البنوك تعطل فتح سوق السندات للأفراد للحفاظ على أرباحها الطائلة من سندات الحكومة.. وخبير: المصارف تقترض من الأفراد بفائدة 11% وتقرض الدولة بفائدة تتراوح من 15 لـ16% مستغلة احتكارها لهذا السوق

سنوات عديدة ومجتمع سوق المال يطالب بضرورة إتاحة التعامل على السندات للأفراد بدلا من قصرها على البنوك والمؤسسات، وكم من ندوات واجتماعات مع الجهات المسئولة ودائما ما تفشل المحاولات وكأن هناك من يعيق هذا التوجه المطبق فى كافة البورصات والأسواق العالمية، وهو الأمر الذى دائما ما يدعم أداء الأسواق فى كافة مراحل الدورات الاقتصادية.
فمن المعروف أن الاقتصاد يمر بدورات متتابعة ما بين الانتعاش والانكماش، والأسهم دائما ما تتفوق فى فترات الانتعاش بفعل سياسات البنوك المركزية التى تتسم بالسياسات التوسعية وخفض أسعار الفائدة لدعم النشاط الاقتصادى وهى غالبا ما نكون أفضل فترات أسواق المال، ولكن، ومع بلوغ النشاط الاقتصادى ذروته، وارتفاع معدلات التضخم، تتوجه البنوك المركزية نحو السياسات التضيقية لكبح جماح معدلات التضخم، ومن ثم بدأ التوجه ناحية رفع أسعار الفائدة وغالبا ما تتواكب قمم أسواق المال مع بداية رفع أسعار الفائدة.
وهناك العديد من الإشارات فى هذا الصدد، وأبرزها إشارة الأمريكى اديسون جولد Three Steps & Stumble والتى أشار إليها فى سبعينات القرن الماضى، وملخصها أن رفع الفيدرالى الأمريكى لأسعار الفائدة لثلاث مرات متتالية تتواكب دائما مع قمة سوق الأسهم.
ومع اتجاه البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم، يميل المتعاملون بأسواق المال نحو الأمان Flying To Safety، وذلك بالتخلص من الأسهم والتحول تجاه سوق السندات بحثا عن العائد الثابت والتى تصبح فى هذه الحالة أكثر إغراء مع ارتفاع العائد عليها بفعل رفع أسعار الفائدة، وهو ما يتيح للأفراد ولكافة المتعاملين فرصا استثمارية إضافية، وكذلك يدعم من أداء أسواق المال بالحفاظ على نشاطها وجاذبيتها بدلا من اقتصارها فقط على سوق الأسهم لتضحى دائما غير صالحة سوى فى فترات الانتعاش الاقتصادى!
ويقول إيهاب سعيد خبير سوق المال: إنه للأسف الشديد لازالت الحكومة المصرية عاجزة عن تفعيل سوق السندات بشكل حقيقى، إذ أن التعامل على السندات سواء الحكومية الأكثر حجما أو سندات الشركات الأقل، لا تزال مقتصرة على المتعاملين الرئيسيين وهم البنوك، رغم أن الحكومة هى المستفيد الأكبر من هذا الأمر باعتبارها أكبر مقترض، فعجز الموازنة الذى تجاوز 12% خلال العام المالى الماضى يتم تدبيره عادة عن طريق أذون وسندات الخزانة والتى يحق للبنوك فقط التعامل عليها، بما يدفعنا أحيانا لتوجيه أصابع الاتهام نحو البنوك فى إعاقة هذا التوجه، خاصة وأنها تعد المستفيد الأكبر من قصر الاكتتاب فى هذه السندات والأذون عليها!!.
فالبنوك تقترض من الأفراد بفائدة تتراوح فى المتوسط حول 11% وتقرض الحكومة بفائدة تتراوح حول 15 - 16 %، أى أن أرباحها تتراوح ما بين 1 - 1,5% سنويا بعد خصم الضريبة دون أى عناء!، فبدلا من مخاطرة إقراض الأفراد أو المشاريع، يبدو الأمر غاية فى السهولة بالاعتماد على إقراض الدولة التى تعد الأقل مخاطرة فى السداد، وبذلك تحولت البنوك فى مصر إلى مجرد سمسار يقترض من الأفراد لإقراض الدولة وتحقيق أرباح سنوية غاية فى السهولة، ويكفى أن قطاع البنوك يعد القطاع الوحيد الذى نجح فى تحقيق أرباح قياسية على مدار السنوات الخمس الماضية والتى تعد الأصعب على كافة القطاعات الاقتصادية فى مصر!!، فما من قطاع إلا وطاله الركود والانكماش فى أعقاب ثورتى الخامس والعشرين من يناير 2011 والثلاثين من يونيو 2013.
والحقيقة، أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، وإنما يمتد أثره السلبى أيضا إلى حجم الضرر الواقع على القطاع الخاص جراء هذا التوجه الحكومى المدعوم من البنك المركزى، فالدولة تعد هى المزاحم الأكبر للقطاع الخاص على تمويل مشاريعه، فكلما ارتفع عجز الموازنة ضمنت البنوك استمرارية أرباحها، وكلما تراجع حجم التمويل الموجه لدعم المشاريع التنموية فى مصر عن طريق القطاع الخاص!
ويبدو أن اعتماد البنوك بشكل أساسى على إقراض الدولة قد أنساها وظيفتها الأساسية، لدرجة أن محافظ البنك المركزى قد أعلن منذ فترة فى أحد حواراته الإعلاميه "المتعددة"، إنه ضد مبدأ إقراض أحد رجال الأعمال "المصريين" لتمويل استحواذه على شركة ما!! بزعم أن رجل الأعمال "المصرى المقيم" إذا ما أراد الاستحواذ على تلك الشركة فعليه أن يأتى بأمواله من الخارج!! وكأنه يعلن بهذا أن البنوك لن تقوم بتمويل أى مشاريع، وإنما ستعتمد فقط على سد عجز الموازنة!!
ولذلك فإن فتح المجال أمام الأفراد للاكتتاب فى السندات والأذون الحكومية من شأنه أن يرفع من حجم التنافسية والضغط على أسعار الفائدة بدلا من حكرها على البنوك، وسيعمل كذلك على تنشيط سوق الأوراق المالية بطرح أداوت بديلة يمكن الاستفادة منها أثناء فترات الركود، والأهم من هذا كله، أنه سيدفع البنوك نحو البحث عن تمويل المشاريع بدلا من استمرار الاعتماد على تمويل عجز الموازنة لتتفرغ لوظيفتها الأساسية بدعم الاقتصاد القومى ورفع معدلات النمو.
ورغم المحاولات الحثيثة التى تمت على مدار السنوات الماضية، إلا أنها غالبا ما تبوء بالفشل لسبب أو لآخر، ولا أحد يعلم حقيقة ما هى الأسباب التى تعيق تنشيط سوق السندات فى مصر، فالمركزى أعلن فى السابق عدم استطاعته إلزام البنوك للتعامل على ما بحوزتها من سندات، أو طرح جزء منها للتداول بالبورصة للأفراد، ولكن، يبقى دائما المتهم الرئيسى فى هذه القضية، هو المستفيد الأكبر من بقاء الوضع على ما هو عليه!
فالمسألة فى نظرنا ليست بهذه الصعوبة التى يصورها المسئولون أو حتى محافظى المركزى، خاصة إذا ما كان محافظو المركزى على مدار السنوات الماضية هم بالأصل مصرفيون، وغالبا، رؤساء سابقين لمجالس إدارات بنوك، على خلاف معظم دول العالم المتقدم التى تعتمد بشكل أساسى فى هذا المنصب الحساس على الاقتصاديين!
وحتى بعد خروجهم من المنصب الرفيع، غالبا ما تكون العودة للجهاز المصرفى كرئيس لمجلس إدارة أحد البنوك العاملة بالسوق المصرية، كما حدث من قبل، ورغم هذا لم يقْدِم أحدهم على هذه الخطوة، حفاظا على مصالح البنك الذى يقوم برئاسة مجلس إدارته!
ونحن إذ نربأ بهم وبمنصبهم الرفيع من فقدان الحيادية، فإننا إذ نأمل أن يأتى اليوم الذى نرى فيه اختيار محافظ للبنك المركزى من خارج الجهاز المصرفى ليس فقط لضمان الحيادية، ولكن بسبب قدرة الاقتصاديين على رسم سياسة نقدية تتماشى مع توجه السياسة المالية للدولة، بخلاف المصرفيين الذىن غالبا ما يكون اعتمادهم على الأنماط السائدة والوسائل الكلاسيكية فى التعامل مع الأزمات الاقتصادية.
وأخيرا، يبقى على الدولة بكافة أجهزتها المعنية السعى بكل جدية نحو تفعيل سوق السندات بالتواكب مع برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى تسعى لتطبيقه بدعم من صندوق النقد الدولى، سيما وأن هذا السوق من شأنه أن يضيف عمقا أكبر لسوق المال المصرى الذى يعد وحده قادرا على حل أزمة سعر الصرف إذا ما أحسن استغلاله بدلا من اعتباره مجرد أداة تمويليه جديدة لسد عجز الموازنة عن طريق طرح المزيد من أسهم الشركات الحكومية لتظل حركة سوق المال مقتصرة فقط على فترات الانتعاش الاقتصادى.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا