بالصور.. الحيلة والمكر وراء نقل مسلة رمسيس الثاني من الأقصر الى باريس

ليس لزائر يمر بمدينة باريس إلا أن يلحظها. هابطاً من شارع الشانزيليزيه أو خارجاً من حديقة التويلري Jardin des Tuileries بعد زيارة لمتحف اللوفر. تسرق المسلة الفرعونية نظرات الزوار فور اقترابهم من ساحة الكونكورد، وكأنها شمس المكان، وحولها تطوف المدينة بالصلاة. قطعة أثرية غريبة عن المدينة، رغم أنها أقدم آثارها. بعمر يتجاوز الثلاثة آلاف عام، يحق للمسلة أن تختال بشبابها الخالد. عمر لم يكسر شيئاً من شموخ غرانيتها الوردي، ولم يخدش نقوشها الهيروغليفية التي تمجد إله الشمس آمون، والفرعون رمسيس الثاني الذي نُحتت في عهده. نخلة حجرية تنظر بكبرياء إلى قوس النصر الفرنسي، وتغمز لبرج إيفل الذي تكبره بأكثر من ثلاثين قرناً.
لكن السؤال الذي يتسلل مع النظرات الصاعدة لارتفاع ثلاثة وعشرين متراً، كيف كان لهذا الصرح الذي يزن مئتين وثلاثين طناً أن ينتقل بين قارتين عابراً آلاف الكيلومترات دون أن تُخدش زخارفه؟
ولرحلة المسلة من الأقصر الى ساحة ميدان الكونكورد بقلب باريس حكاية تاريخية وأسطورية رائعة ، بعد رحلة شاقة استغرقت ما يقرب من سبع سنوات ليتم زرعها فى الميدان الأفخم بالعاصمة الفرنسية .
كانت المسله فى مدخل معبد الأقصر عام 1280ق.م أن ينتهى المطاف فى فرنسا عام ١٨٣٦ وهى من الجرانيت الوردي ويبلغ ارتفاعها 22.55 متر, ووزنها بحوالي 227 طنا ،
والبداية كما تحكيها اللوحات الإرشادية والصور والأفلام فى المعرض هىكيف، بدأ اكتشاف أوروبا والأوروبيين لمصر بعد حملة نابليون بونابرت عام ١٧٨٩ وتوالى وصول المستكشفين والباحثين عن المغامرة وتجار الآثار حتى أصبحت مصر وأثارها حديث علية القوم والصالونات الباريسية وتزامن ذلك مع ظهور شامبليون ومحاولات فك رموز اللغة الهيروغليفية القديمة بالإضافة الى تولى محمد على حكم مصر ومحاولته بناء مصر الحديثة بالاستعانة بالأوروبيين وبخاصة الفرنسيون ومحاولته استمالتهم بالهدايا الدبلوماسية التى بدت أسطورية وغريبة فى حينها ، مرة بإهدائهم زرافة ومرة ثانية بإهدائهم مسلات ، فقد قرر الوالي المصري  إهداء فرنسا وإنجلترا الدولتين الأقوى فى ذلك الوقت (إبرتين) مسلتين فرعونيتين ، ووقع اختيار الباشا على إحدى مسلتي الإسكندرية لتكون من نصيب فرنسا .
ولكن شامبليون الفرنسي الذى عشق مصر وحفظ كل قطعة من أثارها وقع فى غرام مسلة الأقصر التى كانت من المفترض أن تكون من نصيب إنجلترا فاستخدم الحيلة والمكر ليحول نظر إنجلترا عنها وليوجهها الى مسلة الكرنك باعتبارها الأكبر والأجمل وفى نفس الوقت استطاع إقناع محمد على بإهداء فرنسا مسلة الأقصر فكان له ما إراد ، بينما فشلت إنجلترا فى تحريك مسلة الكرنك لضخامتها فصرفت النظر عنها الى إحدى مسلات الإسكندرية . وهكذا استطاع الشاب الفرنسي أن يحصل بالمكر على مبتغاه ثم بدأ الجزء الأصعب من الحكاية وهو كيفية فك المسلة من مكانها المزروعة فيه منذ آلاف السنين ونقلها مئات الأميال الى بلاد الفرنجة.
ويقول جون مارسيل همبرت أحد مسئولى الترميم بالمتحف  إن مهمة نقل المسلة أوكلت إلى وزارة البحرية الفرنسية واستغرقت 7 سنوات وجرت على 4 مراحل بدأت ببناء سفينة ضخمة لنقل المسلة من النيل الى البحر المتوسط وحتى نهر السين بإشراف مهندس البحرية جان باتيست أبولينير  فتم بناء السفينة «الأقصر» وغادرت مدينة طولون في 1831 مع طاقم ضخم تعدى المائة رجل حتى وصلت إلى الأقصر بعد عدة أشهر، ثم بدأ العمل الأخطر وهو فك المسلة من قاعدتها وتحميلها دون تعريضها للكسر ، ولذلك تم حفر مجرى في الرمال للسفينة  وتم رفع المسلة من مكانها وتغليفها بالخشب لحمايتها من التعرض للصدمات، كما قامت السلطات بهدم الكثير من المنازل التي كانت ملاصقة للمعبد لتوسيع الساحة لتسهيل وصول المسلة وضمان عدم تعرضها لسوء ، ثم استمرت العملية الصعبة بل الأسطورية باستخدام مواد بسيطة مثل الحبال والأخشاب وإن كان الأمر لم يخل من مشاكل كادت تنتهى بكوارث لولا لطف الله وفى النهاية وبعد مرور أسابيع وصلت المسلة الى السفينة التى تم  قطع مقدمتها بمنشار ضخم لكي تصلح لنقل المسلة.
وبمساعدة رجال البحرية المصرية وصلت المسلة إلى الإسكندرية بعد 3 أشهر وهناك كانت القاطرة البخارية «سفنكس» في انتظار السفينة لجرها إلى البحر المتوسط وحتى وصولها الى ميناء طولون ومنه الى ميناء شيربور ثم تلا ذلك الإبحار في نهر السين ، انتهاء الى استخدام كتيبة من الخيول الاصيلة للترحيب بوصول المسلة  إلى جسر الكونكورد، وسط باريس، ثم رست السفينة في 23 ديسمبر 1833، أي بعد سنتين و9 أشهر من إبحارها من طولون.
وبالفعل تحول يوم ٢٥ أكتوبر ١٨٣٦  يوم نصب المسلة الى مهرجان ضخم فقد تجمع أكثر من 200 ألف باريسي لمشاهدة الحدث الأسطوري وضجت الساحة بزوارها الذين وقفوا مشدوهين منذ الساعة الحادية عشرة والنصف صباحاً وحتى الثانية والنصف يتابعون عملية نصب المسلة التى تمت بنجاح بمساعدة ٣٥٠ مهندسا وعاملا وفنيا وبإشراف المهندس الفرنسي (ليباس) ، هذا مع العلم أن عدد سكان العاصمة الفرنسية وقتها لم يكن يتجاوز المليون ، وقد شاركت إغلب طوائف الشعب فى هذا الاحتفال جنبا الى جنب مع السياسيين والعلماء والصحفيين و طبعت مئات الدعوات لعلية القوم للمشاركة وكانت فرصة ليظهر الباريسيون أفضل ما لديهم من ثياب وموضات، وصارت المسلة هى حديث المدينة الفرنسية لعدة أشهر حتى إنه لم يكن يسمح بزيارتها الا لمن يحوز تذاكر محجوزة مسبقاً  .
ويبدو أن حديث المسلة لم ولن يكون أخر الحكايات المصرية فى باريس ، وكأن قدر العالم كله أن تظل مصر شامخة عالية بمسلاتها وحكاياتها الفرعونية .

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا