السادات وبيجين يوقعان على «كامب ديفيد» والكآبة تخيم على الوفد المصرى

دوى التصفيق لحظة وقوف الرؤساء الثلاثة، المصرى أنور السادات، الأمريكى جيمى كارتر، رئيس الحكومة الإسرائيلية مناحم بيجين، على المنصة الموجود خلفها أعلام مصر وإسرائيل وأمريكا.
كانت منضدة موجودة على المنصة، كى يتم توقيع الثلاثة عليها لاتفاق «كامب ديفيد»، الذى ينهى حالة العداء بين مصر وإسرائيل، والحاضرون كانوا أعضاء الوفود الثلاثة الذين قضوا 12 يوماً فى مباحثات متواصلة، ودار الحدث الذى تابعه العالم كله فى مثل هذا اليوم «17 سبتمبر 1978» بـ«البيت الأبيض» فى واشنطن، ويسجل وقائعه محمد إبراهيم كامل، وزير الخارجية المصرية، وقتئذ، فى مذكراته «السلام الضائع» «كتاب الأهالى-القاهرة».
استقال«كامل»قبل توقيع الاتفاق بيوم واحد، احتجاجاً على الاتفاق الذى وجده حسب وصفه «بعيداً كل البعد عن تحقيق السلام الشامل»، واتفق مع السادات، أن لا يعلن عن الاستقالة إلا بعد توقيع الاتفاق، واستمر متواجداً دون المشاركة فى أى نشاط رسمى حدث فى الساعات التى تلت الاستقالة وحتى توقيع الاتفاق.
تحدث «السادات» فى الاحتفال شاكراً كارتر: «لقد التزمت بأن تكون شريكاً كاملاً فى مسيرة السلام، وأنه ليسعدنى أن أقول أنك قد وفيت بهذا الالتزام بشرف»، ثم تكلم بيجين: «إن مؤتمر كامب ديفيد يجب أن تعاد تسميته إلى مؤتمر «جيمى كارتر» الذى بذل جهوداً شجاعة وجبارة لإنجاح المؤتمر، وعمل بجهد واجتهاد يفوق حسب تجربتى التاريخية العمل والجهد الشاق الذى بذله أجدادنا عندما بنوا الأهرامات فى مصر»، ودوى ضحك وتصفيق، ويعلق كامل: «من واقع تجربتى لبيجين لم يقل هذه العبارة اعتباطاً، وإنما عن عمد وسبق إصرار لعلها تكون تكئة للبناء عليها بالقدر الذى يسمح لإسرائيل فى يوم ما بالمطالبة بأهرامات الجيزة كنقطة بداية لتحقيق مطامع أوسع ولمَ لا».
يكشف «كامل» عن وقائع أخرى، فقبل أن ينتقل الجميع إلى واشنطن للتوقيع فى نفس اليوم، خرج كامل للمشى مع أحمد ماهر ،عضو الوفد المصرى «وزير الخارجية فيما بعد»، وروى له تفاصيل الحديث الذى دار بينه وبين السادات حول الاستقالة، وأنهى حديثه لماهر، قائلاً: «أنا لا أستطيع أن أفهم هذا الرجل، هل هو ساذج أحمق أم هو خائن لنفسه قبل أن يخون قضيته؟»، رد ماهر: «هذا سؤال محير، ولكن يخيل إلى أن الرئيس كارتر قد خذله وغرر به فقد بنى كل آماله عليه ووثق فى وعوده المعسولة أكثر مما يجب».
عاد «كامل» إلى استراحته بعد انتهاء التمشية مع «ماهر»، فأبلغوه بسؤال السادات عنه، وذهب إليه ليجد عنده حسن التهامى، وحسن كامل، وبطرس غالى، وأشرف غربال، وأسامة الباز، ونهض السادات واقفاً لاستقباله بترحاب حار ودعاه للجلوس بجانبه، ويصف كامل الحالة، قائلا: «خيل إلى أن الجو المخيم على الجلسة كئيب وكأننا فى مأتم، كان الحديث مفتعلاً تشوبه فترات طويلة من السكوت، ولا يتعرض لموضوع الاتفاقية بشكل مباشر، وإلى قرب التوقيع عليها، وأحسست أن الحاضرين بمن فيهم السادات يشعرون بأنهم مقدمون على مصيبة أو على الأقل على شىء لا يبعث على البهجة أو الارتياح، أما أنا فالتزمت السكوت التام، كنت أشعر بانقباض شديد ولا أذكر من الذى قال من الحاضرين أن الشىء الذى سيثير معارضة الفلسطينيين هو أن عبارة «تقرير المصير» فى الاتفاقية وضعت بشكل غامض، فقال السادات:لم يمكن غير ذلك فقد قال لى الرئيس كارتر أن هذه العبارة ستفقده كرسى الرئاسة».
يكشف كامل: «لم أستطع أن أكبح جماح لسانى، وانفجرت قائلاً بصوت عال منفعل: «أهذا هو رئيس أقوى دولة فى العالم؟ أهذا هو القديس الذى كان يدعى أن الدفاع عن حقوق الإنسان والمبادئ والقيم هو محور سياساته، إنه ابن كذا وابن كذا، أمن أجل أن يظل رئيساً لأمريكا ثمانى سنوات بدلاً من أربع يضحى بمصير شعب بأكمله؟ ياله من تافه وحقير».
ساد سكون مطلق، والجميع يترقب رد فعل السادات، يؤكد كامل:«كنت أشعر أنه لو كان أمامه سكين فى تلك اللحظة لأغمده فى صدرى، وبعد فترة قهقه بصوت عميق درامى: «هه، هه، هه»، وقال وهو يضع يده على كتفى: «أصلك يا محمد أنت مش سياسى»، فرد محمد: «إذا كانت هذه هى السياسة فإنه لا يشرفنى أن أكون سياسياً».

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا