أبو غزالة.. وزير الدفاع الذي راوغ أمريكا وهز عرش مبارك

تحل اليوم 6 سبتمبر الذكري الثامنة على وفاة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة، وزير الدفاع المصري السابق الذي بدأ في أواخر الرئيس الراحل محمد أنور السادات واستمر مع الرئيس السابق محمد حسني مبارك حتى عام 1989.
تاريخ أبو غزالة حافل بالإنجازات والدهاء والذكاء ويمكن تلخيصة في أنه: “أرهق الولايات المتحدة الأمريكية بذكائه وأصبح مصدرا لضعف مبارك، أحبه الشعب، تميز بذكائه منذ طفولته، وكان واحدا من الضباط الذين قضوا على جذور الملكية فى مصر، تبنى مشاريع قومية قادرة على أن تجعل مصر فى مصاف الدول المتقدمة”.
كما أن شخصيته كانت “كارزماتية” مثيرة للجدل، وآثارت حولها الكثير من القصص والشائعات حوله أينما تواجد، فمنها ما تصف بطولاته ووطنيته وذكائه، ومنها ما تحدث عن أخطائه ونزواته.
ميلاده
ولد محمد عبد الحليم أبو غزالة في 15 يناير عام 1930 بقرية قبور الأمراء مركز الدلنجات بمحافظة البحيرة، وأصول عائلته ترجع إلى قبائل “أولاد علي” صاحبة التقاليد العربية والمبادئ الأصيلة.
والده “عبدالحليم” كان يعمل في مصلحة التليفونات، ووصل إلي منصب مدير المصلحة في الإسكندرية، ووالدته اسمها “مبروكة” ربة منزل، وكان أفراد عائلته وأقربائه يلقبونه باسم “ثروت”.
وكان تلميذاً متفوقاً، ويحب لعب الكرة جداً وكان أهلاوياً صميماً، وحصل على الابتدائية من الدلنجات.
هواياته
هوايته الأولى كانت القراءة، وكان محباً للسهر إلى جانب مشاهدته التليفزيون أحياناً، حتى إنه لم يكن ينام أكثر من 4 ساعاتٍ يومياً من الـ2 صباحاً إلى الـ6 صباحا.
وكان يمتاز بالتفوق والذكاء في مراحل التعليم الأولى، وحصل على الثانوية العامة من مدرسة «عمر مكرم» في دمنهور عام 1946، وجاء ترتيبه الـ13 على مستوى مصر.
وبعد دراسته الثانوية التحق بالكلية الحربية وتخرج فيها عام 1949، وكان الأول على دفعته التي ضمت مبارك، وحصل على إجازة القادة للتشكيلات المدفعية من أكاديمية ستالين بالاتحاد السوفيتي عام 1961.
وتزوج مرة واحدة من السيدة أشجان أحمد صبري، ابنة مفتش دوائر أملاك الأمير عمر طوسون، وحدث تبادل للزيارات بينهما، وتمت خطبتها، ورُزِقَ بـ3 أبناء هم “هشام، وطارق، وأشرف”، و3 بنات هن “ليلى، وحنان، وإيمان”.
متدين
لم يكن أبو غزالة يدخن، وظهرت زوجته وهى ترتدي الحجاب، فمنحه المصريون صفة القائد المتدين.
وعرف عن أبو غزالة التواضع مع من حوله فقد كان يسكن في شارع صغير خلف مسجد “الشيخ بخيت” بميدان حلمية الزيتون بنى فيه الضابط الشاب “ثروت”.
كما كان يسكن بين أفراد عائلته وأقاربه، في منزل من 3 طوابق سكن في الأخير منها ولم يأنف من تلك الحارة الضيقة التي لا يزيد عرضها عن 4 أمتار حتى بعد أن وصل إلى رتبة اللواء، وربما كان أهل الحي يتحدثون فخراً عن “سيادة اللواء” طوال عشرتهم معه إلا أنه لم يجد في نفسه ما يستحق الفخر، ففي التواضع يكمن مفتاح شخصية هذا الرجل البسيط الذي يلعب كرة القدم مع جنود معسكره.
ووفاته مثلت مصدر راحة لمن اعتقدوا أن الرجل يمثل خطراً على سيناريو التوريث، ويقول الكاتب الأمريكي، روبرت سبرنجورج، في دراسة نشرها عام 1987 في مجلة “ميد ايست ريبورت” بعنوان “الرئيس والمشير”: “المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة كان المرشح النموذجي ليصبح خلفاً لحسني مبارك، ورغم أن مبارك وأبوغزالة يمتلكان صفات شخصية متميزة ويشتركان في الخبرات، إلا أن الرجلين في الواقع مختلفان اختلافاً كبيراً.”
وأضاف قائلا:” شخصية ذات منطق واضح قوي وطموح، كما أن مقابلاته غير المسجلة مع الصحافيين الأمريكيين تعطي انطباعاً بقدرته على مواجهة المسائل مباشرة وبشكل محدد وأنه يتطلع إلى السلطة ويريد تنفيذ برنامجه،على عكس مبارك، الذي يعطى انطباعاً أنه حمل عناء الرئاسة كرهاً، وقرر بصرف النظر عن الواجب أداء الوظيفة”.
ضابط حر
في عام 1951 وصل إلى رتبة النقيب بسلاح المدفعية المتمركزة في سيناء وفي زيارة له إلى القاهرة انضم إلى تنظيم الضباط الأحرار.
كما شارك في ثورة 23 يوليو 1952، وكان من الضباط الأحرار، كما شارك في حرب 1948 وهو ما يزال طالبًا بالكلية الحربية، وشارك في حرب السويس، ولم يشارك في حرب 1967، حيث كان بالمنطقة الغربية وانقطع اتصاله بالقيادة وعاد ليفاجأ بالهزيمة، وفي حرب أكتوبر كان قائدًا للمدفعية بالجيش الثاني التي زلزلت حصون العدو، بالتعاون مع سلاح الطيران، تمهيدًا لعبور القوات إلى الجبهة الشرقية.
في عام 1957 سافر إلى الإتحاد السوفيتي وظل هناك حتى عام 1961، وكان في “معهد المدفعية والهندسة” في مدينة پنزا Penza لمدة عام ونصف، ثم أنتقل لموسكو والتحق بأكاديمية «ستالين»، وحصل على إجازة القادة Kandidat Nauuk وتعني دكتوراه العلوم لتشكيلات المدفعية وعقب عودته من روسيا عمل في فرع التعليم بمدرسة المدفعية ثم تولى رئاسة هذا الفرع خلال حرب عام 1967.
وحصل “أبوغزالة” على درجة بكالوريوس التجارة وماجستير إدارة الأعمال من جامعة القاهرة، وكان يجيد الإنجليزية والفرنسية والروسية.
في ديسمبر 1968، وصل إلى رتبة عقيد وقاد مدفعية أحد التشكيلات الضاربة على جبهة غرب القناة، ووقتها ردد صحفيون أجانب ومصريون اسمه كثيراً كما ردده أيضا كثير من أعضاء مجلس الشعب والوزراء الذين زاروا الجبهة في ذلك الوقت، وكان يترك لدى مقابليه تأثيراً حسناً لحديثه الواعي وتحليله لأسباب الهزيمة ومسئولية القيادتين السياسية والعسكرية معا.
و تخرج في أكاديمية ناصر العسكرية العليا بالقاهرة عام 1972، وتولى في حرب أكتوبر 1973 قيادة مدفعية الجيش الثاني، ولعبت المدفعية المصرية أخطر الأدوار كما قال السادت.
وفي عام 1978، اختير ملحقاً عسكرياً في الولايات المتحدة الأمريكية وأثناء تواجده هناك حصل على دبلوم الشرف من كلية الحرب الأمريكية «كارلايل» عام 1979، وبذلك يعد أول شخص غير أمريكي يحصل على هذا الدبلوم.
وفي 27 يونيو 1979 اختير مديراً للمخابرات الحربية ولذا عاد للقاهرة بعد قضاء 6 أشهر في عمله ملحقاً عسكرياً بواشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية.
وفي 15 مايو 1980، تولى رئاسة أركان حرب القوات المسلحة وتمت ترقيته إلى رتبة الفريق.
وبعد اغتيال السادات تزعم فؤاد محيي الدين حملة لتنصيب النائب حسنى مبارك في منصب رئيس الجمهورية وكانت وجهة نظر، صوفي أبو طالب، رئيس مجلس الشعب الذي تولى رئاسة الجمهورية مؤقتا، وبعض الأطراف الأخرى المؤثرة في السلطة هو المفاضلة بين مبارك و”أبوغزالة”، ورأى البعض أن ذلك أمر يخص المؤسسة العسكرية، لذا يجب أن تجتمع رموزها وتختار من تريد من الـ2.
وأدرك “محيي الدين” أن كفة “أبو غزالة” من الممكن أن تكون هي الراجحة، لذلك لجأ إلى حيلة حيث تحدث مع أبوغزالة أمام الذين يعرف أنهم يميليون إلى ترشيحه وقال له: “سيادة الوزير الرأي اجتمع على اختيار النائب حسنى مبارك رئيسا للجمهورية، ويسعدنا سماع وجهة نظرك”، فرد “أبوغزالة”: “ودي فيها وجهة نظر طبعا الأخ حسني مناسب جدا ليكون رئيسا للجمهورية”.
  الحزب الوطني
في 1 أكتوبر 1981، وافق المؤتمر الثاني للحزب الوطني على تعيينه عضواً بالمكتب السياسي بالحزب وبعد أيام قليلة عين وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي في الوزارة المصرية التي تشكلت برئاسة مبارك.
وفي أبريل 1982، أصدر مبارك قرار ترقية الفريق «أبوغزالة» إلى رتبة المشير، وفي 1 سبتمبر صدر قرار تعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزير الدفاع والإنتاج الحربي.
وفي سبتمبر 1985، تم تعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع في وزارة علي لطفي، وفي نوفمبر 1986، عين نائباً لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع أيضا في وزارة عاطف صدقي.
وفي أكتوبر من العام نفسه استمر في نفس المنصب في وزارة عاطف صدقي، التي استمرت فترة ثانية.
في نوفمبر من العام نفسه 1986 عاد «أبوغزالة» إلى واشنطن لاستئناف المباحثات وكانت رحلة مبارك لنفس الغرض تم تأجيلها فلم ترغب واشنطن في استقباله قبل الاتفاق على الإصلاحات الاقتصادية.
وفي يونيو 1988، ألقت السلطات الأمريكية بكاليفورنيا القبض على عالم الصواريخ الأمريكي المصري، عميد أ.ح. عبد القادر حلمي، بتهمة تجنيده من قِبل «أبو غزالة» للحصول على مواد هندسية محظورة لبرنامج الصواريخ المصري «بدر 2000»، وحوكم «حلمي» بتهمة تحميل غير قانوني لشحنة «كربون» على متن طائرة نقل عسكرية متجهة للقاهرة، وبعد ذلك بعام اعترف «حلمي» بالذنب في تهمة واحدة هي التصدير غير القانوني لنحو 420 رطل من الكربون، وأصرت مصر على الحصانة الدبلوماسية للضباط المصريين المتورطين إلا أن «حلمي» حـُكم عليه في يونيو 1989 بالسجن لمدة 46 شهراً وبغرامة قدرها 350 ألف دولار، وحكم على زميله الذي ساعده، جيمس هوفمان، بالسجن 41 شهرا وبغرامة 7.500 دولار.
شائعات
وترددت شائعات تقول إن مبارك أقاله من منصب وزير الدفاع بغرض التخلص منه لتزايد شعبيته في الجيش وتخوف مبارك من أن يقوم بانقلاب عسكري ضده، لكن المراقبين الغربيين يرون أن سبب إقالته هو قضية التهريب، وأيضا أشيع وقتها مقولة للرئيس الراحل صدام حسين بعد نهاية الحرب الإيرانية العراقية عندما التقي مبارك وشكره علي جهوده وما قام به «أبو غزالة»، وبدأ «صدام» في سرد قصة تطوير الصواريخ علي مسامع مبارك الذي لم يكن يعرف عنها أي شيء، ويبدو أن «صدام» أدرك أن الرئيس مبارك يسمع الكلام للمرة الأولى، فلم يخف اندهاشه وقال لمبارك: “سيادة الرئيس اسمح لي أنت رئيس الجمهورية أم عبد الحليم أبو غزالة؟”.
ولم يعلق مبارك علي ما قاله «صدام» وأخفي الأمر في نفسه، ليستقر بعد ذلك علي ضرورة الإطاحة بالمشير بتأييد أمريكي، خاصة بعد تعارض المصالح بين الأمريكيين والمشير في مسألة سعيه لتطوير الأسلحة المصرية دون الرجوع إليهم.
وترددت شائعات تفيد أن “أبو غزالة تزوج سرا من الفنانة صفية العمري، وبني لها قصرا فارها في منطقة المقطم، وحرص أن يكون بعيداً عن أعين الجميع فتم تصميم القصر بشكل خاص في شارع كورنيش النيل بالمقطم حيث تم الحفر له علي عمق كبير وباتت مباني القصر لا تظهر من أعلي أسواره”، إلا أن الأيام أثبتت عدم صحة تلك الشائعة.
ومن الشائعات التي مسته أيضًا قيام أحد المحامين برفع دعوى ضده أمام القضاء تتهمه بالتورط في اغتيال السادات، واستندت عريضة الدعوى القضائية على شهادة سامي شرف، وزير شئون رئاسة الجمهورية في عهدي عبد الناصر والسادات، حيث قال في مذكراته:”في 29 سبتمبر1970 حوالي الساعة الـ8 مساء دخل إلى مكتبي محمد المصري وأحمد شهيب وأبلغاني أن رسالة نقلا عن العقيد أبو غزالة، رئيس أركان المدفعية، مفادها أنه إذا تم اختيار أنور السادات رئيسا للجمهورية فإنه سيقوم بعمل انقلاب.. وكان ردى على هذه الرسالة أن الشرعية هي التي ستسود وأن على القوات المسلحة واجبات أخرى عليها أن تهتم بها وتترك الأمور السياسية للمؤسسات المعنية المسئولة.. ولم يصلنى أى تعقيب على ردى هذا بعد ذلك..”، حسب شهادة سامي شرف.
وذكرت عريضة الدعوى أن “مبارك وأبوغزالة تآمرا معاً ضد الرئيس السادات، خاصة أنه كان المسؤول عن العرض العسكري والعسكرية المصرية وقتذاك كوزيرا للدفاع وقائد عام للقوات المسلحة عن مقتل السادات أثناء العرض العسكري، الذي سمح فيه بدخول خالد الاسلامبولي والمشاركة في العرض العسكري وهو صاحب التاريخ المتطرف، وكذلك إدخال الذخيرة الحية للعرض”، حسب العريضة.
وعرف عنه تدينه وتأديته فريضة الحج 7 مرات، كما تفقه في الدين الإسلامى، وقال عنه صديقه “اللواء حجاج” إنه “كان يمقت التطرف والإرهاب، وكان يقول الإخوان من حقهم العمل السياسى. لكن حيكحمونا إزاي؟”.
وفي عام 1993، كشف الإعلامي، وائل الإبراشي، عندما كان نائبا لرئيس تحرير صحيفة “صوت الأمة”، معلومات عن علاقة عاطفية سرية جمعت بين أبوغزالة ولوسي آرتين، صاحبة الفضيحة التي تُوصَف بأنها أخطر قضايا الفساد في مصر خلال الـ25 سنة الأخيرة، وهي سيدة جميلة تنتمي للطائفة الأرمينية في مصر، وابنة شقيقة الممثلة لبلبة، وقريبة الممثلة الاستعراضية نيللي، وانتهت هذه الفضيحة بالإطاحة بالرجلين الثاني والثالث في وزارة الداخلية بعد الوزير، وبـ3 قضاة.
وقال الإبراشي: “كانت (لوسي) تريد من يتوسط لها لدى القضاء، فقام أبو غزالة بهذه المهمة، واستغلت هي هذه العلاقة في فرض نفوذها لدى مسؤولين آخرين، مثل فادي الحبشي مدير المباحث الجنائية آنذاك الذي سمعها تتحدث هاتفياً ل (أبو غزالة)، فبدأ يتقرب لها لأنه يرغب في أن يصبح وزيراً للداخلية، وكانت هذه أيضاً رغبة المرحوم حلمي الفقي مدير الأمن العام، أي أنها أخذت تستغل اسم أبو غزالة حتى في تحقيق طموحات الغير، مقابل أن يخدموها في نزاعها مع زوجها”.
ووقتها استمع نواب مجلس الشعب لطلب إحاطة يكشف بوضوح عن العلاقة بين المشير و”آرتين”، التي تبين أن العلاقة بينهما كانت أوثق مما ينبغي.
وفاته
وفاته جاءت بعد صراع طويل مع مرض سرطان الحنجرة، حيث اشتكى في أيامه الأخيرة من ألم في الفك وبعد إجراء فحوصات له تبين أنه مصاب بمرض السرطان، وتم نقله بعدها إلى فرنسا لإجراء عملية تركيب وفك وتمت بنجاح حيث اختفى المرض.
وبعد فترة من شفائه أشتكى من ألم في القدم و بإجراء الفحوصات تبين أنه أصيب بسرطان العظام خلال أسبوعين انتشر المرض ووصل إلى الرئة، حتى دخل في غيبوبة ليفارق الحياة في مستشفى الجلاء العسكري بمصر الجديدة و كان ذلك في شهر رمضان 6 سبمتمر 2008، عن عمر ناهز 78 عاما.
وشيعت جنازته في 7 سبتمبر في جنازة عسكرية من مسجد آل رشدان حضرها مبارك ورئيس الوزراء وعدد من المسئولين وكان عدد المشاركين في الجنازة أقل من 200 شخص بسبب إغلاق الطرق المؤدية للمكان وقد استغرقت الجنازة أقل من 10 دقائق.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا