محفوظ .. العقاد تنبأ له بنوبل وأم كلثوم احتفظت بجوابه 25 عاما

محفوظ يروى لحظة اغتياله ويسامح مغتاله

رواية “أولاد حارتنا ” ليست كافرة ولا أنا بكافر

الفكر الإسلامى الصحيح هو علاج الإرهاب

ناصر عيبه الديكتاتورية ..والسادات الوحيد الذى منعنى من الكتابة

انتصار أكتوبر السبب فى ملحمة ” الحرافيش”

نصف فرانك ﻷول رواية لمحفوظ

محفوظ يدافع عن حرية الصحافة التى اتهمته بالعمالة لإسرائيل

التعليم المسئول عن محنة اﻷدب ..وعلاقة الثقافة بالسلطة متوترة
عندما سئل عملاق الرواية العربية الراحل نجيب محفوظ حائز نوبل ، عما يتطلع إليه بعد مسيرة ما يزيد عن 40 رواية ، وما يقرب من 300 قصة قصيرة ، وترجمة معظم أعماله إلى الكثير من لغات العالم ، كانت أمنيته الوحيدة هى ” حسن الختام ” .
وفى ذكرى رحيله العاشرة التى مرت باﻷمس ، نغوص فى حياة وفكر محفوظ من خلال ” حوارات نجيب محفوظ ” التى أجراها معه الكاتب محمد سلماوى على مدى 12 عاما على صفحات جريدة “اﻷهرام” منذ محاولة اغتياله فى 1994 وحتى رحيله عام 2006 .
و عن حواراته مع محفوظ قال سلماوى أنه يمتلك تسجيلات تقدر بـ 500 ساعة مع أديب نوبل ، و أن الذى نشر منها فى الأهرام ليس سوى 5 % فقط ، قائلا أن بعض أحاديثه ليست للنشر ، وأنه سيهدى شرائط التسجيل لمتحف نجيب محفوظ الذى مازالت الجماعة الثقافية تضغط لإنشائه .
حادثة اﻻغتيال
روى محفوظ لحظة اغتياله وشاب يقترب من السيارة التى يجلس بداخلها ، وظن فى البداية أنه يريد أن يحييه أو يحصل على توقيعه ، ولكنه فوجئ بطعنة فى رقبته شعر بأنها مخالب نشبت فى رقبته ، فانفجرت منها الدماء غزيرة ، لولا أن صديقه قائد السيارة كان طبيبا ، فاتجه به نحو المشفى وتم إنقاذ حياته من موت محقق .
و عن مرتكب الجريمة محمد ناجى ، قال اﻷديب إنه ضحية من دفعوه لذلك ، وضحية المجتمع ، وهو شاب يافع كان يمكن أن يكون بطلا رياضيا ، لا مجرما ، وأكد محفوظ أنه يسامحه ﻷنه مغرر به - فهو لم يقرأ حتى “أولاد حارتنا” التى أقدم بسببها على أغتيال محفوظ - ولكنه لا يملك العفو عنه ، ﻷن القانون لابد ان يأخذ مجراه .
ورأى الكاتب أن المصل الواقى ضد اﻻنحراف و الإرهاب هو الدين وليس الخروج عن الدين ، و أن اﻷفكار التى أدت لهذا الإرهاب فى حاجة لمن يتصدى إليها ليس بالعنف و إنما بالفكر .. إذا أردت مقاومة الإرهاب انشر الفكر الإسلامى الصحيح فى مكانه الصحيح ما بين التعليم و الإعلام .
أولاد حارتنا
عندما رفعت قضية ضد “أولاد حارتنا ” قال محفوظ أنا لا أخشى شيئا ، لعلى أحب أن تعرض أخيرا على قاضى عادل ، ﻷنى واثق فى قضائنا النزيه ، و أن الرواية ليست كافرة وما أنا بكافر ، ومنذ 30 عاما أخبرنى حسن صبرى الخولى الممثل الشخصى للرئيس عبد الناصر ، بأن لجنة من اﻷزهر ستأتى تناقشنى فى الرواية ، فرحبت بذلك ، وذهبت بالفعل فى الموعد المحدد لمكتب الخولى إلا أن أحدا منهم لم يحضر .
أنا لا أخشى شيئا ، لكن ما أزعجنى على المستوى الشخصى ـ أن أنهى حياتى فى هذه السن فى ساحات المحاكم ، و أنا الذى لم أدخل محكمة فى حياتى .
شاهدت الثورة
عن اهتمامه بالسياسة فى أعماله ، قال محفوظ أنه من جيل سياسى ، فقد شهد ثورة 1919 بعينه و هو فى السابعة أو الثامنة من عمره ، سمع دوى الرصاص ، ورأى قوات الخيالة الإنجليزية وهى تقتُل و تُقتل ، ولم يكن يعرف حينها معنى اﻻحتلال أو الوطنية ولا سعد زغلول ولا النفى ، فبدأ وعيه من الصغر ، ومن وقتها لم يمر عليه يوم دون متابعة السياسة .
وذهبت لساحة عابدين لرؤيته ، ولكن بمجرد وصوله أحاط به اﻵلاف ولم أستطع رؤيته ، قالها والدموع فى عينيه ، فكان يعد سعد زغلول المدرسة التى تعلمنا فيها كيف نحب مصر ، ووفاته كان أكبر حزن فى حياتى .
وعن مصطفى كامل قال أنه زعيم الوطنية المصرية ، بينما محمد فريد هرب من مصر خوفا من السجن مما أثر على الحزب الوطنى وقتها ، فلم يتمتع بصمود مصطفى كامل ، أما عن مصطفى النحاس فقد رآه كخليفة سعد غير معترفا بـ “الكتاب اﻷسود ” ، مشددا على نزاهة النحاس فى وقت كانت فيه الوزارة فى مصر سبيلا للغنى ، بينما لم يملك النحاس حتى ثمن دوائه ، و فيما يخص مكرم عبيد أنه زعيم وطنى ولكن عصبى ، فلم يطيق أن يرى أحدا فى مكانه كرجل النحاس اﻷول ، فكان الكتاب اﻷسود .
حكايتى مع ناصر والسادات
أما عن ثورة يوليو وجمال عبد الناصر فقال أنه من أعظم زعماء مصر ، رفع الشعب عدة درجات ، وحطم الإقطاع ، وعمل إصلاحات لمصر لم تعرفها من قبل ، ولم يعيبه سوى الديكتاتورية .
وعن المواقف التى جمعته به ، قال أنه قلده وسام اﻻستحقاق من الدرجة اﻷولى ، وكان أول وسام فى حياته ، وحصل فى عهده على جائزة الدولة التقديرية ، و فى عهده تولى العديد من المناصب .
ويروى أحد المواقف الخاصة التى جمعته به عند افتتاح المبنى الجديد لجريدة اﻷهرام ، عام 1968 ، وكان جالسا مع صلاح جاهين وصلاح طاهر وحسين فوزى ، عندما دخل ناصر مع هيكل ، وداعب صلاح جاهين وقتها قائلا : أكل لحمة الرأس تخنك كثيرا ، ثم لاطف محفوظ متسائلا : لماذا لم نقرأ لك باﻷهرام قصصا منذ عدة أسابيع ، فقال له هيكل سينشر له قصة غدا من النوعية اللى ” تودى فى داهية ” ، فقال له ناصر على الفور ” توديك أنت ” .
وعن رأيه فى السادات قال أنه من كبار السياسيين على مستوى العالم ، ورغم أنه له أخطاء جسيمة و لكن انتصار أكتوبر يغفر له كل خطأ .
ويحكى محفوظ أن المرة الوحيدة التى يمنع فيها من الكتابة كانت فى عهد السادات ، و ذلك فى بداية عام 1973 ، حين وقع مع المثقفين على بيان ضد حالة اللاسلم و اللاحرب ، وحينها منعت جميع اعماله من الإذاعة و التلفزيون هو و توفيق الحكيم ، و لم يعد من المسموح ذكر اسمهم ، لكن عذر السادات فى ذلك أنه كان يعد لحرب أكتوبر العظيمة ، و لم يكن يريد خلخلة الجيهة الداخلية .
وعن حرب أكتوبر قال أنها السبب فى ملحمة ” الحرافيش” التى يعدها أحد ثمار اﻻنتصار ، فلم يكتبها قبلها أدب بهذا التفاؤل وبهذه البطولة ، أنها ملحمة حقيقية .
جواب لأم كلثوم
سأل سلماوى أديبنا عن قصة الجواب الذى بعث به لأم كلثوم ، واحتفظت به لمدة 25 عام ، فقال : كان ذلك منذ زمن بعيد فى بداية أيام الإذاعة ، وكانت أم كلثوم تغنى كثيرا فى الحفلات العامة ، فاقترحت عليها أن تغنى مرة واحدة فى الشهر ، ولم تكن هى تعرفنى ، لكنى كتبت لها كأحد المعجبين ، وقد وجدت أنها أخذت باقتراحى بعد ذلك .
كما حكى عن لقائه بأم كلثوم مرة واحدة فى حياته ، أثناء احتفال اﻷهرام بعيده الخمسين ، وسعد جدا بوجودها فلم يكن يعتقد أنها تعرفه من الأساس .
العقاد أنصفنى
قال محفوظ أن العقاد أول من تنبأ له بنويل حين قال فى حديث تلفزيونى أذيع قبل وفاته بقليل ، إن عندنا فى مصر من يستحق الفوز بجائزة نوبل وذكر نجيب محفوظ ، وبعد حوالى ربع قرن تحققت نبوءته .
وفى مسابقة للقصة كانت اللجنة المشرفة يغلب عليها الذوق التقليدى ، ماعدا عبد القادر المازنى ، الذى سمم أن رواية محفوظ تستحق ، وسمع العقاد وهو خارج من لجنة أخرى جدالهم ، وقال أن رواية “خان الخليلى ” لمحفوظ هى من تستحق الجائزة .
أول رواية
قصة نشر محفوظ لأول رواية ، أعطاه الناشر وقتها أجره 500 نسخة بدلا من الأجر المادى ، و لم يعرف محفوظ كيف يتصرف فى النسخ فأعطاهم لمكتبة الوفد ، التى اتفقت معه على أخذ الكتاب بنص فرانك ، و كل نسخة تباع سيحصل مقابلها على نص مليم ، و سعد بذلك ، و كان يذهب لهناك باستمرار ، و لكن الكتب لم تباع ، و عندما وجد الرفوف خالية سعد ، و عندما سأل الناشر عن المبيعات ، قال أنه لم يبعهم بل نقلهم للمخازن .
محنة اﻷدب
رأى محفوظ أن التعليم هو المسئول اﻷول عن المحنة الحالية للأدب ، فهو يخرج مواطنا لايحب القراءة ، ولا يستطيع أن يتعامل مع الشعر و الرواية بأشكالها الحديثة ، و الفصل المدرسى اصبح أشبه باﻷتوبيس ، مزدحم بالمتشعلقين فيه .
الثقافة والسلطة
أكد محفوظ أن الديمقراطية تعتمد فى ازدهارها على الثقافة ، فالشعب المثقف تكون ممارسته للديمقراطية أنضج من شعب ثقافته قليلة .
ويرى أن العلاقة بين السلطة السياسية والثقافة هى دوما علاقة توتر تحت جميع اﻷنظمة السياسية ، فالسلطة دوما تريد من يؤيد ، والمثقف ضمير اﻷمة وإحدى مهاماه اﻷساسية توجيه النظر لسلبيات المجتمع والوقوف ضدها .
وتابع أن قدرة النظام الديمقراطى على احتمال المثقف أكبر من قدرة النظام الديكتاتورى الذى لا يتحمل أى نقد ، وحيث حرية التعبير مكفولة تجد اﻷدب ينتعش وكذلك الفن والفكر ، فالثقافة تصبح فى هذا المجتمع سلطة تصلح وترشد ، ةفتحول دون وقوع الكوارث التى لا تتفاقم سوى فى الظلام .
حرية الصحافة
قال اﻷستاذ أن الصحافة إما حرة أو ليست صحافة ، فالصحافة غير الحرة لا تفيد احد ، ولا حتى الحكومة ، ﻷن أى خبر بها لا أستطيع تصديقه ، والصحافة غير الحرة ورائها دائما إرهاب خفى ، أما بالحرية فإن الصحافة تتحول بسحر ساحر من ورقة صفراء تثير الشبهات لصوت الشعب .

وأضاف أن هناك تجاوزات فى ممارسة حرية الصحافة و هجوم يصل لحد التجريح وحملات غير موضوعية ، ولكن ألف تجاوز وتجاوز ، ولا اعتداء على حرية الصحافة .
ويصر محفوظ على رأيه برغم أنه ذاق اﻷمرين من الصحف ، فقد عانى من تجاوزات أدبية و سياسية ، وقال أنه يقبل النقد اﻷدبى بكل ما فيه الموضوعى والذى لا يخلو من هوى ، أما السياسى فعندما ينادى بالسلام والتفاوض توقع أن يرد عليه أحدهم أحسنت و عشرة آخرون أسأت ، ولكن اتهامه بأنه ” عميل إسرائيلى ” فهذا ظلم لا يرضاه أحد .
شبعت من الحياة
عندما سئل محفوظ  كيف ينظر لما مضى من حياته ، قال بالرضا ، ليس ﻷن ما فعلته خلال حياتى لا يمكن طلب خير منه ، و إنما ﻷنى أشعر أننى فعلت ما فى جهدى ، و بالطريقة السليمة على أنه يداخلنى شعور كالذى يشعر به من طال به اﻷمد فى مكان ما حتى مل ، ثم يضيف ضاحكا “الحقيقة إنى زهقت .
أشعر بالامتلاء ، وكأننى شبعت من الحياة ، و ما أصبح يخفف من وطأة اﻷيام اﻵن هو أن تنتهى .

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا