أكثر من فرقة منها الثلاثى المرح وثلاثى النغم، فضلا عن فرقة رضا التى كان أحد أهم مؤسسيها وملحنها الأول حتى وفاته مساء السادس عشر من يونيو عام 1974.

على والعندليب.. صداقة أكثر من ربع قرن (صورة نادرة)

نبيلة المرسى زوجة ابن على إسماعيل تتحدث للزميل محمد محسن أبو النور