"مجموعة العشرين" تعزز دفاعاتها لمواجهة شبح الحماية والركود الاقتصادي

رغم تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى وتفاقم أزمات الديون السيادية بعدد من الدول الأوروبية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى تؤسس قمة “مجموعة العشرين” التى تعقد بمدينة هانغتشو الصينية يومى الرابع والخامس من سبتمبر الجارى بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسى لمرحلة جديدة من التعاون بين الدول ذات الاقتصاديات الكبرى والنامية لمواجهة شبح الركود الاقتصادى والاجراءات الحمائية التى تشكل تهديدا بالغا لحرية التجارة والنمو الاقتصادى العالمى.
وجاءت دعوة مصر للمشاركة فى قمة العشرين كـ”ضيف خاص” باعتبارها ركيزة للاستقرار السياسى والاقتصادى والامنى بمنطقة الشرق الاوسط وتقديرا للاصلاحات الاقتصادية والمالية التى تنفذها حاليا والتى مهدت الطريق أمام ابرام الاتفاق بين القاهرة وصندوق النقد الدولى فى أغسطس الماضى والذى ستحصل مصر بمقتضاه على حزمة من المساعدات المالية تصل قيمتها الى 12 مليار دولار خلال الاعوام الثلاثة القادمة ، علاوة على المشروعات القومية العملاقة التى دشنتها الحكومة المصرية وفى مقدمتها مشروع قناة السويس الجديدة ، ومشروع زراعة المليون ونصف المليون فدان وغيرها.
كان نائب وزير خارجية الصين تشانج مينج الذى سلم خلال زيارته للقاهرة مؤخرا دعوة من الرئيس الصيني شي جين بينج للرئيس عبد الفتاح السيسي لحضور القمة الحادية عشرة لمجموعة العشرين قد أكد أن ” دعوة الرئيس الصيني للرئيس السيسي الذي يعتبر أخا عزيزا يمثل مصر الدولة الصديقة لحضور هذه القمة يدل على ثقل مصر فى الدبلوماسية الصينية”.
ومن جانبه، شدد الرئيس السيسى مؤخرا على حرص مصر على استثمار رصيد العلاقات المتميزة مع الصين على مدى سنوات طويلة وزيادة التعاون المشترك فى كافة المجالات.
ووجهت الحكومة الصينية أيضا الدعوة لزعماء أربع دول نامية لحضور قمة “مجموعة العشرين” هي كازاخستان، وتشاد التي تترأس الاتحاد الأفريقي ولاوس - رئيس رابطة دول جنوب شرق أسيا (أسيان)، والسنغال / رئيس الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا “نيباد” .
وتضم “مجموعة العشرين” التى تأسست عام 1999 بهدف دعم آليات النمو الاقتصادى العالمى : الارجنتين ، واستراليا والبرازيل وكندا والصين وفرنسا وألمانيا والهند واندونيسيا وايطاليا واليابان والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية وتركيا وبريطانيا والولايات المتحدة ، علاوة على الاتحاد الاوروبى .
وتأسست “مجموعة العشرين” بناء على مبادرة من مجموعة السبع الصناعية ، بهدف جمع الدول الصناعية الكبرى مع الدول ذات الاقتصاديات الناشئة كالصين والبرازيل والهند ، لمناقشة الموضوعات الرئيسية التي تهم الاقتصاد العالمى وتعزيز الحوار البناء بين الدول الصناعية والاقتصادات الناشئة، خصوصا فيما يتعلق باستقرار الاقتصاد الدولى.
ويلتقي زعماء دول مجموعة العشرين سنويا، فيما يجتمع وزراء مالية المجموعة ومحافظو البنوك المركزية عدة مرات خلال العام.
ومن أبرز أهداف المجموعة تعزيز الاقتصاد العالمي وتطويره، بالإضافة إلى إصلاح المؤسسات المالية الدولية وتحسين النظام المالى ، ودعم النمو الاقتصادي العالمى، وتطوير آليات فرص العمل، وتفعيل مبادرات التجارة الحرة.
وجاء إنشاء مجموعة العشرين ردا على الأزمات المالية التي حدثت في نهاية التسعينيات من القرن الماضى ، خصوصا الأزمة المالية الأسيوية عام 1997 وأزمة المكسيك .

وتعد قمة هانغتشو أول قمة لمجموعة العشرين تستضيفها ثانى اكبر اقتصاد فى العالم وتعقد تحت شعار “بناء اقتصاد عالمى إبداعى ونشط ومترابط وشامل ” .
وسيبحث قادة دول المجموعة التي تستحوذ على أكثر من 80 فى المائة من التجارة العالمية، سبل تعزيز النمو الاقتصادي العالمى ، وتجنب أية أزمات مالية جديدة فى ضوء المحفزات الخمسة التى أقرها وزراء تجارة المجموعة مؤخرا لمواجهة الحماية التجارية التي تنامت بشكل يثير القلق ، والتى تندرج فى إطار استراتيجية للنمو التجاري العالمي تشمل خفض تكلفة التجارة ، وزيادة تنسيق السياسات ودعم قرار الاستثمارات العالمية ، وتعزيز تمويل التجارة ، وتحفيز قطاع الخدمات ، ومواجهة الحماية التجارية المتنامية.
فى السياق ذاته ، حذرت مؤسسات التمويل الدولية ومن بينها صندوق النقد والبنك الدوليين من أن النمو الاقتصادى العالمى يواجه تحديات ضخمة تتمثل فى تباطؤ نمو الاقتصاد الصينى ، وتنامى خطر الارهاب ، واستمرار التقلبات في الوضع المالي ، وتفاقم النزاعات المسلحة والهجرة غير الشرعية ، وهو ما يجعل البيئة الاقتصادية على المستوى العالمى أكثر تعقيدا .
وشددت تلك المؤسسات على أن السياسات النقدية شديدة المرونة التي تنتهجها المصارف المركزية بالدول الكبرى غير كافية لتحفيز النمو . داعية تلك الدول إلى زيادة معدلات الإنفاق العام حال توفر الموارد لديها لدعم النمو الاقتصادى الهش.
وحث صندوق النقد الدولى بعض الدول وفى مقدمتها الولايات المتحدة، واليابان وألمانيا والصين على زيادة الإنفاق العام واستخدام كافة الأدوات المتاحة لإنعاش الحركة الاقتصادية وتعزيز الانفاق على البنية التحتية.
من جهة أخرى، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي للعام الجارى وسط مخاوف من جانب مسؤولي النقد والمال والاقتصاد في دول “مجموعة العشرين” حول إمكانية تعرض الاقتصاد العالمى للمزيد من الهزات وخاصة عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبى.
وأكد صندوق النقد الدولي مؤخرا - بعد خفض توقعات النمو العالمى لعامي 2016 و2017 الى 1ر3 % ، و4ر3% على التوالي - “أن المخاطر باتت أكثر وضوحا”، مؤكدا أن نمو إجمالي الناتج المحلي على المستوى العالمى يمكن أن يسجل “بطئا أكثر حدة إذا استمر الغموض السياسي والاقتصادي متصاعدا جراء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي”.
وطبقا للاحصاءات الصادرة عن صندوق النقد الدولي، فان الاقتصاديات الصاعدة والنامية تمثل 85 بالمائة من سكان العالم، و60 بالمائة من اجمالي الناتج العالمى، وتسهم باكثر من 80 بالمائة من النمو العالمي منذ الازمة المالية العالمية فى عام 2008 فى الوقت الذى أسهمت فيه الصين بمفردها بنحو 35 بالمائة من النمو العالمي فى الاعوام الخمسة الماضية.
وأشار صندوق النقد إلى أنه ” توجد حاجة ملحة إلى تدخل دول مجموعة العشرين لإعادة قطار النمو العالمى الى مساره “.
بدوره، خفض البنك الدولى توقعاته لنمو الاقتصاد العالمى عام 2016 من 9ر2 فى المائة الى 4ر2 فى المائة نتيجة الصعوبات التى تجابه النمو والانفاق العام بالدول ذات الاقتصاديات الكبرى.
كان زعماء دول مجموعة العشرين قد اتفقوا عام 2014 على تنفيذ حزمة من الاصلاحات لزيادة معدل النمو الاقتصادى العالمى بنحو 2 فى المائة على مدى الاعوام الخمسة القادمة ، الا ان تلك الاصلاحات مازالت معلقة رغم الامال العريضة التى تبديها كافة دول العالم بشان امكانية تحرك دول مجموعة العشرين لدعم التعافى الاقتصادى العالمى باعتبار ان التنمية الاقتصادية تعد شرطا أساسيا لتحقيق الأمن وتجنب المخاطر الناجمة عن الركود الاقتصادى .
وستعطى “قمة هانغتشو” اهتماما خاصا لما يمكن للصين التى تمتلك اضخم احتياطى نقدى أجنبى فى العالم تقديمه لتعزيز النمو على المستوى العالمى بالرغم من مشكلاتها الاقتصادية وانخفاض نمو ناتجها المحلي الإجمالي فى عام 2015 إلى 9ر6 فى المائة ، وهو أقل معدل خلال ربع قرن وسط توقعات باستمرار الانخفاض أيضا خلال عام 2016.
من جهة اخرى ، حذر وزراء مالية دول مجموعة العشرين، في اجتماعهم الذى عقد مؤخرا فى مدينة تشينغدو الصينية، من الضبابية التي تحيط بالمشهد الاقتصادى العالمي عقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتراجع معدلات النمو بعدد من الدول الكبرى مؤكدين على قتامة الوضع الاقتصادى العالمى.
وأكد وزراء مالية مجموعة العشرين أنه يتعين تحسين السياسات الضريبية في مختلف أنحاء العالم لتعكس العولمة وتعزز النمو الاقتصادى المستدام والمتوازن اجتماعيا.
وفى ذلك الصدد ، قالت رئيسة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد انها توافق على أن تكون السياسة الضريبية جزءا من إصلاحات تقودها الدول الاعضاء في مجموعة العشرين، معربة عن قلقها من تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى.
وقال هاروهيكو كورودو، محافظ بنك اليابان، إن الخروج البريطاني من الاتحاد الاوروبى يعد من الموضوعات “الرئيسية” التي يتضمنها جدول أعمال قمة مجموعة العشرين.
من جهته، قال وزير المالية الفرنسي ميشال سابان إن “الدول التي تمتلك فوائض في ميزانياتها يجب أن تستخدمها لدعم الاستثمار وخاصة فى مجال البنية التحتية.
من جهة اخرى حذر وزراء تجارة مجموعة العشرين من تنامى الاجراءات الحمائية وتباطؤ نمو التجارة العالمية.
وقال وزير التجارة الصيني قاو هو تشنغ، إن وزراء تجارة دول مجموعة العشرين اتفقوا مؤخرا على خفض تكلفة التجارة وزيادة تنسيق السياسات وتعزيز التمويل وذلك لمواجهة تنامي الحماية التجارية . مضيفا أن وزراء مجموعة العشرين أقروا استراتيجية للنمو التجاري، تهدف إلى وقف تباطؤ التجارة العالمية ودفعها إلى النمو.
وفى الوقت ذاته ، أكدت الصين على لسان منسق “مجموعة العشرين” ان المجموعة تواجه ثلاثة تحديات حاليا تتمثل فى مشكلة التنسيق والقدرة على التطبيق والتنفيذ والقدرة على القيادة وذلك على خلفية سعى المجموعة الى إصلاح نظام الحوكمة العالمية ، وهو ما يتطلب اصلاح النظام الدولى المرتبط بتوزيع المصالح الدولية .
وشددت الصين على ضرورة العمل داخل مجموعة العشرين فى ثلاثة جوانب تتمثل فى تحقيق مزيد من الاصلاحات الفعلية داخل صندوق النقد الدولى وتوسيع نطاق تشغيل حقوق السحب الخاصة وإنشاء آلية استقرار أسعار السلع الأساسية .
وفى المقابل تسعى الدول النامية الى حماية مصالحها فى مواجهة هيمنة اقتصاديات الدول الكبرى خلال قمة مجموعة العشرين .
وأكدت منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “اونكتاد” ان الدول النامية تخسر سنويا ما قيمته 23 مليار دولار اى مايعادل 10 فى المائة من اجمالى صادراتها الى دول مجموعة العشرين جراء عدم الامتثال لتدابير المجموعة غير الجمركية والتي تتضمن مجموعة واسعة من السياسات القانونية المشروعة ومنها التدابير الصحية والبيئية.
واشارت أونكتاد فى تقرير اصدرته مؤخرا حول العلاقات التجارية بين البلدان النامية ودول مجموعة العشرين إلى انه مع انخفاض الرسوم الجمركية في العالم الى ادنى مستوى لها تاريخيا فان التدابير غير الجمركية التي حلت محلها اصبحت تقف حجر عثرة امام نمو التجارة العالمية بشكل اسرع مع حرص الدول المتقدمة على توسيع قائمة التدابير غير الجمركية التي ترتبط بأمان الصادرات الواردة اليها ومدى نظافة المنتجات التي تصلها من الدول النامية وتوفر الاشتراطات البيئية فيها.
وتؤكد المؤشرات أن قمة مجموعة العشرين سترسم خريطة طريق تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات والحوكمة الاقتصادية الدولية لمواجهة تباطؤ النمو الاقتصادى العالمى والإجراءات الحمائية فى مجال التجارة .

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا