إعدام محمود العيسوى لاغتياله رئيس الحكومة أحمد ماهر باشا

اقتاد الحراس الشاب محمود العيسوى إلى المشنقة، ولما سئل عما يطلبه، أجاب بأن يسمح له بالصلاة، فتوضأ وصلى الصبح، وتوجه فى مثل هذا اليوم «18 سبتمبر 1945» إلى حبل المشنقة، وقبل وضع «الطاقية السوداء» على رأسه قال كلمته: «أنا لا يهمنى إلا حكم التاريخ، وأرجو من الصحفيين ألا يشوهوا سمعتى كما شوهوا القضية، وكلمتى لهم ألا تفتروا على ميت»، هكذا يسجل كتاب «نضال شعب مصر 1798 - 1956»، تأليف محمد عبد الرحمن حسين «دار الكتب والوثائق القومية – القاهرة»، اللحظات الأخيرة فى حياة «العيسوى»، قاتل رئيس الوزراء المصرى أحمد ماهر باشا، مساء يوم 4 فبراير 1945.
وقعت جريمة القتل فى البهو الفرعونى لمجلس النواب، حسب عبدالرحمن الرافعى فى الجزء الثالث من كتابه «ما بعد ثورة 1919» «دار المعارف- القاهرة»، بعد أن ألقى «ماهر» بيانا أمام البرلمان يعلن فيه إعلان الحرب على ألمانيا واليابان والوقوف إلى جانب إنجلترا أثناء الحرب العالمية الثانية، تقدم إليه «العيسوى» وأطلق عليه الرصاص من مسدس كان يخفيه معه.
كان «العيسوى» ضمن صفوف الحزب الوطنى الذى أسسه الزعيم مصطفى كامل، وضمن الشعبة المدنية فى الحزب التى تم تأسيسها لمقاومة الاحتلال الإنجليزى، وهو من مواليد قرية «بنى غربانة» التابعة لمركز قويسنا بمحافظة المنوفية، وحصل على شهادة الحقوق عام 1939 ودبلوم القانون الخاص عام 1940، ودبلوم القانون العام بتفوق عام 1941، وأعد رسالة للدكتوراه فى الحقوق بعنوان «مركز مصر الدولى بعد إبرام معاهدة سنة 1936»، وبهذه المواصفات نحن أمام شاب متفوق علميا، وحسب كتاب «نضال شعب مصر»، فإنه عمل محاميا فى مكتب عبدالرحمن الرافعى، لكنه لم يكن يباشر الدعاوى التى يتم تداولها فى المكتب، وإنما تفرغ تفرغا تاما لقضايا مصر داخليا وخارجيا.
كان ضمن فريق صقور الحزب الوطنى، ويرى هذا الفريق أن العنف المسلح هو الوسيلة الوحيدة لإجبار الاحتلال على مغادرة مصر، وفى مسار محاكمته لم يُبدِ أى ندم على ما فعله، فبعد أن تولى محمود فهمى النقراشى رئاسة الحكومة فور اغتيال «ماهر»، أمر بإحالة القضية إلى المحكمة العسكرية العليا برئاسة «محمود منصور بك» وعضوية حسن حمدى بك واثنين من العسكريين، وطبقًا لكتاب «نضال شعب مصر»، فإن «النقراشى باشا» كان يحضر التحقيق كما كان يستدعى «العيسوى» إلى مكتبه أحيانا أخرى أملا فى الحصول على اعتراف منه، ولهذا طلب من المحكمة فى إحدى جلساتها استدعاء رئيس الحكومة لسماع أقواله كشاهد نفى، لكن المحكمة عارضت طلبه، فهدد محاميه وأستاذه فى نفس الوقت «على بدوى» عميد كلية الحقوق بالتنحى قائلا: «إننى رجل لم أحترف السياسة ولم أخض غمارها، ولكننى أنظر إلى الأمانة التى فى عنقى، وأخشى أن يطاردنى ضميرى إذا لم يعط للدفاع حرية مطلقة، ومهما تكن النتائج فلن أسمح لنفسى بتسليم عنق المتهم إلى حبل المشنقة قبل أن تستوفى جميع وسائل الدفاع».
شهدت القضية مواقف أخرى لـ«بدوى»، منها رفضه بعنف لقول عبدالرحمن الطوير فى مرافعة الاتهام: «قضية اليوم هى قضية الشهيد والبغيض، أما الشهيد فهو أحمد ماهر، وأما البغيض فهو هذا الشقى الماثل أمامكم، وأستغفر الله أن أذكر اسميهما معا، غير أن التاريخ سيفرق بين الاسمين، فيرفع اسم أحمد ماهر إلى السماء، وسيضع التاريخ هذا المعتدى القاتل يوم ولد ويوم يموت بين المجرمين الآثمين»، فرد بدوى منفعلا: «لسنا هنا فى مقام تقدير الفضائل الشخصية لكل واحد من الناس ولا لبيان العيوب الشخصية، ولسنا أمام قضية تعيس وشهيد أو شقى وسعيد، إنما نحن أمام قضية تتعافى بأمر خطير، قضية آمن بها المتهم وإذا كان أحمد ماهر صاحب رسالة فإن المتهم اعتقد وآمن بفكرة تسلطت عليه واعتقد المتهم وأعتقد أنا أيضا معه أن مبعثه وحى الإنجليز».
استجابت المحكمة لطلب استدعاء الشهود، واعترف النقراشى بأنه استدعى بالفعل «العيسوى» إلى مكتبه أكثر من مرة، وأثناء شهادة الشهود شعر المتهم بأن المحكمة تهاجمه، فطلب ردها لأنه لا يطمئن لها، لكن المحكمة رفضت، فقال المتهم: «أنا أعفى أستاذى على بك من المرافعة، فرفض على بدوى واستمر فى الدفاع عنه»، وفى جلسة 28 يوليو 1945 قضت المحكمة بإعدامه وفى 18 سبتمبر تم تنفيذ الحكم.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا