قرأت لك.. الدين والسياسة "جوانب دستورية وأخلاقية"

عندما يعطي أصحاب السلطة السياسية أنفسهم حق التقويم الإيجابي والسلبي للديانات نكون الطامة، لا يجيز الواقع الأمريكي الاعتماد على طرح ديني إلا إذا كان هناك طرحًا علمانيًا مُقنِعًا يصل إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها الطرح الديني.
يلقي كتاب “الدين في السياسة: جوانب دستورية وأخلاقية” الضوء على مسألة الحرية الدينية التي يحميها القانون الدستوري للولايات المتحدة الأمريكية، وأي دور يمكن أن يؤديه الطرح الديني في السياسة والدستور الأمريكي. حيث يركز مؤلفه “مايكل بيري” بصفة خاصة على الخيارات السياسية التي تحظر أو تنحاز ضد نوع أو آخر من أنواع السلوك البشري بناء على اعتقاد أن هذا السلوك يحابي أو ينافي الأخلاق.
والمؤلف مايكل بيري MICHAEL J. PERRY كاتب متخصص في مجالي القانون الدستوري وحقوق الإنسان، وقد ألف اثنا عشر كتابا إضافة إلى العديد من المقالات ذات الصلة، ومن بينها: حقوق الإنسان في القانون الدستوري الأمريكي ( كامبريدج 2013)، نحو نظرية لحقوق الإنسان: الدين و القانون والمحاكم (كامبريدج 2007)، الحقوق الدستورية والجدل الأخلاقي والمحكمة العليا (كامبريدج 2009)، الأخلاق السياسية للديمقراطية الليبرالية (كامبريدج 2010).
ويتحدث بيري عن الروح التي ألف بها هذا الكتاب قائلاً: “أريد أن أؤكد، لقد كتبته بوصفي مسيحيا، على وجه الخصوص، مسيحيا كاثوليكيا مشبعا بروح المجمع الفاتيكاني الثاني. ولكن مسيحيا حذرا جدا من الحديث عن الله الذى تنخرط فيه أغلبية المسيحيين. لقد كتبته بالضبط بروح المسيحية القائمة على اللاهوت السلبى. ولقد وضعت هذا الكتاب كمن يقف بين كل الذين لا يؤمنون من جهة وعدد من المؤمنين من جهة أخرى”.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، الفصل الاول: القانون الدستوري للحرية الدينية، والفصل الثاني: الأطروحات الدينية في النقاش السياسي العام، والفصل الثالث: الأطروحات الدينية كقاعدة للخيار السياسي، وينتهي الفصلين الأول والثالث من الكتاب بملحق.
الأمريكيون أكثر تديناً

يبدأ بيري كتابه بتقرير أن معظم الامريكيين مؤمنين دينيا، أو معتنقين لدين معين، أو ربما يكونون الأكثر تديناً في ديمقراطيات العالم الصناعي المتقدم، وعلى الرغم من ذلك فإن مسألة الدور المناسب للدين هي مسألة هامشية بالنسبة إلى الساسة الأمريكيين، كما أن بينهم خلاف عميق حول العديد من المسائل الدينية والأخلاقية الأساسية.
في أمريكا كبلد متدين عموما ومتعدد الأديان في نفس الوقت، يجب أن تصبح مسألة النقاش السياسي حول الدور الصحيح للدين في السياسة هي مسألة غاية في الأهمية. ويطرح الكاتب مسألة أن عدم خرق تصرف ما لأي قاعدة دستورية، لا يعني بالضرورة أن هذا التصرف مقبول أخلاقيا، بمعني أن الشرعية الدستورية لا تستلزم بالضرورة اللياقة الأخلاقية ولا تساويها.
الدين والخيارات السياسية

سؤالا جوهريا يتناوله الكاتب في السياق؛ عن ماهية الدور الذي يمكن للحجج الدينية (إذا وجدت) أن تضطلع به سواء في النقاش العام حول ماهية الخيارات السياسية الواجب اتخاذها أو إذا كانت (الحجج الدينية) أساس الاختيار السياسي.
وهو يشعر بالقلق أو الاستياء حيال الخيارات السياسية التي تحظر أو لا تستسيغ نوعا من السلوك البشري على أساس أنه غير أخلاقي. ويقسم بيري الجدل إلى قسمين من المناقشات: الأول عن الدور المناسب دستوريا للأطروحات الدينية في السياسة، والثانية عن الدور المناسب أخلاقيا. حيث يخلص بيري في النهاية إلى أن الخيارات السياسية حول أخلاقية السلوك البشري لاينبغي ان ترتكز على الدين.
قاعدتان دستوريتان

يعرض الفصل الأول قاعدتين دستوريتين أساسيتين يتعلقتان بالدين، هما: قاعدة الممارسة الحرة وقاعدة عدم التأسيس. حيث يقول: إن لب تفسيري قاعدتي الممارسة الحرة وعدم التأسيس هو منع الحكومة من تقديم أحكام قيمية إيجابية أو سلبية – قيمة الحقيقة أو القيمة الأخلاقية أو القيمة الاجتماعية أو أى نوع من القيم – عن الأديان أو الممارسات الدينية أو المعتقدات الدينية.

ثم يكشف بيري فكرته عن الدور المسموح به دستوريا للأطروحات الدينية، وخاصة المتعلقة بمسألة أخلاقية السلوك البشري في السياسة الأمريكية. حيث يري أنه عندما يعطي أصحاب السلطة السياسية أنفسهم حق التقويم الإيجابي والسلبي للديانات أو للممارسة الدينية أو العقائد الدينية، فإنهم يسيئون وتكون إساءتهم بالغة أحيانا مقابل القليل من الخير.
وينقسم الفصل إلى سبعة مباحث عناوينها كالآتي: الطريق من هناك الى هنا، حرية الممارسة، قاعدة عدم التأسيس، صراعات مبدأ عدم التأسيس، لماذا مبدأ عدم التأسيس، الممارسة الحرة وعدم التأسيس ومشكل المواءمة، الدين في السياسة: جوانب دستورية.

ثم الملحق بهذا الفصل وهو الإعلان الصادر عن الأمم المتحدة بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمة على أساس الدين أو المعتقد.
الدور المناسب أخلاقياً

يؤكد بيري في الفصل الثاني: “الأطروحات الدينية في النقاش السياسي العام” أن مايسعي إليه في هذا الفصل من بحث، عن دور الأطروحات الدينية في النقاش السياسي العام، يتعلق أساسا بالأخلاق السياسية وليس بالإستراتيجية السياسية. ويتناول في هذا الفصل مسألة الدور المناسب أخلاقيا لمثل هذه الأطروحات في السياسة، بعد أن ركز الكاتب في الفصل الأول على القانون الدستوري للولايات المتحدة.
كما يخاطب الكاتب في هذا الفصل “غير المؤمنين بالدين” المتحفظين في قبول الخطاب الأخلاقي المبنى على الدين في الخطاب السياسي لديمقراطية ليبرالية كالولايات المتحدة.

وينقسم الفصل إلى ثلاثة مباحث هي: الأطروحات الدينية في النقاش السياسي العام وفي الثقافة العامة عموما، وموقف غريناوالت من الأطروحات الدينية في الحوار السياسي العام، و”فكرة العقل العام” عند راولز.
حيث يذهب الكتاب إلى أنه أمر حتمي أن بعض المشرعين وكذلك بعض المواطنين المشاركين في استفتاء أو مبادرة انتخابية سيضعون على الأقل شيئا من الثقل على الأطروحات الدينية في تصويتهم على خيارات سياسية، وأكثر من ذلك يمكن للطرح الديني أن يكون أكثر تأثيرا في تحريك جماعة كبيرة من المشرعين أو المواطنين لإرادة اتخاذ خيار سياسي معين وفي دفعهم لقبول طرحاً علمانياً يدعم هذا الخيار.
ويستنتج الكاتب في هذا الفصل أنه يمكن للمواطنين والمشرعين والموظفين الرسميين أن يطرحوا في نقاش سياسي عام أطروحات دينية تتعلق بأخلاقية السلوك البشري، وهذا ليس فقط لأنها مسألة دستورية؛ ولكن لأنها مسألة أخلاقية أيضا.
أتحدث بوصفي متديناً

ويتتبع الفصل الثالث مسألة الدور المناسب من الناحية الأخلاقية للدين في السياسة، حيث يخاطب بشكل أساسي المسيحيين الذين يرتابون في قبول أي قيود ترد على الأطروحات الأخلاقية المبنية على الدين كأساس للخيار السياسي، وهو في حديثه لمثل هؤلاء يخاطبهم بوصفه مؤمناً أو مسيحيا من الداخل وليس من الخارج.

وينقسم هذا الفصل إلى ستة مباحث هي: الأطروحات الدينية كقاعدة للخيار السياسي، الأطروحات الدينية المتعلقة بقيمة الإنسان، الأطروحات الدينية المتعلقة بخير البشر، مثال نموذجي (الطرح الديني بشأن أخلاقية السلوك الجنسي المثلي)، طرح فينيس العلماني حول أخلاقية السلوك الجنسي المثلي، ثم المبحث السادس وهو تعليق ختامي موجه إلى المسيحيين المحافظين لاهوتيا في المقام الأول.
وهو يميز بين نوعين أساسيين من الطرح الديني، الأول يتعلق بشأن قيمة الإنسان، والثاني يتعلق بأخلاقية السلوك البشري، ثم يبرهن على أنه عند القيام باختيار سياسي يتعلق بالسلوك البشري لا يجوز للمواطنين أو المشرعين أو الموظفين الرسميين الاعتماد على طرح ديني إلا إذا كان هناك طرح علماني مُقنِع يصل إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها الطرح الديني.

ويقول الكاتب أن هناك نوعين أساسيين من الطرح الديني المتعلق بأخلاقية السلوك البشرى: طرح دينى متعلق بمن من بين كل البشر هو مقدس، وطرح ديني متعلق بمتطلبات راحة الإنسان. وفي أثناء تبنى خيار سياسي متعلق بأخلاقية السلوك البشري، لا ينبغى الاعتماد على الطرح الديني المتعلق بمتطلبات راحة الإنسان، إلا إذا توصل طرح علماني مستقل إلى الخلاصة نفسها فيما يتعلق بهذه المتطلبات.
وجاء ملحق الفصل الثالث بعنوان “القضاة – حالة خاصة ” ليطرح مسألة أن القضاة صناع قرار، فهم من يقرر الاتجاه الذي على القانون أن يتحرك فيه.
وقد ختم بيري كتابه بعبارات مقتبسة من مرافعة القاضي الأميركي والكاتب الشهير “جون نونان” في كتابه “التطور في المذهب الأخلاقي” تقول: “لا يمكن للمرء أن يتنبأ بالتغيرات المستقبلية، يمكن للمرء فقط تتبع ضوء الحاضر وفي هذا الضوء يكون أخلاقيا متأكدا من أن بعض الواجبات لن تتغير أبدا. إن الوصايا العظيمة لحب الله والجار، والمبادئ العظيمة للعدل والإحسان تواصل في تسيير كل تطور. إن الله لا يتغير، ولكن متطلبات العهد الجديد مختلفة عن متطلبات العهد القديم، وبينما ليس هناك وحى يكمل العهد الجديد، فإنه يتضح من حالة العبودية وحدها أن الأمر استغرق وقتا للتحقق من الماهية الحقيقية لمتطلبات العهد الجديد”.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا