مفتي أستراليا لـ"صدى البلد":الغرب لا يفرق بين الإسلام وسلوك أتباعه..والأزهر يحمل مشعل الوسطية في قارات الدنيا

تقترب منه تجده مثالا للأزهري الوسطي، نشر بعلمه ووعيه وثقافته ومنهجه الصورة الصحيحة للإسلام، في الغرب حيث دافع عنه بكل ما أوتي من قوة، وصفه بعض علماء الأزهر بالحكيم المجاهد في بلاد الغرب، تجاوز بفكره حدود الجغرافيا السكانية وعبر خطوط الطول والعرض في تناول قضايا الواقع، لنشر الإسلام على طريقة التجار الأوائل، إنه الدكتور إبراهيم أبو محمد أستاذ الفكر الإسلامي بالجامعات العربية ومفتي استراليا الحالي.

"صدى البلد" حاورت مفتي استراليا عبر البريد الاليكتروني حول دور الأزهر والمؤسسات الدينية في نشر وسطية الإسلام في أوروبا والعالم، ولماذا يهاجم الاسلام في شخص اتباعه المنتسبين له اسما، ولماذا يتهم الاسلام بالارهاب والتطرف، ومن وراء ذلك.. وإلى الحوار :

ما حجم التعاون بينكم وبين الأزهر الشريف؟

السؤال كأنه عن الكم والعلاقة البينية بين طرفين وكيانين، ونحن والأزهر لسنا طرفين ولا كيانين إنما فرع وأصل، حتى لوتناءت الديار وتباعدت المسافات، وكما تعلمون الأزهر منذ نشأته يمثل الفكر الإسلامي الأصيل ومن ثم فهو قبلة المسلمين العلمية، والشريان الحيوي الذي ينتقل الإسلام من خلاله عبر الأجيال ليصل إلى الناس جميعا في كل أرض الله الواسعة في إطار من الوعي العلمي الصحيح الذى ينفي عن الإسلام تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

والأزهر الشريف هو الحاضن والمكون الثقافي لكل عالم ضابط عدل ثقة عبر الأجيال، وحتى وهو في أضعف حالاته كان هو الملاذ العلمي الأمن والمأمون على دين الله عقيدة ولغة وثقافة، ومن ثم فلا يمكن لجهة أو هيئة في أي مكان في العالم تستهدف التأصيل العلمي وتبحث عن الثقة إلا ويكون لها علاقة وثيقة بالأزهر الشريف جامعا وجامعة، وفي رمضان من كل عام نستقبل هنا في أستراليا عددا من الدعاة والأئمة والوعاظ الذين يرسلهم الأزهر الشريف دعاة يساعدوننا في التوجيه والإرشاد ويسهمون في زيادة الوعي لدى أبناء الجالية الإسلامية، ذلك فضلا عن العلماء المبعوثين من الأزهر بشكل دائم لبعض المراكز والمؤسسات الإسلامية للعمل في مجال الدعوة هنا في قارة أستراليا، ومن ثم فالأزهر له فضل السبق في عبور القارات وتخطي الحدود زمنا ومكانا برجاله وأبنائه وخريجيه .

ما رأيكم في زيارات الإمام الأكبر الخارجية وكيف تقيمون آثارها؟

زيارات فضيلة الإمام الأكبر الخارجية هي صلة رحم عملية من الأصل لفرعه، وهي رحم ظلت في الغربة مقطوعة فترة من الزمن كان الغرباء خلالها في حاجة لمن يتفقد أحوالهم ولو بزيارة وسؤال عن الحال فجاء الإمام الأكبر فوصلها وصله الله.

بكونكم أحد الأبناء البارين بالمؤسسة العريقة، ما الذي يمثله لك الأزهر في بلاد الغرب؟

لا شك أنني أعتز كثيرا بأني واحد من أبنائه الذين تربوا في أروقته، ولذلك فأنا أزهري التكوين عقلا ووجدانا وهوى، وحتى شحما ولحما، ومن ثم فأنا فرع عنه وجزء منه، فكيف ينفصل الفرع عن أصله والجزء عن كله، إلا كما تفصل القطرة من بحرها، ففى مداه منتهى أمرها، وأنا في كل زيارة لى إلى مصر المحروسة، وقاهرة المعز يكون الأزهر الشريف هو المقصد الأول، أزور فيه أساتذتي وشيوخي وأتصل فيه بزملائى وأصدقائى، وشوقى إليهم يزداد كمه بُعْدًا في المسافة أو سُمُوًّا في الاعتبار، وعندما نلتقي لا يحتكر الجانب العلمي كل اللقاء، وإنما نسهر معا نستعيد ذكريات الصبا، نضحك ونبكي أحيانا، ونتأمل كيف دارت بنا الأيام ووزعتنا أقدار الله تعالى على الدنيا في شتى ميادينها، فإذا الزملاء والأحباب والأصدقاء كل في طريق.

ويبقى الأزهر هو الرباط الجامع، وهو الأم الذى يلجأ إليه كل منا عندما يريد عونا علميا أو سندا دعويا أو زميلا أفصح لسانا وأعلى بيانا وأقوى حجة وبرهانا، ومن ثم فصلتنا به لا تنقطع وتعاوننا معه لا يتوقف،وحاجتنا إليه تزداد كلما زادت المسئولية واتسعت دوائر الفاعلية والتأثير، لتشرق أنوار الوحي في البيئة البعيدة حتى تصل لكل ما طلعت عليه شمس النهار.

كيف نصحح صورة الإسلام في الغرب ؟

بداية تتمتع مجتمعات الغرب وبخاصة أستراليا بأنها تحمي حرية الاعتقاد لكل من يعيش على أرضها ، وتحترم كل من يحترم مبادئ دينه، والتشريعات القانونية تضمن له حقه في ممارسة عبادته حتى أثناء ساعات العمل الرسمية ، ونحن نفخر بذلك ونعتز به، ونعتبر ذلك من أكثر تجليات الحرية في استراليا ، ومن ثم فلا يمكن لأحد أن يتحدث عن اضطهاد ديني ، ونحن نعلم أن الإسلام لا يعيش بجهود أتباعه ـ دعاة ومؤسسات ودول ـ ، فجهود الأتباع المخلصين ربما تمثل الحد الأدنى من المطلوب ، ولكي نصحح صورة الإسلام في الغرب علينا قبل كل شئ أن نصحح صورتنا كأتباع له ، لأن أغلب الناس في الغرب لا يفرقون بين الفكرة والأتباع، أو بين المبدأ والمنتسبين له، أو بين الدين وبين المتدينين ، ومن ثم فهم ينظرون إلى الإسلام من خلال سلوك أتباعه.

هل هناك مدارس إسلامية خاصة بالمسلمين تدرس اللغة العربية؟

أستراليا قارة مترامية الأطراف، وأهم ما يميزها ليس الكوالا ولا الكانجرو كما يفهم بعض الناس، لكن الأهم من ذلك أنها بلد تتميز بالتعددية الثقافية والحضارية وتحترم أديان سكانها، وتضع من الحصانات ما يحميها من التعصب والكراهية.

ومن ثم فالتسامح هو الخلق الغالب والانفتاح على الآخر هو السمة المميزة لكل سكان القارة ونحن كمواطنين استراليين نعتبر أمن استراليا أرضا وبشرا وثقافة جزءا من واجباتنا الدينية لأنها بلد تحمي الحقوق وتقدس الحريات، ولا تمانع بل تشجع كل مواطن على أن يلتزم بدينه وقيمه، وترى ذلك وسيلة للثراء الثقافي والحضاري ولذلك فهي تشجع المدارس الإسلامية وتمنحها الرخصة التي تزاول بها مهمتها، بل تعطي كل مدرسة منحا مالية محددة بعدد طلاب كل مدرسة وحسب مستواها التعليمي ويصل أحيانا إلى ملايين الدولارات، وفق جداول وقوانين تخضع في تنفيذها (Education Funding) للإدارات التعليمية في كل ولاية ويسمي.

وفي أستراليا ما يزيد على30 مدرسة إسلامية موزعة على الولايات المختلفة، منها في ولاية نيوساوث ويلز وعاصمتها مدينة سيدني تحديدا يبلغ عدد المدارس الإسلامية 22 مدرسة إسلامية ،غير الفروع التابعة لها فضلا عن عدد آخر ينتشر في كل الولايات الأسترالية، أما عن دور تلك المدارس فهو دور عظيم في حماية الهوية الإسلامية عن طريق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية والقرآن الكريم تلاوة وحفظا وتجويدا ، وهناك أيضا مدارس إضافية تدرس في عطلة نهاية الأسبوع وهي تهتم فقط بتدريس اللغة العربية والقرآن الكريم وتسمى (Saturday Schools).

وقد تعجب عندما تعلم أن لدينا هنا في استراليا مدرسة أخري من نوع آخر تهتم بذات الشأن وتقدمه إلى كل البيوت وفي كل الأوقات وهي إذاعة للقرآن الكريم حيث تقدم كل ما يتصل بخدمة الإسلام وعماد ذلك أولا هو القرآن الكريم تلاوة وتجويدا وتفسيرا، يضاف إلى ذلك كل علوم الإسلام كالفقه والتفسير والسيرة والحديث وغير ذلك مما يساعد على تكوين المسلم ثقافيا ودينيا وبالشكل اللائق .

ما رأيكم في انتشار الفتاوي الشاذة بكثرة في الغرب؟

الفتاوي الشاذة كالمصل الفاسد، ويلحق ضررا بمن يتناوله يصل أحيانا إلى حد الشلل، كذلك تحدث الفتاوي الشاذة عطبا في العقل، وشللا في الفكر، وتلوثا وتشوها في الوجدان وعللا في القيم، وشذوذا في السلوك، وأصحابها يجب أن يعاملوا بنفس القانون الذى يعامل به الطبيب المزور الذى يمارس المهنة بغير مؤهلات، وإذا كانت صحة الناس في الأبدان تعد في دين الله من الضرورات التي يجب حمايتها، فإن صحة الأديان أولى بالحماية والرعاية، ومن ثم يجب إبعاد كل مختل في التكوين العلمي عن مجال الفتوي، والبحث له عن عمل آخر يتقن تعلمه وممارسته، أما الفتوى فلا يجوز أن يتعرض لها من ليس مؤهلا بالقدر المطلوب, وهذا القدر يعرفه جيدا أهل تلك الصنعة الهامة من العلماء الراسخين فقها وفكرا.

هل يمكن توحيد الفتوي في الدول الإسلامية؟

هناك بالطبع فرق وتوحيد مصادر الفتوى وحصرها وقصرها على الهيئات العلمية المحترمة أصبح أمرا ضروريا لمنع انتشار الفوضى والشذوذ في الفتوى، أما توحيد المذهب لتكون الفتوى بمذهب واحد في كل مكان فذلك اقتراح يضيق واسعا وربما يعسر على الناس لاختلاف البيئات والأحوال وهناك فرق كما تعلم بين الفتوى والحكم الشرعي، فالحكم الشرعي له صفة الثبات والديمومة، لكن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والسياق وحال السائل، لأنها تنزيل للحكم الشرعي على واقعة من الوقائع مع رعاية حال الزمان وحال المكان وحال السائل في إطار من رعاية مقاصد الشريعة في تحقيق العدل والمصلحة بين الناس ، وكل هذه الاعتبارات يجب أن تكون في دائرة اهتمام المفتي وتحت سمعه وبصره حين صدور الفتوى، ومن ثم فهناك فارق كبير بين الحكم الكلي والحكم الجزئي، فقد يتفقان وقد يختلفان وقد يتناقضان ويكون كلاهما صحيحا حسب المكان والزمان وحال السائل ، ولذلك فليس من الممكن توحيد الفتوى لاختلاف الأحوال في الزمان والمكان والوقائع، واختلاف حال كل مُسَتْفتٍ عن الآخر.

هل يواجه المسلمون تضييقا في أستراليا؟

لا شك أن المسلمين يواجهون صعوبات في كل مكان وكأن الصعوبات لم تخلق إلا لهم وحدهم، فمنذ بدء الدعوة وبيئة الرفض والنكران والجحود تعمل عملها وعلى قدم وساق، لكن الوقوف بين يدي الله في السحر يفتح لك مغاليق القلوب، ويمدك بزاد رباني المصدر، فإذا الضعف قوة ، وإذا الهوان عزة ، وإذا الإحباط أملا فسيحا في رحمة الله، وعلى كل مسلم أن يوطن نفسه على أن سر الحياة قائم على الاختبار والتمحيص وتكليف الناس أن ينشدوا الكمال في أخلاقهم وأعمالهم.

وهذا الزمان بالذات هو الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين صور القابض على دينه كالقابض على الجمر، ومن ثم فالمسلم الحقيقي هو رمانة الميزان في هذا الكون، وشاءت أقدار الله أن يكون المسلم الحقيقي هو قدر الله الغالب وقضاؤه الذى لا يرد، فليوطن نفسه على مواجهة التحديات وليعد قلبه وجوارحه أن تقبض على الجمر، ولكن بيد غير مرتعشة ، وإرادة غير مهتزة، ويقين قاطع بأن قانون الله هو الغالب، وسنته هي الحاكمة في الكون والمجتمعات والناس، ونصره قادم لا محالة.

كيف ينظر الغرب إلي الإسلام والمسلمين؟

الغرب دول وشعوب، ومؤسسات قرار، وفيه شرائح ، منهم باحثون وأكاديميون ، ومستشرقون وإعلاميون، وفيهم منصفون ومزعجون أيضا، وفيهم منفتحون على ثقافة الآخر، وفيهم متعصبون، ومن ثم فالسؤال كبير، لأنه يحتاج فرز وغربلة وتفريق بين الثقافات والسخافات، ليس عندهم فقط، وإنما عندنا أيضا، فبعضنا لا يزال يحمل كثيرا من أمراض التخلف وثقافة العبث.

ومن الغريب أنها تعرض أحيانا كجزء من إسلامنا دينا وثقافة ، الأمر الذي يمنح الآخرين مبررا مجانيا لإساءة الظن بك وبدينك وثقافتك، ومن ثم فالواقع يحتاج إلى جهد مضاعف ويفرض عليك في البدء تنظيف بيتك الثقافي والديني، وتلطيف خطابك عملا بقاعدة الشاعر الحكيم أبى الطيب المتنبي الذى يقول:

لا خيل عندك تهديها ولا مال ….فليُسعِد النطق إن لم يُسْعِد الحال.

ونحن نؤمن أن أخطر ما يصاب به الفرد وحتى المجتمعات والأمم هو الاكتفاء الذاتي فكريا وعدم الرغبة في قراءة الآخر والتعرف علي ثقافته وعلى قيمه، ونؤمن أيضًا أن الحواجز بين البشر ليست إلا أوهاما خلقتها ثقافة التعصب والكراهية، ولا نستطيع أن نتخلص من تلك الحواجز إلا بتبادل الخبرات حول الذات والآخر.

ما حكاية المدعو مصطفى راشد الذي يطل علينا برأسه من آن لآخر ليشوه عمامة الأزهر وصورة الإسلام؟

هذا الغلام ينتمي لإعلام المانيفستو ومعه غلمان الماركسية وموالي بني علمان تعودوا منذ فترة أن يعبثوا في العقل المسلم وأن يثيروا حول الإسلام غبارا يحجب الرؤية أحيانا, وأحيانا يزكم الأنوف, ساعدتهم الحظيرة الثقافية على هذا العبث فالتقى الأدعياء كل وهواه فكانت ظاهرة وجود القمني وبحيرى وميزوا ورابعهم هذا الذي تسأل عنه , وأنا شخصيا أعيش في استراليا منذ ما يقرب من عشرين سنة ولا أعرف فيها عالميا أزهريا بهذا الاسم , كل ما رأيته على شاشة إعلام الغواية شخصا يرتدي زي الأزهر وعمامته قدمه المذيع مرة على أنه إمام مسجد سدني في استراليا علما بانه ليس في استراليا كلها مسجد اسمه مسجد سدني .

ما هو دور الافتاء والأزهر في بلادكم؟

دور الإفتاء عندنا حيوي جدا وفعال للغاية وهو يمثل الرأس والرمز والمرجعية، فإليه يرجع المسلمون في كل شؤونهم تقريبا، الدينية والاجتماعية، وربما الاقتصادي والسياسي أيضا وخصوصا في مواسم انتخابات البلديات والولايات والانتخابات العامة التى يختار فيها الشعب نوابه ووزرائه وحكومته، وللمفتي ومعه مجلس الأئمة لكل ولاية ومجلس الأئمة الفيدرالي دور ملموس في التأثير الإيجابي على الناخبين والمرشحين معا، ونحاول بحكمة أن نقف من كل الأحزاب والمرشحين على مسافة واحدة، وأحب هنا أن أشيد بهذا البلد وبأحزابها السياسية، حيث طبيعة السياسة فيها أن يكون بين الأحزاب المختلفة تحديات كلها تصب في نهضة الوطن، وترتبط بالرغبة الصادقة في خدمة المواطن وحماية حقوقه وحريته وتوفير احتياجاته، ولذلك فثقة المواطن وصوته لها كل هذا الثمن العظيم.

أما الأزهر فالمفتي غصن من شجرته المثمرة ,ومن أسماْء الله تعالى اسم المحيي وإذا تجلي مولاك على الميت بهذا الاسم يحييه , ونحن أموات تجلى الله علينا فسترنا وجعل لما نقوله قبولا عند خلقه وجعل لهذا القول أثاره الحية علما وثقافة تجري في فطرة الناس وعقولهم وقلوبهم كما العصارة الحية في الشجرة الخضراء, فلله الفضل والمنة, ونشعر بالتقصير ونرجو من الله العفو والمغفرة, وكما يقولون الفضل للسابق وإن أجاد اللاحق فالأزهر هو الأصل وهو السابق دوما.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا