منذ ٤٣عامًا سطرت حرب السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ نصرًا من أعظم الانتصارات العسكرية في القرن الماضي، وسجلت مجدًا بتحطيم الجنود المصريين لخط بارليف المنيع، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على نصر أكتوبر ، مازال في ذكراها حضور يتحدى الزمن، حيث تجدد هذه الذكرى - التي تحل غدا الخميس - التأكيد على أن الجيش المصري هو رمانة الميزان لقوة الدولة وسيطرتها، وأنه روح مصر على مدى الثورات العظيمة التي قام بها الشعب عبر تاريخه.
وقد سجلت انتصارات أكتوبر ميلادًا جديدًا لمصر الكنانة وللأمة العربية، ورسمت طريقًا بلا نهاية، بدأ بلحظة العبور فكانت القفزة الأولى في تيار تحديات كثيرة ومتتابعة، وفي جميعها برهن المقاتل المصري أنه خير أجناد الأرض، وأنه قادر على استخدام الأسلحة المعقدة بنجاح كبير، وصك الشعب علامة جديدة في عراقته.
سجل جيش مصر انتصارات عظيمة في المعارك الحاسمة التي خاضها، والتي أتيحت لرجاله فيها فرصة القتال والمواجهة بنفس الكفاءة والاقتدار التي أظهرها في عمليات البناء والتنمية، ولعل انتصارات أكتوبر خير شاهد في التاريخ الحديث، كما أن ثورتي ٢٥ يناير و٣٠ يونيو وما تلاهما تؤكد كفاءة الجيش المصري، وما يتمتع به من إصرار وعزيمة ورغبة في النجاح رغم كل تحتويه الأحداث من ضراوة وتحدي.
ورغم مرور كل هذه الأعوام على نصر أكتوبر، إلا أن ما حققه فيها الجيش المصري مازال موضع تقدير وتدريس في الأكاديميات العسكرية العالمية ، فتلك الحرب التي اتخذ قرارها الرئيس الراحل أنور السادات، جاءت تتويجًا لحرب الاستنزاف التي نظمها وقادها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر منذ عام 1967 وحتى وفاته، لم تنكسر أحلام المصريين المشروعة على صخرة هزيمة يونيو 1967، ولم يقف المصريون عاجزين أمام ضعف العتاد العسكري بفقدها أكثر من 85 % من سلاحها آنذاك.‎
وكان قرار حرب أكتوبر النتيجة الطبيعية للطريق المسدود الذي وصلت إليه الجهود السياسية والدبلوماسية، فحالة “اللاسلم واللا حرب” تخدم الاحتلال الإسرائيلي وتستنزف طاقة المصريين البشرية والاقتصادية، واستكملت القوات المسلحة استعداداتها للعبور، ونجحت في تحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وفي 6 ساعات اقتحمت قواتنا المسلحة أضخم مانع مائي بعد إقامة كباري العبور وفتح الثغرات في الساتر الترابي بمدافع المياه.
وكانت الملحمة الوطنية التي سجلها الشعب المصري في تاريخه، بعد أن اعتنق مبدأ ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وكان عنصر المفاجأة سيد الموقف، فتمكن الجيش المصري بعد العبور من الاستيلاء على الضفة الشرقية لقناة السويس خلال الأيام الأولى من الحرب، وذلك ضمن الخطة التي تمت بالتنسيق مع سوريا والتي أطلق عليها اسم “عملية بدر”، فأصبح القتال مع إسرائيل على جبهتين مما يمكن السوريين من استعادة هضبة الجولان، وغزو إسرائيل عبر غور الأردن.
وتُعرف حرب ٧٣ في سوريا “باسم حرب تشرين التحريرية”، فيما تُعرف في إسرائيل باسم حرب “يوم الغفران أو يوم كيبور”، ومهما اختلف المسمى فقد حقق الجيشان المصري والسوري الأهداف الإستراتيجية المرجوة من المباغتة العسكرية لإسرائيل، وكانت هناك إنجازات ملموسة منذ اليوم الأول من الحرب التي استغرقت ٦ أيام، حيث توغلت القوات المصرية 20 كيلومترًا شرق قناة السويس وتمكنت القوات السورية من الدخول في عمق هضبة الجولان.
وانتهت الحرب رسميًا بالتوقيع على اتفاقية فك الاشتباك في 31 مايو 1974 حيث وافقت إسرائيل على إعادة مدينة القنيطرة لسوريا، وضفة قناة السويس الشرقية لمصر مقابل إبعاد القوات المصرية والسورية من خط الهدنة وتأسيس قوة خاصة للأمم المتحدة لمراقبة تحقيق الاتفاقية.

ومن أهم نتائج حرب أكتوبر استرداد السيادة الكاملة على قناة السويس واسترداد جميع الأراضي في شبه جزيرة سيناء، واسترداد جزء من مرتفعات الجولان السورية، وتحطيم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وعودة الملاحة في قناة السويس، ووضوح تأثير التضامن السياسي العربي، بالإضافة إلى ما أحدثته الحرب من تغيرات عميقة في كثير من المجالات على الصعيد المحلي لدول الحرب وعلى الصعيد الإقليمي للمنطقة العربية، وانعكاساتها على العلاقات الدولية بين دول المنطقة والعالم الخارجي خاصة الدول العظمى.
ونجحت نتائج حرب اكتوبر في تحريك قضايا المنطقة والاتجاه بها نحو الحل السلمي رغم بدايتها عسكريًا، وظهر ذلك واضحًا منذ اللحظات الأولى لبدء القتال، إذ قرر مجلس الأمن في قراره رقم 338 الصادر في 22 أكتوبر عام 1973 البدء فورًا في التفاوض بين الأطراف المتقاتلة، فكانت البداية موفقة سياسيًا، حيث استطاعت الدبلوماسية المصرية حصار النفوذ السياسي الإسرائيلي وفرضت نطاق من العزلة على العلاقات الخارجية لإسرائيل، خاصة مع التسويف والتعنت الإسرائيلي المستمر في تنفيذ القرار (والذي كان يقضي بوقف إطلاق النار خلال 12 ساعة)، وكان هناك إصرار أثناء إجراءات التنفيذ في كل خطوة على التباحث بين الطرفين وساعد ذلك في التوصل لنتائج إيجابية من اتفاقيات، فكانت نموذجا ومثالا يحتذى به بين دول أخرى للوصول إلى اتفاق مع إسرائيل بشأن المشاكل المعلقة معها.
ومهد انتصار حرب أكتوبر الطريق لاتفاق كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل على إثر مبادرة أنور السادات التاريخية في نوفمبر عام 1977 وزيارته للقدس، وما تبعها من اتفاقيات ومبادرات لإحلال السلام الدائم في المنطقة، وساعد ذلك على انتعاش الاستثمار الخارجي واتجاه رؤوس الأموال الأجنبية والعربية للاستثمار في مصر وهو ما غير الواقع الاقتصادي المصري إلى انتعاش ونمو نسبي.
كما أحدث الانتصار تغييرًا في اتجاهات العلاقات الاقتصادية والتجارية العالمية التي تبعت التغير في اتجاهات العلاقات السياسية بزيادة الاعتماد على الدول الغربية اقتصاديا وتجاريا وتقليل العلاقات الاقتصادية والتجارية مع الكتلة الشرقية التي يتزعمها الاتحاد السوفيتي آنذاك.