“إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”
يستعيد المسلمون اليوم ذكرى انطلاق هجرة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم  - وصحبه من مكة للمدينة قبل 1438 عاما، وقد كانت هجرتهم لنصرة دين الله ، فخرجوا متجردين من مالهم وأهلهم ومصالحهم ، وبنوا مجتمعا جديدا بصحبة أهل يثرب من الأنصار فكانت نواة الدولة الإسلامية الأولى والتي حملت لواء الحق والعدل والرحمة واليقين .
كان أذى المشركين من قريش قد اشتد بالنبي وأصحابه، وتأكد ذلك بعد إيذاء قبيلة ثقيف بالطائف للنبي الذي خرج يدعوهم للإسلام ، وكان صلوات الله عليه يتتبع القبائل ويتلمس مواسم تجمعها ويعرض عليها دين الله، فأبى الكافرون إلا نفورا.
البيعة .. وفك الكرب
يشاء الله ان تشهد منطقة “منى” لقائين بين الحجاج من يثرب وخاصة من الخزرج في طريقهم لمكة، وبين النبي وصحبه؛ وقد سبق البيعتين لقاء النبي محمد “ص” بستة من أهل يثرب استجابوا لدعوته ولما عادوا لقومهم نشروا خبر الإسلام ، ولما جاء العام المقبل أرسلوا إليه اثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة في منى وبايعوه بيعة العقبة الأولى، ومضمونها عدم الشرك بالله ومناصرة المسلمين، وكانت بيعة مباركة انتهت بإسلام عدد كبير من الأنصار على يد من بايع من قومهم وقد أرسل إليهم رسول الله الصحابي مصعب بن عمير يقرأ عليهم آيات الله ويرشدهم لدين الله .
أما اللقاء الثاني الذي سبق الهجرة فجاء بخروج 70 رجلا وامرأتين من الأنصار في موسم الحج وقد اجتمع بهم رسول الله وبايعوه على “السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا يخافوا في الله لومة لائم، وأن ينصروه إذا قدم عليهم ، ولهم الجنة” فبايعوه رجلًا رجلًا بدءًا من أسعد بن زرارة وهو أصغرهم سنًا. وكانت بيعة العقبة الثانية في شهر ذي الحجة قبل الهجرة إلى المدينة بثلاثة أشهر،الموافق (يونيو سنة 622م).
ومع اشتداد البلاء، أذنَ مُحمد لأصحابه بالهجرة إلى المدينة المنورة، وكان أبوسلمة بن عبدالأسد أول من خرج قبل بيعة العقبة الثانية بسنة بعد إيذاء قريش إياه ، وتوالت هجرة المسلمين سرا خشية إيذاء قريش.وقد تركوا دورهم تدور بها الرياح بعد أن صارت خاوية وتركوا تجارتهم وأموالهم فلم ينجو إلا بأنفسهم بشق الأنفس.
أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فكان أول من هاجر علانية ؛ وقد تقلد سيفه ووضع قوسه على كتفه وحمل أسهمًا، وذهب إلى الكعبة حيث طاف سبع مرات، ثم توجه إلى مقام إبراهيم فصلى، ثم قال لحلقات قريش المجتمعة: «شاهت الوجوه، لا يُرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده أو يُرمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي».فلم يتبعه أحد منهم، ثم مضى إلى يثرب ومعه ما يقارب العشرين شخصًا من أهله وقومه، منهم أخوه زيد بن الخطاب، وعمرو بن سراقة وأخوه عبد الله، وخنيس بن حذافة، وابن عمه سعيد بن زيد، ونزلوا عند وصولهم في قباء عند رفاعة بن عبد المنذر، وكان قد سبقه مصعب بن عمير وابن أم مكتوم وبلال بن رباح وسعد بن أبي وقاص وعمار بن ياسر، بحسب المصادر.
الرحلة المباركة
لما جاء أمين الوحي جبريل - عليه السلام - لسيدنا محمد بخبر الهجرة استعد للرحيل بصحبة خليله وصاحبه أبي بكر الصديق ، وأمر عليا بن أبي طالب أن ينتظر ويرقد بفراشه، فتظن قريش التي أرسلت رجال قبائلها لقتل محمد بعد علمها بنيته الهجرة أنه لا يزال ببيته نائما بفراشه، وجرت المعجزة فمر محمد من امام الحراس المتربصين فأغشاهم الله فهم لا يبصرون .
وكان الهدف من وجود علي - كرم الله وجهه - رد الودائع لأهلها؛ فمن الأمور العجيبة أن مشركي قريش كانوا يودعون أماناتهم لدى محمد لثقتهم به، ومع ذلك يناصبونه العداء لمجاهرته بدين غير دينهم وخشيتهم من ضياع نفوذهم بالجزيرة العربية باعتبارهم سادة مكة مركز التجارة والحج الوثني.
مكث محمد “ص” وصاحبه بغار ثور ثلاثة ليال، وكانت قريش قد بعثت الرجال في تتبعه ومنعه من الوصول للمدينة، وظهر تخطيط القائد الذي جعل عبدالله بن أبي بكر بمهمة جمع المعلومات عن قريش وإخبارهم بها ليلا، ثم مجيء عامر بن فهيرة بالغنم لمحو آثار الأقدام للغار، وتولي أسماء بنت أبي بكر أمر التموين، كما اختار دليلا موثوقا وهو عبدالله بن أريقط ، لدرايته بشعاب مكة فكانوا يسلكون الطرق الوعرة غير الشائعة لتجنب الملاحقة .
وأبلى أبوبكر بلاء حسنا برعاية نبي الله وكان يفتديه بروحه وماله ، حتى أنه خاض الغار قبل أن تطأها قدم محمد ليؤهلها له، وأثناء إزاحته للأحجار المتراكمة وتأهيل الجحور لدغته حية فبكى ولكنه لم يبالي، وكان قد خرج ولم يبق ببيته شيئا من المال فداء للدعوة الجديدة. وكلنا يعلم نبأ العنكبوت الذي عشش بأمر الله فوق الغار والحمامة التي وضعت بيضها، فسار المشركون فوق الغار ورأوا ذلك المشهد فتيقنوا أن أحدا لم يدخله منذ زمن، ولم نظروا لأقدامهم لرأوا محمدا وصحبه ولكن كما قال رسول الله لصاحبه : “ما ظنُّك باثنَين اللهُ ثالثُهما”
ومن المعجزات التي أيد الله بها نبيه أن ساخت قوائم فرس المشرك سراقة بن مالك، ثلاث مرات أمام النبي، فتيقن أنه هالك إن أصر على موقفه . وحين مر الرسول وصحبه بخيمة أم معبد سألاها شيئا يأكلانه ، فقالت : والله ما عندنا طعام ولا لنا شاة إلا حائل، فمسح النبي بضرع غنمها بيده فحلبت لبنا كثيرا وشربت أم معبد ورفاقه.
طلع البدر
قال البراء : أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن ، ثم جاء عمار وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا ثم جاء رسول الله ص  ونزل النبي في بني عمرو بن عوف  فأقام فيهم أربع عشرة ليلة أسس خلالها مسجد قباء  وهو أول مسجد أسس في الإسلام ، يقول تعالى : “لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه  فيه رجال يحبون أن يتطهروا “
وقد كان الأنصار يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرون النبي، فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم، حتى جاءهم خبر قدومه فأحسنوا استقباله والمهاجرون معه، فرحا بدين الله الجديد، وأمسكوا بسعف النخيل منشدين “طلع البدر علينا” استقبالا لخير الرسل.
في كتاب الإمام محمد الغزالي “فقه السيرة النبوية” يستعيد حال يثرب قبل قدوم المهاجرين المسلمين وعلى رأسهم نبي الله “ص”، فينقل ما روي عن الحروب التي استنزفت القبائل وخاصة الأوس والخزرج، والدماء التي سالت بسبب العصبية، والدور الذي لعبه اليهود لإزكاء هذه الروح التي تضمن سيادتهم ونفوذهم الاقتصادي على العرب . وكان اليهود قد جاءوا هاربين من الاضطهاد الصليبي .
ولهذا كان أهل يثرب أشد ميلا للإسلام الذي ينجيهم من الوضع الكارثي الذي يحيونه، ولقد أحب الأنصار من يثرب إخوانهم بمكة حبا في ذات الله، وهم من يقول عنهم رسول الله بحديثه أن هناك قوم يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم حيث تحابوا في الله وتصافوا برغم أنه ليس بينهم أرحام متقاربة، فيضع الله لهم منابر من نور يوم القيامة يجلسون عليها، يفزع الناس ولا يفزعون، إنهم أولياء الله ممن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .
ويؤكد الغزالي أن اليهود صنعوا اليوم كيانهم المغتصب الإسرائيلي برعاية غربية بفضل الخيانات السائدة بأرض العرب، وقد كانت هجرة المسلمين للمدينة مغايرة لهجرة اليهود بالعصر الحديث، فهي هجرة رجل آمن في سربه ممتد الجذور في مكانه وتركه لكل شيء وتضحيته بأمواله والنجاة بشخصه تحت التهديد من أجل العقيدة الإيمانية، أما اليهود فكانوا مشردين في أوروبا وكانت هجرتهم طمعا بالاستقرار.
ويعتبر الداعية الإسلامي بكتابه استقبال المهاجرين درسا عظيما في التعامل الإسلامي مع أزمة اللاجئين والتي استفحلت بزماننا بعد الحروب
بشائر النصر
كانت المدينة قد استفحل بها داء الملاريا وأصيب بعض الصحابة به كأبي بكر وبلال، ولكن الرسول أخذ يصبر أصحابه، وتوعد سكان المدينة بشفاعته يوم القيامة، ودعا رسول الله قائلا : “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها، وانقل حماها واجعلها بالجحفة” وعن أنس أنه دعا ربه بأن يضاعف بركة المدينة عن مكة.
وكان أبوبكر إذا أخذته الحمى قال : كل امريء مصبح في أهله   والموت أدنى من شراك نعله    .
ظل الرسول حريصا على دعم صلة أمته بالله، ثم صلتها ببعضها البعض، ثم بالأجانب ممن لا يدينون بالإسلام، وقد قام ببناء المسجد النبوي لتظهر فيه شعائر الإسلام التي طالما حوربت وتقام الصلوات ، وقد بنى مسجده الجامع حيث بركت ناقته في مربد لغلامين يكفلهما أسعد بن زرارة ، وكان الصحابة يروحون عن أنفسهم عناء الحمل والنقل والبناء بالإنشاد : اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة   فاغفر للأنصار والمهاجرة
واجتهد الرسول جهدهم ، وتم المسجد في حدود البساطة بسقف من جريد وأعمدة من جذوع النخيل وفرش من الرمال، أما القبلة فكانت لا تزال لبيت المقدس.
وقد اختتم الرسول “ص” أول خطبة له بالمدينة بقوله : من استطاع أن يقي نفسه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة، فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف.
كما قام الرسول بمؤاخاة الأنصار والمهاجرين، فذابت عصبيات الجاهلية، فكنت تجد سعد بن الربيع الأنصاري يقسم ماله نصفين ليأخذ أخيه عبدالرحمن بن عوف ما يعينه، وكان وقتها أكثر الأنصار مالا، فدعا بن عوف بالبركة في أهله وماله، وذهب للسوق فباع واشترى واجتهد ليجد عيشه، وهكذا كان كرم الأنصار ونبل المهاجرين الذين لم يعيشوا عالة على إخوانهم . ووصل الإخاء لأن كان النصارى يورثون المهاجرين أموالهم إلى أن نهى الله عن ذلك في الآية الكريمة : “وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم” فألغي التوارث بعقد الأخوة ورجع إلى ذوي الرحم .
ولم يتجه الرسول “ص” لمصادرة اليهود من المدينة وخصامهم بل قبل بوجودهم ووجود الوثنية إلى حين، وعرض عليهم معاهدة الند للند ، على أن لهم دينهم وله دينه، فكان من المعاهدة أن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وبين المسلمين واليهود النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة أو المعاهدة، وبينهم النصح والبر دون الإثم، والنصر للمظلوم، وقد رفض الرسول موالاة أي من الفريقين للمشركين من مكة لعدائهم لدين الله، أو مساعدتهم، ولكن عاد اليهود لنقض عهدهم كما سنرى .
حي على الفلاح
قصة الأذان جاءت عجيبة؛ فقد كان المسلمون يجتمعون بمواقيت الصلاة من غير نداء، ثم رأى البعض أن يجمعهم بناقوس له صوت، إلى أن جاء منام للصحابي عبدالله بن زيد بن ثعلبة وقد رأى رجلا يرتدي حلة خضراء ويدق الناقوس فأراد أن يشتريه منه ليخبر المسلمين بالصلاة، غير أنه قال له : ألا أخبرك بما هو خير من الناقوس، تقول الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلاالله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله  . فتهلل الرسول وقال إنها لرؤيا حق ، وكذلك رأى عمر بن الخطاب، ومن قبلهما كان الوحي جبريل قد أخبر محمدا بالأذان.
وظل العام الأول للهجرة تترسخ فيه دعائم الإيمان بنفوس الصحابة المهاجرين والأنصار، وهم يرون النبي قائما بالليل ، داعيا لله بإحسان وموعظة حكيمة، وإذا تلا القرآن أو طلب سماعه من أحدهم ذرف الدمع لما علم من الحق ولخشيته على أمته .
وكان أول ما سمع عبدالله بن سلام من النبي حين قدم للمدينة : أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام .
نزلت الشرائع بالمدينة مفصلة ومنظمة لأحوال المسلمين الخاصة والعامة وقواعد الحلال والحرام على تدرج ، فقامت الحدود وفرفضت الزكاة والصيام وزيدت ركعات الصلاة ، ومما يذكر أن النبي بنى بالسيدة عائشة في غضون السنة الأولى للهجرة وكان قد عقد عليها قبل الهجرة .
الجهاد المقدس
كان جهاد المسلمين ضد المشركين شريفا لحماية الحق ورد المظالم وقمع العدوان وكسر الجبابرة وليس جنوحا للقوة حيث لا مبرر لها كما يدعي أعداء الإسلام، ولهذا امتثل رسول الله لأمر ربه بإعداد ما استطاع من القوة ليرهب عدو الله ، وقال ص : من رمى بسهم في سبيل الله فهو عدل رقبة محررة .
كانت سرايا المسلمين المسلحة تجوس خلال الصحراء المجاورة وتخترق طريق القوافل المارة بين مكة والشام وتستطلع أحوال القبائل الضاربة هنا وهناك، وكان خروج المسلمين اعتراضا لقوافل قريش إشعارا لهم بالقوة والمنعة التي أصبحوا عليها.
وقد ترامت الأنباء إلى يثرب أن قافلة ضخمة لقريش تهبط من مشارف الشام عائدة إلى مكة، تحمل لأهلها الثروة الطائلة، ألف بعير موقرة بالأموال يقودها أبوسفيان بن حرب . ولهذا أمر النبي بالخروج إليهم وقد خرج نفر من الصحابة مع النبي ولكنهم لم يتوقعوا أنهم مقبلون على معركة حقيقية دامية.
ولما فترت عزيمة البعض نزلت الآية “كما أخرجك ربك من بيتك بالحق، وإن فريقا من المؤمنين لكارهون” وحقا كانت الرحلة شاقة فالمسافة بين المدينة وبدر قاسية تربو على 160 كيلو مترا ولم يكن مع الرسول وصحبه غير سبعين بعيرا يعتقبونها . فكان كل ثلاثة يتعاقبون على بعير واحد ، وكان أبولبابة وعلي بن أبي طالب زميلي رسول الله ص  فقالا له : نحن نمشي عنك ليظل راكبا ، فكان “ص” يرد : ما أنتما بأقوى مني على المشي ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما !
وقد نجح أبوسفيان بإرسال ضمضم الغفاري ليستحث أهل مكة ويخبرهم أن محمدا وصحبه اعترضوا أموالهم وألحقوا بهم الأذى فخرج سوادهم وهم يغلون يمتطون الصعب للانتقام، وليحسموا صراع 15 عاما مع الإسلام، فكانوا تسعمائة وخمسين مقاتلا معهم مائتا فرس يقودونها وكان أبوسفيان من الدهاة فلما شعر بدنو أصحاب محمد ترك بدر واتجه يسارا فنجا .
ومع ذلك كان رأي أبي جهل أن يتجهوا إلى بدر ليطعموا الطعام ويسقوا الخمر ويعزفوا ويسمعون العرب بجمعهم فتكون لهم المهابة وكان على رأسهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو البختري بن هشام والنضر بن الحارث وعمرو بن هشام وأمية بن خلف وغيرهم من سادة قريش ، وكانوا ينتظرون بالعدوة القصوى بينما المسلمون بالعدوة الدنيا . وقد جاء النبي أصحابه يخبرهم بما علمه ويقول : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها ..
ولكن صحابة النبي وعلى رأسهم أبو بكر الصديق وعمر والمقداد بن عمرو قالوا وأحسنوا  : امض لما أراك الله فنحن معك  والله لا نقول لك ما قال بنو إسرائيل لموسى، اذهب انت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون .
وهكذا كان رأي الأنصار أيضا ومنهم سعد بن معاذ والذي أقسم أن يخوضوا مع الرسول ولو كان في البحر ما يتخلف منهم رجل واحد ، وقال : “وإنا لصبر في الحرب ، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر على بركة الله “.
فسُرَ رسول الله وقال : سيروا وأبشروا ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ..
وقد أشار الحباب بن المنذر بالعسكرة عند أدنى بئر ماء من العدو وبناء الأحواض حوله فيشربون ولا يشرب العدو ، وهنا نزلت الآية  “إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به، ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام” .
ولازلنا مع “فقه السيرة” للغزالي حيث ينقل دعاء رسول الله ربه : اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض، اللهم انجز لي ما وعدتني ، اللهم نصرك .
بدر .. نصر مؤزر
بدأ القتال واشتد حول الحوض وانتدب الرسول بالبداية حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث، لمبارزة عتبة وشيبة والوليد سادة قريش، واستشهد عبيدة على قدم رسول الله وهو ينشد  : ونسلمه حتى نصرع دونه    ونذهل عن أبنائنا والحلائل . ثم أسلم الروح .
وبالطبع استشاط المشركون غضبا لقتلاهم فأمطروا المسلمين بالسهام وقد رأى رسول الله من عريشته ملك الوحي جبريل عليه السلام آخذا بعنان فرسه على ثنايا النقع، فخرج “ص” لرجاله محفزا: والذي نفس محمد بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة .
كان من الشهداء الأنصاري عمرو بن الحمام ، وقد أخرج تمرات يأكل منها ويقول لئن حييت حتى آكل تمراتي أنها حياة طويلة بعدما سمعه من نداء الرسول “قوموا لجنة عرضها السماوات والأرض”، فرمى ما كان معه من التمر ثم قاتلهم وهو يقول
ركضا إلى الله بغير زاد     إلا التقى وعمل المعاد
فما زال حتى قتل ! وهو وعد النبي له بأن يكون من أهل الجنة .
وقد نزل رسول الله “ص” بنفسه للميدان يقاتل أشد القتال ومعه أصحابه يشتدون لا يبالون شيئا فأخذ الفزع بقريش وصاح النبي وهو يرى كبرياء الكفر تمرغ في التراب : شاهت الوجوه ..
فانهزمت قريش.
وقد تمكن صبيان حديثا السن من قتل أبي جهل، واستشهد البطلان فيما بعد بالمعركة  فدعا لهما النبي  ، ولفظ أبوجهل أنفاسه فتفرق المشركون بعده بددا وتركوا سيقانهم للريح تبعثرهم في فجاج الصحراء .
ولقى صناديد قريش فجيعة وتم قتل وأسر منهم العشرات، وفر الباقون، وجاء قوله تعالى “ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون “.

اما عدة من استشهد من المسلمين فـ14 استأثرت بهم رحمة الله فذهبوا في عليين .
أمر النبي بجثث المشركين فطرحوا في القليب ولما أهيل عليهم التراب قال : بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم ، وقد سمع الصحابة نبيهم “ص” بالليل ينادي في الأعداء القتلى ومنهم عتبة بن ربيعة وشيبة وأمية بن خلف وأبوجهل : يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ؟ فسألوه : يا رسول الله أتنادى قوما جيفوا ؟ فقال  : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ! ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبونني” .

وكانت واقعة بدر في 17 رمضان لسنتين من الهجرة ، وقد أقام الرسول ببدر ثلاثا ثم قفل عائدا إلى المدينة يسوق أمامه الأسرى والغنائم ، وقال أسامة بن زيد : أتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله، وكان زوجها عثمان بن عفان قد اختبس عندها يمرضها بأمره ، وضرب رسول الله له بسهمه وأجره في بدر  .
وقد عاتب الله المؤمنين حين خرجوا من يثرب في باديء الأمر لملاقاة مشركي مكة تعلقا بإحراز العير وما تحمل من نفائس  فقال  : “وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين “
وبالطبع كانت الغنائم فرصة لتعويض المسلمين عن شظف العيش الذي عاشوه قبل بدر، وربما ظهرت نوازع حب الدنيا ولكن رسول الله وزع بينهم بالقسط وعاتبهم رب العرش على ركونهم للدنيا . أما الأسرى فقد نزلت فيهم الآية الكريمة “ألم ترى إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ، جهنهم يصلونها وبئس القرار ” وقوله  “ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض” ، وكان النبي وصحابته يرون قبول الفدية منهم، ومعظمهم أصحاب ثروة طائلة، ولكن الله يعلم أن ماضيهم فاحش مع المسلمين فلم يقبل ذلك منهم، وكان يعلم أنهم سيظلون بمحاربتهم للدين الجديد .
في هذه الآونة صاهر رسول الله عمر بن الخطاب بعد أبي بكر، وتزوج ابنته حفصة بعد تأيمها باستشهاد زوجها خنيس السهمي الذي شارك ببدر، ثم زوج النبي ابنته فاطمة لعلي بن أبي طالب، وأم كلثوم بعد وفاة رقية لعثمان بن عفان، لتوثيق صلاته بالرجال الأربعة الذين افتدوا للإسلام بأزماته.
في السنة الثانية للهجرة فرض صوم رمضان وزكاة الفطر وتحولت القبلة من بيت المقدس للكعبة المطهرة ، وقد كان هذا الانتقال مثار تغيظ اليهود واستنكارهم. ونزل بهم قوله ” سيقول السفهاء ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب ” وقد كانت العودة بالقبلة للكعبة رجوعا للأصل الذي بناه أبو الأنبياء إبراهيم وتنزه عن الانحرافات التي حدثت بعد من الذراري الضالين وخصوصا بني إسرائيل .
خزي اليهود
انطوى أهل مكة في ذهول وهلع يداوون جراحهم وخزيهم ويستعدون لنيل ثأرهم، أما في المدينة فكان رسول الله يعفو عمن يبدو عليه عدم محاربة المسلمين رغم أن بعضهم كان يبطن الحسد والكفر ، كعبدالله بن أبي ، والذي بايع زورا على الإسلام، وهو يبطن النفاق، وآلم اليهود قتلى قريش حليفتهم ومنهم كعب بن الأشرف الذي طالب بالثأر لهم ، فاتسعت العداوة بين المسلمين واليهود .
وقد نزل الوحي ينذر اليهود بسوء المنقلب : “قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد” وقد طارت شرارة الحرب بين المسلمين واليهود بعد أن تجرأوا لتعرية امرأة عربية عند صائغ بسوق بنو قينقاع يهودي، في منتصف شوال في السنة الثانية من الهجرة .
ولما علم رسول الله بما جرى من اليهود، فرض الحصار على حصونهم 15 ليلة حتى سلموا، وقد رحل النبي كثير من المحاربين منهم إلى أذرعات بالشام ولم يبقوا هناك طويلا حتى هلك أكثرهم ، بعد أن نكروا حقوق الجوار والعهود مع المسلمين .
أما حبر اليهود كعب بن الأشرف فقد نزلت فيه الآية الكريمة “ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ” وقد ذهب يشاطر قريش أحزانها ويقول لأبي سفيان أنهم أهدى سبيلا من المسلمين . وقد قتله محمد بن مسلمة وأبو نائلة بعدما أنزلاه من حصنه بخديعة مدعيان تبرمهما من دعوة الإسلام، ومن بعد قتله ظل اليهود لسنوات خائفين مشردين بالمدينة.
بقيت المعركة محتدمة مع مشركي قريش، خاصة وأصحاب محمد يقطعون طريقهم التجاري بالساحل، ويقتلون منهم، فكان لمكة أن تتهيأ لمعركة أحد بالسنة الثالثة من الهجرة ..
مدرسة أحد
خرج المشركون في 3 آلاف ، والمسلمون في ألف رجل حتى نزلوا بجبل أحد على أطراف المدينة ، وانسحب عبدالله بن أبي بثلث الناس احتجاجا على خروج النبي بدلا من الانتظار بالمدينة، ونزلت به آية “وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان ” .
وقد وزع النبي الرماة فوق الجبل لحماية ظهور المسلمين، وحذرهم من النزول للغنائم حال النصر أو نصرة المسلمين حال الاستشهاد، وأمسك النبي بسيف وقال من يمسكه بحقه  فتقدم أبودجانة ففلق به هام المشركين، وكانت له عصابة حمراء إذا ارتداها علم أنه سيقاتل حتى الموت.
استبسل المسلمون وتقهقر المشركون على زيادة عددهم، وكان من الأبطال حمزة بن عبدالمطلب واستشهد على يد وحشي الحبشي، كما استبسل مصعب بن عمير حتى استشهد وجاء من بعده علي بن أبي طالب ليحمل اللواء .
وانتصر المسلمون وهرب المشركون ونساؤهم اللاتي جيء بهن لشد أزرهن، ولكن عتمة حلت بنزول الرماة بعد النصر .. لأثارة من حب الدنيا وجني الغنائم، فوجد فرسان المشركين بقيادة خالد بن الوليد ثغرة لينفذوا منها إلى قلب المسلمين بالجبل بعد أن انكشفت مؤخرتهم بالمعركة فلم يبق عليها حارس.
وأشاع بعض المشركين أن محمدا “ص” قتل بالمعركة بعد أن شجت رأسه الشريفة فتفرق المسلمون ودخل بعضهم المدينة  ، واستطاع النبي أن يصعد فوق الجبل برجاله فانحازت إليه الطائفة التي اعتصمت بالصخرة وقت الفرار. وقتل بين يدي النبي خلق كثير وهم ينافحون دونه فجاهدهم طلحة وأبودجانة حتى كان النبل يقع فيهم ولا يتحركون .
وأخذ “ص” ينسل السهام يعطيها سعد بن أبي وقاص  وكذا طلحة الأنصاري  فنجح الرماة في رد المشركين عن صعود الجبل  وعاد المسلمون الشاردون إليه  منهكين غير واعين بما يجري .
وصرخ أبوسفيان بسفح الجبل  : إن الحرب سجال .. يوم بيوم بدر  .. أعل هبل . فأجابه عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الله أعلى وأجل  .. لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار .
وكان خيثمة قد استشهد بأحد بعد أن رأى ابنه شهيد بدر ينعم بثمار الجنة ويقول : “وعدنا ربنا حقا ، فالحق بنا “! واستشهد عمرو بن الجموح وكان شديد العرج ومع ذلك أصر على الخروج مع أبنائه. وكذا نعيم بن مالك وعبدالله بن جحش وسعد بن الربيع الذى دعى قبل استشهاده للنبي بأن يجازيه الله خير ما جازى نبيا عن أمته .  وبكى النبي لاستشهاد حمزة بن عبدالمطلب.
وقد أمر النبي بدفن شهداء أحد من الصحابة حيث استشهدوا بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلهم إلا بعد ثمان سنوات، وقال أنا شهيد على هؤلاء  أنه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه اللون لون الدم، والريح ريح مسك.
وقد اصطف المسلمون خلف النبي بعد معركة أحد ، وقد أخذ يدعو : اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لمن هديت .. اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك “.. إلى آخر الدعاء الذي جاء فيه   “اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك”.
وقد عاتب القرآن المسلمين بأحد عتابا رقيقا ، فكان قوله : “منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ” ومضى الوحي يعلمهم ما جهلوا من سنن الدين والحياة  ، فكانت الآيات “قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ” وقوله : “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين “.ثم قوله سبحانه : “إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس     “
وبذا أفادت المعركة بتمحيص المؤمن من المنافق، وتعليم المسلمين خطيئة عصيان الأوامر وقيمة الطاعة والجندية الصحيحة .
وقد انتهى الحال باحتشاد المسلمين عند حمراء الأسد يشعلون النيران ثلاثة أيام ولكن المشركين عادوا لمكة ظانين أن النجاة أولى بهم فعاد المسلمون رافعي رؤوسهم للمدينة     ونزلت الآية “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم “.
وقد انتصر المسلمون على البدو بقيادة أبي سلمة ، ثم على جموع خالد الهذلي   الذي قتله المسلمون بقيادة عبدالله بن أنيس
وسنرى بحلقات مقبلة كيف ظلت معارك الحق المبين مع صناديد الكفر حتى أنعم الله على عباده المؤمنين بالعودة لمكة والتمكين لدين الله في الأرض وهزيمة الشرك ، ونزل قوله سبحانه “إنا فتحنا لك فتحا مبينا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا . وينصرك الله نصرا عزيزا “