النبوي يكشف أسرارا جديدة من حرب أكتوبر في "مصر في قلب المعركة".. وأجهزة الدولة حرصت على إدارة أمور البلاد بدقة متناهية.. وملحمة الشعب ساندت القوات المسلحة

عبد الواحد النبوي، وزير الثقافة السابق:

المصري أصر علي تغيير المعادلة كما يفعل دائما طوال تاريخه

البنك المركزي فتح حساب لتلقي التبرعات لمواجهة العدوان

الحكومة المصرية اتخذت مجموعة من الإجراءات الاقتصادية لتوفير الأموال

تشكيل جيش الدفاع الشعبي لتأمين مرافق البلاد الحيوية والمصانع والشركات

تنظيم زيارات لأفراد الشعب المصري إلي جبهة القتال

صدر حديثًا للدكتور عبد الواحد النبوي وزير الثقافة السابق، كتاب "مصر في قلب المعركة.. أوراق لم تنشر من قبل"، مع قرب الاحتفال بالذكرى الـ 43 لنصر أكتوبر العظيم.

وجاء في الكتاب "مازالت أوراق حرب أكتوبر بدار الوثائق القومية المصرية، تقدم معلومات مهمة عن مصر خلال الفترة من يونيو 1967 وحتى توقيع معاهدة السلام 1979".

وفي هذا المجلد الجديد تأتي الوثائق المصرية التي لم تنشر من قبل لتساهم في رسم صورة حقيقية للاستعداد للمعركة ومصر أثناء المعركة وما بعد المعركة، وذلك حتى تكون الصورة كاملة للقارئ ليدرك كيف حققت مصر نصرا أذهل العالم وخبراء العسكرية العالمية، فكانت أقصي التحليلات العسكرية تفاؤلا بعد هزيمة يونيو 1967 أن مصر ستكتفي بالهزيمة، أو تستعد لتلقي هزيمة أخرى تحتل بها إسرائيل الضفة الغربية لقناة السويس.

فعندما قامت إسرائيل بعدوانها الغادر علي الدول العربية الثلاث ( مصر وسوريا والأردن ) مع صباح يوم الاثنين 5 يونيو 1967، بدا من نتائج هذا الهجوم أن القوات الجوية المصرية قد تم تحييدها وأن سماء مصر أصبحت متاحة للطيران الإسرائيلي وأن الكثير من القوات ومراكز القيادة المصرية قد أصابها الشلل والتخبط في إدارة المعركة علي عكس ما كان يقوم به الشعب المصري من الاستعداد للنصر منذ مطالبة مصر بانسحاب القوات الدولية من سيناء في 22 مايو 1967.

وكان يقوم بملحمة بطولية في مساندة قواته المسلحة بدعمها ماديا ومعنويا تدلل عليه الكثير من الوثائق المحفوظة في دار الوثائق المصرية وما نشر في صحافة هذا الزمن.

وراهن الكثيرون علي أن مصر أصبحت في مهب الريح وأن خريطة المنطقة سوف يعاد رسمها وسوف تتقزم مصر – كما كانوا يظنون – إلا أن الشعب المصري أصر علي تغيير المعادلة كما يفعل دائما طوال تاريخه، وقد راهن كثيرون أنه بعد الهزيمة سوف يتخلي الشعب المصري عن قيادته وجيشه إلا أن الوثائق التي تنشرها دار الوثائق القومية احتفالا بالنصر تثبت عكس ذلك فمن اليوم الأول انهالت التبرعات علي القوات المسلحة لتعويض خسائرها كما تقدم الآلآف للتطوع في صفوف الجيش المصري للمشاركة في حرب الكرامة.

ومنذ اليوم الأول للعدوان قام البنك المركزي بفتح حساب لتلقي التبرعات لمواجهة العدوان كما تم توحيد جميع حسابات التبرعات للقوات المسلحة في هذا الحساب، واللافت للنظر أن تبرعات المصريين والعاملين بالجهات الحكومية كانت قد بدأت تنهال علي القوات المسلحة منذ منتصف مايو 1967 عندما أغلقت مصر خليج العقبة وطلبت سحب قوات الأمم المتحدة من سيناء.

وعندما وقع العدوان الإسرائيلي في 5 يونيو وتراجع الرئيس عبد الناصر عن ترك منصب رئيس الجمهورية وبدأت عملية ترميم الداخل، تلاحظ أن هناك نشاطا كبيرا من وزارة الداخلية للتفتيش علي المواقع الشرطية، وبث روحا جديدة في نفوس المصريين استعدادا للمعركة، فلم يكن الأمر مجرد تفتيش على الإنضابط الأمني بقدر ما كان توعية بطبيعة المرحلة التي تمر بها البلاد، وضرورة تكاتف جميع أفراد الشعب لعبور الهزيمة إلي النصر واسترداد الأرض.

واتخذت الحكومة المصرية مجموعة من الإجراءات الاقتصادية التي لتوفير الأموال التي تحتاجها المعركة فقامت بتخفيض النقد الأجنبي في الخطة الاستثمارية للدولة بنسبة 20 %، وأعادت تنظيم صناديق الادخار بزيادة نسبة مساهمة المشتركين فيها، وأقرت مجموعة من القوانين المتعلقة بفرض ضرائب أو زيادة الشرائح الضريبية والبرقيات اللاسلكية، لتوفير لأموال اللازمة للدولة استعدادا للمعركة ولم يتواني الشعب المصري عن أداء واجبه الضريبيى، إدراكا لقيمة التضحية لتحقيق النصر ورد الكرامة.

وحتى تتفرغ القوات المسلحة لمهمتها المقدسة تم تشكيل جيش الدفاع الشعبي لتأمين مرافق البلاد الحيوية والمصانع والشركات وجميع مؤسسات الدولة، وتم اختيار هؤلاء من العناصر الصالحة للعمل العسكري والطلاب، وحرصت الدولة علي توفير المعدات والسيارات التي يحتاجها هذا الجيش لتأمين الجبهة الداخلية وكان له دوره الكبير في التأمين والدفاع عن الداخل المصري وخاصة أثناء الغارات الإسرائيلية في عمق مصر مثلما حدث في الغارة علي نجع حمادي وإدفو 1969.

وحملت الوثائق الكثير من المعلومات التي رسمت صورة تقريبية للوضع الداخلي في مصر أثناء الاستعداد للمعركة فالإيمان بقضية استرداد الأرض كانت محور اهتمام المواطن العادي في جميع أنحاء مصر وكانت جميع الإدارات الحكومية من أصغر وحدة محلية إلي الوزارات ليس لهم شاغل إلا إعداد مصر للمعركة.

وعلي الجانب الآخر كانت القوات المسلحة تعيد بناء وحداتها وإعادة تدريبها والتصدي لغارات العدو والقيام بعمليات فدائية خلف خطوطه، للحفاظ علي الروح المعنوية للجيش والوطن استعدادا للمعركة الفاصلة، ومنح الكثير من أفراد القوات المسلحة الأوسمة والنياشين نظير ما قدموه من أعمال بطولية، سجلها التاريخ.

وقامت القوات المسلحة بإعادة كثير من الطيارين إلي صفوف القوات المسلحة بعد أن كانوا قد تقاعدوا من الخدمة، كما تم التعاقد مع بعض الطيارين الهنود لتدريب الدفعات الجديد من الطيارين المصريين وقامت القوات المسلحة بإعادة بعض الضباط الأطباء الذين عملوا بالقطاع المدني إلي الخدمة للحاجة إليهم.

وبدا أن القوات المسلحة بدأت تستعيد عافيتها لذا وافق مجلس الوزراء في 19 يناير 1972 علي اقتراح الفريق محمد أحمد صادق نائب رئيس الوزراء ووزير الحربية في ذلك الوقت علي قيام القوات المسلحة بتنظيم زيارات لأفراد الشعب المصري إلي جبهة القتال وبخاصة من الطلبة والطالبات، ولعل الفريق صادق في ذلك الوقت كان يحاول احتواء مشاعر الطلبة الرافضين لتأخير معركة استرداد الأرض، فقد كانت الجامعات مشتعلة ومطالبة بسرعة الحسم ورافضة لمسميات أطلقها الرئيس السادات تحت عنوان عام الضباب وعام الحسم وغير ذلك من مسميات، كان يعتبرها البعض دليلا علي عجز النظام علي القيام بواجبه في تحرير الأرض واستردادها من العدو المغتصب.

وفي نفس اجتماع مجلس الوزراء وفي إطار الاستعداد للمعركة وافق المجلس علي اقتراح وزير الحربية لقبول تطوع طلاب الجامعات والمعاهد العليا علي ألا تقل المدة عن 6 أشهر باعتبارها أقل مدة تجنيد كما تحتسب هذه المدة من الخدمة الإلزامية التي يكلف بها الطالب، ويعامل الطالب معاملة المجندين، وقد وافق مجلس الوزراء علي تنفيذ ذلك اعتبارا من الأول من فبراير 1972.

وتكشف الأوراق التي تنشرها دار الوثائق القومية عن استعدادات جميع مرافق الدولة للمعركة، التي بذلت فيها دماء غالية في سبيل استرداد الأرض والثأر للكرامة، فقد وجه وزير الصحة محمود محمد محفوظ في يناير 1973 استعدادا للمعركة خطابات لكل الوزراء، يؤكد علي أهمية أن يقوم كل العاملين بالوزارات بتحديد فصائل دمائهم في بنوك الدم القريبة من أماكن عملهم، لاستخدامها في الطوارئ وقت المعركة، وكانت كل وزارة تنسق مع وزارة الصحة من خلال موظف بكل وزارة يعمل كضابط اتصال مع وزارة الصحة للتنسيق معها في هذا الأمر.

وكان الاستعداد للمعركة يتم جنبا إلي جنب مع ترميم النفوس والأفراد والتعويض عن الممتلكات وعن تدهور الأحوال المادية والمعنوية، فأصدر رئيس الجمهورية قرارا في أبريل 1973 بتشكيل لجنة تعويضات الحرب من وزارات ومحافظات أصابتها الأضرار ولذلك لحصر الأضرار وفق ضوابط محددة وواضحة وعرضها علي مجلس الوزراء لإقرار التعويضات، وقد جعل القرار تبعية هذه اللجنة لنائب رئيس الوزراء ووزير المالية والاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور عبد العزيز حجازي.

وفي نفس عام النصر وقبل نشوب المعركة كانت الدولة حريصة علي تضميد جراح المهجرين من مدن القناة واستثنت الدولة أبناءهم من انتظار الدور للتعيين فكانت تقوم بتعيينهم بمجرد تخرجهم، ولذا طلبت وزيرة الشئون الاجتماعية الدكتورة عائشة راتب موافقة لجنة الخدمات بمجلس الوزراء بتعيين أبناء المهجرين الحاصلين علي المؤهلات العليا والمتوسطة والذين تخرجوا في 1973.

مصر أثناء المعركة

عندما قامت الحرب في السادس من أكتوبر 1973 رصدت وزارة الداخلية اتجاهات الرأي العام للشعب المصري في 10 أكتوبر 1973 أي بعد نحو أربعة أيام من نشوب المعركة وكان التفاؤل هو السمة المسيطرة عليه في ذلك الوقت إلا أنه كان يتساءل عن دور بعض الدول العربية لماذا لم تتدخل في المعركة إلي جوار سوريا، التي يقوم الجيش الإسرائيلي بكثيف هجومه علي الجولان وضرب العاصمة السورية بالطيران، كما كان يري الشعب المصري أن تأييد الاتحاد السوفيتي والصين وفرنسا للعرب في مجلس الأمن سيحول عن صدور قرار ضد العرب في هذه الحرب

وكانت أجهزة الدولة تعمل بتناغم شديد وكانت حريصة علي إدارة أمور البلاد بدقة متناهية، فعندما طلبت وزارة النقل دعم ميزانيتها خلال عام 1973 لتنفيذ مشروعات إعداد الدولة للحرب يتعلق بعضها بالقوات المسلحة التي تقوم بمعركة التحرير والبعض الآخر يتعلق بحماية المنشآت الحيوية مثل الكباري بعمل ستائر معدنية لها، وإيجاد مخزون استراتيجي من قطع الغيار الضروري للوزارة، فتعامل نائب رئيس الوزراء ووزير المالية والاقتصاد والتجارة الخارجية الدكتور عبد العزيز حجازي مع الموضوع بحرفية ومهنية تتعلق بإدارة الاقتصاد وقت الحرب ووافق علي احتياجات الوزارة في ضوء ما هو متوفر لديها وما يمكن أن تنفقه بشكل واقعي خلال الشهرين الأخيرين (نوفمبر وديسمبر ) من العام المالي 1973.

لقد بدا من ذلك أن الوزراء الذين تولوا المسئولية في هذا الزمن الصعب كانوا علي قدر كبير من المهنية ومدركين لأهمية الحدث ومعطياته، والسياسات التي يجب إتباعها في تلك الفترة من تاريخ الوطن وأن الفشل في الإدارة قد يؤدي إلي نهاية الدولة.

وقد اتخذت الوزارات المرتبطة باستهلاك الوقود قرارات بترشيد الاستهلاك لأقصي حد ممكن وعممت وزارة الصناعة منشورا علي جميع المصانع يحدد الاستهلاك للوقود بـ 15 يوما وما يزيد عن ذلك يعتبر مخزون دولة ولا يتم التصرف فيه إلا بقرارات وزارية.

لقد اقتضت ظروف الحرب تنويع مصادر تمويلها في ظل ما كان يعانيه الاقتصاد المصري من تسخيره لاحتياجات المعركة ، فتم تعديل الضريبة علي الإيراد بقرار جمهوري في 12 أكتوبر 1973 لتزاد بنسبة من 9% متدرجة إلي 16 % لمن يتراوح دخلهم ما بين 1000 إلي 4000 جنيه، كما تم تعديل نظام المعاشات والادخار ليتم اقتطاع 3.5 % من إجمالي المرتب أو الأجر الشهري للعامل، وذلك بما يحقق موارد وسيولة مالية للدولة.

وكان صندوق الطوارئ الذي أسسته الدولة المصرية للاستعداد للمعركة مخصصا بشكل شبه كامل لتلبية احتياجات القوات المسلحة، فعندما احتاجت القوات المسلحة لمبالغ عاجلة لتوفير احتياجات المعركة، تم توفيرها في يناير 1973 من صندوق الطوارئ.

وبدا النصر واضحا للعيان واستقبلت القاهرة الكثير من الرسل والمبعوثين للوقوف علي ما أنجزته مصر في حربها ضد العدوان كما تدفقت فرق العمل وبعض القوات العسكرية من الدول العربية الصديقة ، وانهالت طلبات التبرع بالمال والدماء في العواصم الصديقة لمصر والمحبة للعدل والسلام دعما لمصر في حربها العادلة، كما وفد بعض الأطباء للمساعدة في دعم جهود وزارة الصحة،ووصلت بعثة طبية من الإمارات إلي مصر يوم 15 أكتوبر عن طريق مطار بنغازي، حيث أغلقت المطارات المصرية عند نشوب الحرب.

وتدفق الصحفيون ووسائل الإعلام العالمية الى السفارات المصرية طلبا للسماح بدخول مصر لتغطية الانتصارات المصرية التي أدهشت الأصدقاء قبل الأعداء.

وكانت إنجازات القوات المسلحة ظاهرة للعيان، واحتاجت الدول العربية والصديقة لمعرفة المزيد فأوفد الرئيس أنور السادات كبار رجال الدولة المصرية إلي هذه الدول لنقل صورة للواقع وخطط مصر التي تقوم بتنفيذها، كما شاركت مصر في المؤتمرات الدولية لتشرح عدالة قضيتها وما حققته في الحرب، وكانت جزءًا رئيسا من حرب البترول التي شنتها الدول العربية، وشارك وزير البترول المصري في اجتماعات منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترولالتي كانت تدير مسألة حظر البترول عن الدول المساندة لإسرائيل.

وأدركت الدولة المصرية أن راحة المقاتل والاهتمام به عنصر أساسي للاهتمام بمهمته المقدسة وهي تحرير الأرض، فصدرت القرارات الوزارية واحدا تلو الآخر للتسيهل عليهم وأسرهم سبل الحياة والمعيشة وما يتعلق برواتبهم، وتعيين مصابي العمليات الحربية أو ذويهم وذوي الشهداء والمفقودين في وظائف حكومية، وهي أمور قليلة جدا بما قدموه لمصر من صون لكرامتها وعزتها.

ولعل من أهم قرارات دعم روح المقاتل المعنوية، قرارين أصدرهما الرئيس أنور السادات بمنح جميع أفراد القوات المسلحة عسكريين ومدنيين الذين خدموا بها خلال الفترة من 6 أكتوبر وحتي نهايته مكافأة تشجيعية بواقع مرتب شهر من بداية مربوط الرتبة أو الدرجة، وكان القرار الثاني، منحهم مكافأة ميدان اعتبارا من أول نوفمبر 1973 وكلتا المكافأتان صرفتا من صندوق الطوارئ.

وكانت التطورات السياسية المواكبة للحرب ودعم الولايات المتحدة إسرائيل بــمعدات عسكرية تقدر 2 مليار دولار وإمدادها بالعسكريين، دافعا لقيام الاتحاد الاشتراكي بالدعوة لفتح باب التطوع والتبرع بــ 10 % من مرتبات أعضائه في الداخل والخارج وفرض ضرائب بـ 5 % علي الخدمات الترفيهية وجميع أنواع المبيعات ما عدا المقررات التموينية، ورخص السيارات والكهرباء والمياه وإيجارات المساكن.

وانهالت تبرعات المصريين في الداخل والخارج وساهمت السفارة والجالية المصرية في تنزانيا بــ20 % من مرتب شهر اكتوبر والتطوع للمشاركة في المعركة، وبدأ التنزانيون جمع التبرعات لدعم مصر واستقبلت السفارة برقيات وخطابات التأييد والتطوع من أبناء تنزانيا وموريشيوس.

ومع تطورات المعركة كانت القوات المسلحة في حاجة دائمة للأموال لتبية احتياجات الحرب وكان دائما صندوق الطوارئ هو السند الرئيسي لذلك، رغم ما بدا أن احتياجات المعركة كانت تزداد يوما بعد يوم، ولعل ذلك ما جعل القيادة السياسية تفتح طريقا نحو السلام.

ويعرض هذا الفصل لبعض النشرات الإخبارية التي كانت تذيعها الإذاعة المصرية أثناء الحرب، والأنباء التي كانت تبثها وكالات الأنباء العالمية.

وعندما قبلت مصر قرار مجلس الأمن رقم 338 بوقف إطلاق النار وبدأت مفاوضات الكيلو 101 التي اتسمت بالشد والجذب وقادها بمهارة الفريق عبد الغني الجمسي وتم التوقيع علي اتفاقية الفصل بين القوات والاستعانة قوات الطوارئ الدولية تحملت مصر جزء من تكاليف هذه القوات، وبدأت مصر مرحلة جديدة من الحرب السياسية والدبلوماسية لاستكمال تحرير الأرض.

وفي نهاية هذا الفصل يعرض الكتاب للقرارات الجمهورية بترقيات قيادات القوات المسلحة الذين حققوا النصر إلي الرتب الأعلى، ومنهم قادة الفرق والجيوش، وكبار القادة للقوات البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي ورئيس هيئة عمليات القوات المسلحة ووزير الحربية.

ما بعد النصر

واهتمت الدولة المصرية بتكريم من شاركوا في صنع النصر فأقامت القوات المسلحة الاحتفالات لرجالها،فصدرت القرارات الوزارية المتعددة لتيسر من شئونهم هم وذويهم في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والخدمات الحكومية المختلفة، وأصدر وزارة الشئون الاجتماعية بطاقة خدمات لهم وتسابقت الوزارات المختلفة علي أن تكون الأولوية في خدماتها لهؤلاء المقاتلون الذين أحرزوا النصر واستردوا الأرض.

وتمت ترقية العديد من القادة والضباط والجنود، ومنح العديد المكافآت والمعاشات الاستثنائية، كما قامت الوزارات المختلفة بتكريم العاملين فيها الذين شاركوا بجهود كبيرة في الحرب ومنحت المكافآت المالية وشهادات الاستثمار.

وكانت وزارة الشباب والرياضة حريصة علي جعل 6 أكتوبر ( عيد النصر ) حاضرا في أذهان المصريين جميعا لذا فقد كانت تقيم الاحتفالات في أنحاء الجمهورية وترصد لذلك الأموال اللازمة.

وشكل الكاتب الكبير يوسف السباعي وزير الثقافة في عام 1974 لجنة مركزية لتسجيل وتخليد حرب أكتوبر 1973 ، والتي خرجت بإحدى عشرة توصية، تمحورت حول اعتبار 6 أكتوبر عيدا قوميا يسمي العيد القومي للتحرير، إقامة نصب تذكاري للجندي المصري في أهم ميدان بكل محافظة، وإقامة متحف للحرب بسيناء، الاحتفاظ ببعض المباني التي دمرت أثناء الحرب لتكون ذكري للأجيال، إصدار كتاب أبيض عن الحرب من هزيمة يونيو 1967 وحتى تحقيق النصر، إنتاج أفلام تسجيلية وروائية عن الحرب، ومسابقات ، ومهرجانات احتفالية سنوية، تسجيل الفكاهة والنوادر التي وقعت أثناء الحرب وجمع رسوم الكاريكاتير، إعداد موسوعة مصورة للأطفال عن حرب أكتوبر وعدم ابتذال اسم أكتوبر فلا يوضع إلا علي الأعمال الكبيرة.

وعندما ابتكر رئيس قسم جراحة العيون بطب المنصورة عينا الكترونية تعيد الرؤية لفاقدي البصر من أبطال حرب أكتوبر أرسلته الحكومة في مهمة علمية للمملكة المتحدة والولايات المتحدة لمدة شهرين لزيارة مراكز البحوث لمناقشة ابتكاره ومدي إمكانية تطبيقه.

وكان علي مصر بعد توقف دوران عجلة الحرب أن تواجه مشاكل جمة لا تقل صعوبة عن العمليات العسكرية ولعل من أخطر هذه القضايا التعامل مع المسرحين من الخدمة العسكرية ، الذين تتنوع خلفياتهم الثقافية فمنهم العمال الزراعيون ومنهم العمال ومنهم المهنيون وخريجي الجامعات والكثير منهم ليس لديهم وظائف مدنية وهؤلاء بذلوا الغالي والنفيس حتى أتوا بالنصر ورفعوا اسم مصر عاليا، وقد قدر أعداد هؤلاء في مايو 1974 بنحو 177 ألفا كبداية، لذا بدأت كل وزارة بإعادة ترتيب أوراقها ومراجعة ما لديها من وظائف وما يمكن أن تستوعبه ممن تم تسريحه من الخدمة العسكرية بعد اتفاق الفصل بين القوات، وهناك الكثير من الأوراق التي تدلل علي كفاءة الدولة المصرية في إدارة هذا الملف الذي نحن بحاجة لقراءته جيدا للاستفادة منه في ما يواجه الدولة المصرية من مشكلة بطالة مرهقة بعد ثورتين.

وكان من أهم المحاور التي اهتمت بها مصر هي مراجعة الذات وتحديد الخسائر بكل دقة في جميع قطاعات الدولة ومن أهم هذه القطاعات وزارة الإسكان والشركات التابعة لها حيث كانت الوزارة تمتلك شركات المقاولات الكبرى التي ساعدت القوات المسلحة في تشييد ما تحتاجه في من تجهيزات في معركتها مع العدو الغادر، وقامت هذه الشركات بالمحافظة علي كفاءة مؤسسات الخدمية للدولة حتى لا يتأثر المواطن العادي بظروف المعركة.

كما يعرض هذا الفصل لوثائق تتناول أن مصر رغم أنها دخلت في مرحلة مملة من المفاوضات لتسوية الصراع العربي – الإسرائيلي، إلا أنها كانت دائما تضع في بؤرة اهتمامها أن الحرب لم تنته بعد وأن احتياجات القوت المسلحة يجب توفيرها وإقرار الأموال التي تحتاجها، واستمرار تفويض رئيس الجمهورية في صفقات الأسلحة.

كما ينشر في هذا الفصل قرار سفر وفد مصر إلي مؤتمر السلام في واشنطن 1979.

إن الأوراق التي تنشرها دار الوثائق القومية هذا العام لتضعها بين يدي أبناء مصر لمراجعة تجربة مصرية فريدة في قهر الهزيمة وصناعة النصر من رحم الانكسار، لقد كان الفارق بين الهزيمة والنصر الإيمان بالله ثم الوطن وإرادة هذه الأمة في أنها أبدا لن تموت ولن تستسلم لعدو أو خائن ومن عاداها خسر وأصابه الذل والهوان وأن شعبها لا يحني الجباه إلا لله.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا