رؤية جديدة لتعدد الزوجات.. كيف نجعل موافقة الزوجة الأولى شرطًا لإتمام الزواج الثانى لزوجها؟.. الرسول منع الإمام على من نكاح أخريات.. والحنابلة يؤيدون حق المرأة فى الاشتراط على الرجل بعدم الدخول بأخرى

تثار بين الحين والآخر قضايا إشكالية تخص على وجه التحديد المرأة وحياتها، أبزرها فى الآونة الأخيرة التصريحات الرجعية لعضو مجلس النواب إلهامى عجينة حول ما يسميه بضرورة الختان، واتهامه للنساء بتحمل مسئولية جرائم الزنا، على حد قوله!
فى المقابل، نحاول أن نعيد التفكير فى قضايا الجنوسة وحقوق المرأة من منظور عقلانى، يسعى بالأساس إلى صيانة حقوق وكرامة النساء، الأمنر الذى يتطلب إعادة النظر فى أسس واصول الرؤية العربية للمرأة بصفة عامة، ويمثل التراث الدينى رافدًا رئيسيًا فى تكوين الصورة النمطية عن المرأة، التى غالبا ما توسم بصفات الشر، ونقصان العقل والدين.
لذا، نعيد اليوم التفكير فيما يسمى بتعدد الزوجات، طارحين أمام مجلس النواب مقترحًا بسن تشريع يشترط موافقة الزوجة الأولى على الزواج الثانى لزوجها، الأمر الذى يمكن من خلاله صيانة الأسر المصرية، مستدلين على ذلك بأراء فقهية تراثية أيضًا.
الأزهر: تعدد الزوجات فى المطلق "عبث"
خلال شهر رمضان الماضى، لم يلتفت الناس بشكل علمى ومنطقى لما صرّح به شيخ الأزهر أحمد الطيب، عبر برنامجه "مع الطيب"، حول تعدد الزوجات فى الإسلام، فالشيخ الذى درس فى السوربون قدّم رؤية مغايرة لما اعتدنا فى السنوات الأخيرة على سماعه، بخاصة من السلفيين الذين من جهتهم صوبوا أسهم الاتهامات على الرجل مرة، أو تغيير كلامه مرة أخرى والافتراء عليه.
ماذا قال الطيب؟ وماذا فعل السلفيون؟، الإمام الطيب قال إن تعدد الزوجات فى المطلق "عبث وهراء" وأن الأصل فى الإسلام الاكتفاء بواحدة، وأن الزواج الثانى له شروط، متحدياً أى شخص أن يأتى بآية أو حديث يأمر "يأمر ولا يبيح بخاصة لمن يقرأ على مزاجه" الرجل بتعدد الزوجات أو يفضل له ذلك.
السلفيون هاجموا الإمام، وادعوا أنه يحرم التعدد، مروجين لفكرة أن الأزهر ينكر وجود آية التعدد فى القرآن!! لماذا فعل السلفيون هكذا؟ لأنهم ببساطة يؤمنون أن التعدد هو الأصل.. بمعنى؟ يعنى أنهم يؤمنون بوجوب زواج الرجل بأكثر من امرأة "اللى يجيلها عريس سلفى تعرف أنه هيتجوز عليها وش، أدينا حذرنا".
ويقول السلفيون "أن الله من أمر بالتعدد" واستندوا طبعًا إلى أن الرسول وصحابته تزوجوا بأكثر من امرأة. تعالوا معًا نعود إلى الوراء.
بداية، نعم، الرسول وأصحابه تزوجوا وبكثرة، بعضهم أفرط فى الزواج وتجاوز أعدادًا كبيرة، لكن فى الواقع التاريخى أن المسألة لم تبدأ مع الإسلام؛ بل هى أقدم كثيرًا، فأغلب أنبياء التوارة تزوجوا بوفرة، النبى إبراهيم تزوج من 6 نساء ويعقوب من 4 وداود من 9 وسليمان من 1000، كما ورد فى سفر الملوك الأول فى الإصحاح 11، "سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ"، كما كان العرب قبل البعثة يتزوجون دون التزام بعدد، فمثلا غيلان بن سلمة أسلم وعنده عشر نسوة، فقال له الرسول "اختر منهن أربعا"!! إذن كل ما فعله الدين الجديد أن وضع حدًا لعدد النساء، ولسبب غير معلوم لم يضع قاعدة بالاكتفاء بواحدة، أعتقد كان سيغلق بابًا شائكًا.
شرط موافقة الزوجة الأولى
هل معنى ذلك أن الأصل هو التعدد كما يقول السلفيون؟ بكل ثقة شيخ الأزهر على حق، لا توجد آية قرآنية ولا حديث نبوى يأمر أو يفضل على الأقل التعدد، يعنى التعدد مذكور كنوع من الإباحة المشروطة أيضًا، وهناك قصة تؤكد على الأقل أهمية موافقة الزوجة الأولى!!
نعم، موافقة الزوجة الأولى ممكن تتحول لشرط فقهى! قبل أن نشرح ذلك، نقول إن الحنابلة والأوزاعى وكثير من الصحابة يذهبون إلى حق المرأة فى أن تشترط على الرجل بعدم الزواج بأخرى، استنادًا إلى الآية "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ" وحديث بالبخارى "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ" وغيرها من الأسانيد، يعنى ببساطة لنغلق باب التعدد يمكن للفتاة أن تشترط على من ستتزوجه عدم الزواج بأخرى إلا بعد موافقتها، وانتهى الأمر. ماذا تقول؟ نعم بإمكان كل فتاة أن تضع ذلك الشرط فى عقد الزواج، وحال عدم الالتزام به تصبح المرأة مطلقة.
أمّا بشأن الموافقة كشرط، فالقاعدة الفقهية فى كثير من المدارس تنص على التدرج لإصدار حكم، بداية البحث فى النص القرآنى، يضيف آخرون النص النبوى القاطع، ثم القياس على مواقف بحياة الرسول.
وطالما لا توجد نصوص قطعية، يمكن العودة إلى حكاية مهمة. بعد أن تزوج الإمام على من السيدة فاطمة، ذهب إلى الرسول/ حماه وعرض عليه أنه سيتزوج، فرفض الرسول بشدة، وردد "إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّى يُؤْذِينِى مَا آذَاهَا"، هذا بعد أن قالت فاطمة لأبيها "إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ"، طلب على تكرر، وفى كل مرة يرفض الرسول "إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَإِنِّى أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِى دِينِهَا" كيف تفتن فاطمة؟ بالغيرة.. هنا يعلق ابن حبان: هذا الفعل لو فعله على كان ذلك جائزاً، وإنما كرهه الرسول.
من جهتى، أقدر مشاعر النبى كأب، التى دفعته إلى أن يعلن "كله إلا بنتى"، تُرى هل كان يُحرم الرسول على علىّ حلالًا؟ بالتأكيد لا، إذن تمثل القصة شاهدًا رئيسًا يمكن أن يقاس عليه، فالنبى رفض زواج على الثانى لرفض فاطمة، ليس ذلك فحسب، وإنما عاتبت فاطمة أباها وصرحت بأن الناس تتكلم عنه بشكل لا يليق، "إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ"، ولغويًا "تسخنه على ابن عمه".
هنا تسقط رؤية السلفيين بأن التعدد هو الأصل، وإلا كان الرسول مانعًا لعلى من أصل ديني، الأمر الذى يتعارض ومقام النبوة. ويردد بعض السلفيين أن رفض الرسول الزواج الثانى لعلى بن أبى طالب تعلق باسم الزوجة، كونها ابنة أبى جهل، والسؤال الذي لا يجيب عليه السلفيون، هل كانت ابنة أبى جهل مسلمة وقتها أم لا؟ ناهيك عن تكرار طلب الإمام من الزواج بأخريات، لكن موقف الرسول كان دائمًا هو الرفض.
الطريف الذى يمكن أن نختم به أن عليًا تزوج بعد فاطمة، وبعد وفاة الرسول، 8 نساء، وهن: أم البنين بنت حزام، وليلى بنت مسعود اليتيمة، وأسماء بنت عميس، وأم حبيبة بنت ربيعة التغلبية، وأمامة بنت العاص بن الربيع، والحنفية خولة بنت جعفر، وأم سعيد بنت عروة الثقفية، ومحياة بنت امرئ القيس الكلبية، وأنجب أربعة عشر ذكرًا وسبع عشرة أنثى.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا