المنهج الصحيح فى الصفقة الخاطئة.. خوف وزير الزراعة من مصير خالد حنفى وراء قراره المتسرع بوقف استيراد القمح الروسى دون تحديد البديل.. و8 ملايين فلاح يدفعون فاتورة خطأ الوزير ويخسرون أكبر مستورد للموالح

"الخوف من المساءلة" و"الأيدى المرتعشة".. مرضان يعانى منهما عدد كبير من المسئولين فى الحكومة المصرية الحالية، ويبدو أن وزير الزراعة الحالى، الدكتور عصام فايد، كان أحد هؤلاء، فبمجرد أن تمت إقالة وزير التموين السابق خالد حنفى على خلفية قضية الفساد المعروفة "بفساد القمح" فى 25 أغسطس الماضى، أصدر الوزير فى 28 أغسطس قرارًا بمنع دخول أى أقماح مستوردة، مصابة بأى نسبة من فطر الأرجوت.
ورغم أن القرار يبدو من الخارج هدفه نبيل، وهو منع إصابة المصريين بأمراض خطيرة مثل السرطان والتسبب فى توطن المرض فى الأراضى المصرية، وهو ما استند إليه الوزير، إلا أن القرار كان "كلمة حق يراد بها باطل"، فلا يوجد أى إنسان عاقل ووطنى يريد أن يتسبب فى دخول هذه الأمراض لبلده، لكن فى الحقيقة هذا الموضوع له أبعاد أخرى وحقائق لابد من الوقوف أمامها أولا.
الحقيقة الأولى، أن هناك دولا كبرى، ومتقدمة جدا، وتهتم اهتماما خاصا بصحة مواطنيها أكثر بعشرات أضعاف ما تقدمه مصر فى مجال الصحة، ومع ذلك تستخدم القمح المصاب بنسبة معينة من فطر الأرجوت، دون أن يتهمها أحد من مواطنيها بالتسبب فى إصابتهم بالسرطان.
الحقيقة الثانية، أن المنظمات العالمية المهتمة بالصحة وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، وضعت نسبة مسموح بوجودها من فطر الأرجوت فى القمح المستخدم للطعام، وهى نسبة 0.05%، وهو ما كان معمولا به فى مصر قبل أيام من قرار وزير الزراعة.
الحقيقة الثالثة، هى أن القمح الوارد لمصر بشكل عام هو قمح خام ويخضع لعمليات قبل الطحن من بينها التبخير والتهوية والغربلة والنقاوة والغسيل، ويتم أخذ عينات منه بواسطة الجهات الرقابية لفحصها بالمعامل المركزية لوزارة الصحة والسكان، للتأكد من خلوها من فطر "الأرجوت بالنسب المضرة" لتكون صالحة للطحن.
وهذا ما أكده رسميا رئيس قطاع الطب الوقائى بوزارة الصحة، الدكتور عمرو قنديل، فى بيان للوزارة نشرته الوكالة الرسمية فى يوليو الماضى، بأن النسب المسموح بها لفطر "الأرجوت" فى القمح الخام بالمواصفات القياسية المصرية 0.05% هى نفس النسب التى يسمح بها بالمواصفات القياسية الدولية، والتى جاءت بتشريعات هيئة الدستور الغذائى العالمى (الكودكس) التى تشترك فيها عدد 187 دولة، وأيضاً هذه النسبة مسموح بها فى منظمة الأيزو العالمية رقم 7970 لسنة 2000.
الحقيقة الرابعة، هى أن وزارة الصحة المصرية نفسها قالت إنه بإجراء دراسة تحليل المخاطر لفطر "الأرجوت" والتى تم إجراؤها بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة FAO تبين أن البيئة فى مصر غير مناسبة لتوطينه واستقراره، إذ أن البيئة المناسبة لإنبات الأجسام الحجرية لفطر الأرجوت (من صفر إلى 10 درجة مئوية لمدة 25 يوما على الأقل) وهى ظروف غير متوفرة بالبيئة المصرية، والفطر لا يمكن أن يتوطن فى مصر ولا يمكن أن يتسبب فى خسائر اقتصادية.
الحقيقة الخامسة، هى أن مصر تصدر لروسيا نحو 320 ألف طن موالح، بجانب 200 ألف طن بطاطس، بالإضافة إلى كميات كبيرة من البصل والرمان والليمون، وهو ما يساهم بشكل كبير فى دعم الاقتصاد المصرى، وخصوصا قطاع الزراعة الذى يعمل به أكثر من 8 ملايين نسمة، بالإضافة إلى أسرهم، فى حين يبلغ إجمالى صادرات روسيا لمصر من القمح نحو 1.5 مليون طن.
ولك أن تتخيل حجم الكارثة التى سيتعرض لها القطاع الزراعى جراء قيام السلطات الروسية بمنع، أو حتى وضع قيود على استيراد المنتجات المصرية، فى إطار المعاملة بالمثل، وهو ما لوحت إليه فعلا السلطات الروسية ممثلة فى الإدارة الاتحادية والرقابة البيطرية وصحة النباتات الروسية المعنية بمراقبة سلامة الغذاء والمنتجات الزراعية فى روسيا، التى قالت إنها قد تفرض حظرا مؤقتا على استيراد المنتجات الزراعية المصرية وفقًا لتقرير نشرته وكالة سبوتنك الروسية.
إذن بعد هذه الحقائق، يتضح أن وزير الزراعة المصرى لم يتبع المعايير الدولية عند اتخاذ هذا القرار الخطير، حتى لو كان القرار جاء بحسن نية، وبهدف نبيل، إلا أنه لم يراعِ الحقائق السابقة من جانب، ومن جانب آخر لم يضع البديل لشحنات القمح المرفوضة، فى ظل عدم وجود رصيد كاف يضمن عدم عودة أزمات نقص "رغيف الخبز" التى عشناها جميعا فى الفترات السابقة، ونجحت الدولة فى العامين الآخيرين فى القضاء عليها تماما.
كما أن قرار الوزير الخائف لم يراعِ، المصالح السياسية مع الدول الأطراف فى الموضوع، وعلى رأسها روسيا التى يأكل شعبها من نفس القمح الذى رفضه وزير الزراعة المصرى، وهى إلى جانب ذلك تعتبر أكبر حليف سياسى دولى لمصر، خصوصا فى فترة ما بعد ثورة 30 يوليو، بعدما تخاذلت دول أخرى عن دعم الشعب المصرى.
كما أن هذا القرار يصنف على أنه قرار فنى يجب أن يخرج من جهة أخرى تقرر إذا كانت هذه النسبة من الفطر ضارة أم لا، سواء على الصحة العامة للمواطنين أو حتى على الأراضى الزراعية نفسها، وهو ما نفته هيئة الرقابة الدوائية التابعة لوزارة الصحة كما سبق وأشرنا.
ونخلص من ذلك، أن قرار الوزير خالف المعايير الدولية ولم يراعِ المصالح المصرية سواء الاقتصادية أو السياسية وسيضر الاقتصاد المصرى ضررا بالغا، ويفقد البلاد حلفاءها الاستراتيجيين الدوليين، ويجب إعادة النظر فيه فورا قبل أن نجد أنفسنا معزولين عن العالم وسنضطر فى آخر المطاف بعد نفاد المخزون من الاستيراد وربما تكون بنسب أكبر من النسب التى رفضت، بعد أن نكون فقدنا أسواقنا الخارجية وحلفاءنا المقربين.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا