حظر "البوركيني" .. مابين التطرف الديني والتطرف الفكري

أصبح ” البوركيني ” صداع في رأس الدول الأوروبية والعربية أيضا، فرنسا تبرر منعها له بالتصدي للتطرف الديني والحفاظ على أمنها القومي، وفي مصر تبرر الجهات التي قامت بمنع لبسه موقفها بحجة إنه ” إفساد للمظهر الجمالي، أما في بريطانيا يعتبر المواطنون أن هذه المسألة شخصية ولا يحق لأحد التدخل فيها.
قبل رفع الحظر عن لبس “البوركيني” أجبرت الشرطة الفرنسية امرأة على خلع لباس السباحة “البوركيني” ، أثناء جلوسها على شاطئ مدينة نيس الفرنسية.
ووقف أكثر من 4 عناصر من الشرطة بجانب المرأة وطلبوا منها خلع لباس السباحة، وهو ما حصل بالفعل، وحرر أحد الضباط غرامة مالية بحقها.
البوركيني والترعة
وواجهت المدرسة المصرية نادين عبدالعزيز موقفاً مشابهاً، حين طلب مدير إحدى القرى السياحية بمنطقة رأس سدر على البحر الأحمر من سيدة كانت ترتدي “البوركيني”، الخروج من المسبح.
لكن رد فعل السيدة نادين هذه المرة لم يكن مشابهاً لنظيرتها في فرنسا، إذ رفضت الخروج، فما كان من المدير إلا أن أمر عدداً من العمال بالنزول في المسبح بالملابس الداخلية لمضايقتها، واصفاً المسبح بالترعة، ثم قام بسكب كمية من الكلور داخل الماء لإجبارها على الخروج.
الواقعة كانت مصورة، وظهر فيها بعض العاملين بالقرية وهم يخلعون ملابسهم وينزلون في الماء، كما ظهرت إحدى السيدات وهي تنصح صاحبة الواقعة بالخروج من الماء منعاً للمشاكل وحتى لا تؤذيها المواد التي سكبها المدير داخل حوض السباحة.
وبحسب جريدة “الاهرام” المصرية فان نادين توجهت الى قسم شرطة راس سدر وحررت محضرا بالواقعة.
هذه ليست الواقعة الأولى في مصر، ففي العام 2015 قالت دينا الشربيني التي تمتلك شاليه بإحدى القرى السياحية بمدينة العين السخنة شرق القاهرة، إن أمن القرية منعها من نزول المسبح نظراً لارتدائها “مايوه المحجبات” الذي يغطي كافة الجسد بدلاً من البيكيني.
كما كانت هناك وقائع أخرى لسيدات مُنعن بسبب زيهن من التواجد في شواطئ معينة أو حتى دخول المطاعم أو المقاهي لاشتراط تلك الأماكن زياً معيناً لروادها.
ما هو البوركيني؟
البوركيني لباس بحر نسائي ساتر، يتيح للمرأة السباحة مع تغطية كافة جسمها باستثناء الوجه والكفين والقدمين، ويتألف من ثلاث قطع: قميص وسروال وغطاء للرأس وهو لباس شائع بين المسلمات المحجبات أثناء ارتيادهن الشواطئ.
تحول البوركيني صيف 2016 لموضوع جدل واسع في فرنسا، بعد قرار بلديات منعه على شواطئها، بحجة أنه رمز ديني.
وظهر البوركيني عام 2003، وينسب إلى مصممة الأزياء الأسترالية من أصل لبناني عاهدة زناتي، وحصل على براءة اختراع، وصار علامة تجارية عام 2007، وكان موجها للسباحات كلباس بديل عن لباس السباحة المتداول، “البكيني”.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية أن الكاتبة المتخصصة بشؤون الأكل والتغذية، المذيعة البريطانية نايجيلا لاوسون، ارتدت “البوركيني” على أحد الشواطئ الأسترالية عام 2011 بمحض إرادتها.
شهد البوركيني إقبالا منقطع النظير، وصارت النساء يرتدينه على الشاطئ وفي المسبح، وصارت له محلات في أوروبا ومواقع متخصصة لتسويقه على شبكة الإنترنت.
أما من الناحية اللغوية، فكلمة البوركيني مكونة من جذعين أولهما “بور” وهي اختصار للبرقع، وهي كلمة متداولة في أوروبا وتعني النقاب الذي يُغطي الوجه كاملا. أما الجذع الثاني فهو “كيني” ويُحيل على “البكيني” لباس البحر المعروف.
رمز ديني
ظل تناول “البوركيني” منذ ظهوره مقتصرا على قوى أقصى اليمين المعروفة بمعاداتها للأجانب والمسلمين خصوصا، حيث اعتبرته مظهرا لـ”أسلمة” المجتمعات الأوروبية، مثلما تنظر هذه القوى إلى الحجاب والنقاب والمآذن ومحلات اللحم الحلال.
وبحلول صيف 2016، تحول “البوركيني” إلى موضوع سجال حاد تفجّر في فرنسا وطال عدة بلدان أوروبية.
وفي أغسطس 2016، رفضت إدارة مسبح في شمال مدينة مرسيليا طلبا تقدمت به جمعية محلية لإقامة نزهة في المسبح لنساء يرتدين “البوركيني”.
وفي 13 أغسطس 2016، تزعّم عمدة مدينة “كان” الفرنسية عريضة وقعها عدد من العمد -أغلبهم من حزب الجمهوريين اليميني المعارض- تمنع ارتداء “البوركيني” على الشواطئ التابعة للبلديات، ورفعت منظمات حقوقية دعوى ضد القرار لكن المحكمة الإدارية أيدته.
ودفع أصحاب العريضة بأن “البوركيني” رمز ديني يُحيل على الإسلام، بل إنه يُحيل على تأويل معين للإسلام، مستدلين بشيوع السباحة بـ”البكيني” بين مسلمات في فرنسا.
وأكد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس دعمه قرار رؤساء البلديات، واعتبر -في مقابلة له مع صحيفة “لا بروفانس”- أن البوركيني هو “ترجمة لمشروع سياسي ضد المجتمع مبني خصوصا على استعباد المرأة”.
وشدد على ضرورة “أن تدافع الجمهورية عن نفسها في مواجهة الاستفزازات”، كما دعا فالس السلطات للتنفيذ الصارم لقانون حظر النقاب في الأماكن العامة.
ومن الشخصيات السياسية الفرنسية التي تدعم حظر “البوركيني”، جان بيير شوفنمان أحد مؤسسي ومنظري الحزب الاشتراكي الفرنسي، حيث اعتبر الأمر “ضروريا لضمان النظام العام”.
في المقابل، رفض القرار سياسيون فرنسيون ومنظمات مدنية حقوقية، فقد انتقد الناطق باسم الحزب الشيوعي الفرنسي أولفييه دارتيغول -في لقاء تلفزيوني- منع “البوركيني”، وقال إن فالس يتجاهل المشاكل التي تعيشها بلاده ويركز على “البوركيني” والإسلام في فرنسا.
كما انتقد عمدة لندن، صادق خان، فرض مدن فرنسية حظرا على ارتداء النساء للمايوه الشرعي، الذي يطلق عليه اسم “بوركيني”، قائلا إنه لا يعتقد أن هذا الإجراء سليما، مؤكدا أنه لا يجب أن يملي أي شخص على النساء أوامر بما يجب أن ترتديه.
وقال خان، في تصريحات أدلى بها خلال زيارته للعاصمة الفرنسية باريس، أمس الخميس، ونقلتها صحيفة “إكسبرس” البريطانية، إنه لا يدعي أن بريطانيا بلد خال من أي عيوب، لكنه أشار إلى أن إحدى مميزات لندن، أنها لا تتهاون مع الخلافات التي تفرق بين الأفراد، مؤكدا حرصه على احترام الجميع.
ومن الناحية القانونية، يتعذر حظر “البوركيني” بسبب الجدل الحاصل حول ما إذا كان لباسا دينيا، وحتى لو كان لباسا دينيا فإن حظره غير وارد كذلك، لأنه في أقصى حالاته سيكون شبيها بالحجاب الذي لا تمنعه التشريعات الفرنسية في الفضاءات العامة باستثناء المدرسة.
كما أن حظر “البوركيني” يتطلب سن قانون جديد، ففي السابق حاول أنصار المنع تسويق فكرة أنَّ “البوركيني” غير مطابق لشروط الصحة العامة في المسابح، لكنهم اصطدموا بحقيقة أن براءة اختراع البذلة والترخيص للماركة المسجلة (بوركيني) نصتا معا على مطابقته للشروط الصحية في المسابح العمومية.
وفضلا عن الجدل القانوني، فإن السير في طريق تشريع قانون يحظر هذا اللباس سيُعزز موقع اليمين المتطرف، وهو ما لا ترغب فيه القوى السياسية الأخرى.
حظر وتمييز
بلغ صدى حظر لباس البحر “المحتشم” البوركيني وما صاحبه من مد وجزر في فرنسا، إلى الأمم المتحدة، التي اعتبرت قرارات حظر البوركيني تشجع التمييز بحق المسلمين.
ورحّب المفوض الأعلى لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، الثلاثاء، بالقرار الذي اتخذه القضاء الفرنسي لوقف قرارات بحظر البوركيني، وهي قرارات تشجع بنظره على التعصب ووصم المسلمين.
وقال مكتب المفوض الأعلى في بيان “إن هذه القرارات لا تحسّن الوضع الأمني، بل على عكس تميل إلى تغذية التعصب الديني ووصم الأشخاص من الديانة الإسلامية في فرنسا وبخاصة النساء”.
وأضاف “أن القوانين المتعلقة بالملابس، مثل القرارات التي تحظر البوركيني تؤثر بصورة غير متجانسة على النساء والفتيات، وتقضي على استقلاليتهن من خلال إنكار قدرتهن على اتخاذ قرارات مستقلة حول طريقة ملبسهن”.
هذا وأفاد مصدر قضائي فرنسي، الاثنين، أن رؤساء بلديات 4 مدن فرنسية لا تزال تحظر ارتداء البوركيني على شواطئها، بعدما اعتبر قانونياً، سيمثلون أمام القضاء الثلاثاء والأربعاء.
ورفعت اللجنة الفرنسية المناهضة للإسلاموفوبيا دعوى قضائية ضد مدينة نيس، وروكبرون-كاب-مارتان، ومينتون وفريجوس (جنوب شرقي فرنسا) لدفعها نحو تعليق قرارات حظر البوركيني.
وكانت نحو 30 بلدية فرنسية قررت خلال الصيف الحالي حظر الدخول إلى المسابح العامة “لكل شخص لا يرتدي لباسا يحترم معايير العلمانية وقواعد النظافة وسلامة السابحين”.
وأثار هذا المنع الذي ترافق مع تدخل عناصر من الشرطة لتحرير محاضر بحق نساء كن يرتدين البوركيني، ضجة وجدلاً كبيرين حول الإسلام في فرنسا، واستهجاناً في العالم.
والجمعة، رفض مجلس الدولة الفرنسي، أعلى سلطة قضائية إدارية فرنسية، قرار إحدى بلديات جنوب شرقي فرنسا منع “البوركيني “واعتبره “مهددا للحريات التي تضمنها القوانين”.
لكن رغم القرار، أعلن العديد من رؤساء البلديات تمسكهم بحظر “البوركيني” ومواصلة تحرير محاضر للنساء اللواتي يرتدينه، طالما لم يلغ قرارها رسمياً من قبل المحاكم الإدارية.
الرقي البريطاني
تجدد الجدل في بريطانيا حول “البوركيني” عندما قام نشطاء بتجربة على أحد الشواطئ رصدوا من خلالها رد فعل الناس على محاولة منع سيدة مسلمة من ارتداء البوركيني والحجاب وهي على الشاطئ، ليظهر الفرق الشاسع بين البريطانيين والفرنسيين، وكيف تحمي الثقافة البريطانية التنوع الموجود في البلاد.
بينما لم تتوفر هذه الحماية على شواطئ مدينة “كان” الفرنسية عندما حاصر رجال الشرطة سيدة محجبة وأجبروها على خلع ملابسها بقوة السلاح.
وقرر 3 ممثلين بريطانيين رصد ردود الفعل لو أن حادثة كالتي شهدتها فرنسا وقعت على أحد شواطئ بريطانيا، ليفاجأوا برد الفعل الذي شاهدوه، حيث احتشد المصطافون على الشاطئ واحداً تلو الآخر دفاعاً عن السيدة المحجبة وحقها في ارتداء ما ترغب به، ومنعوا رجل الشرطة المزيف من إجبارها على خلع حجابها، بحسب ما ذكر موقع «العربية».
وقبل أن يتبين أن الأمر ليس سوى تمثيل، وأن الرجل ليس سوى “شرطي مزيف” تدافعت عدة سيدات لحماية المرأة المحجبة ومنع “الشرطي” من نزع حجابها وإجبارها على خلع ملابسها.
وصرخت إحدى السيدات في وجه الشرطي عندما حاول نزع حجاب السيدة بالقول: “لا تستطيع أن تفعل ذلك، لا تستطيع أن تفعل ذلك. إنه أمر ديني، إنها إنسانة، ولا تستطيع أن تميز ضدها بسبب دينها”.
وخلال أقل من دقيقة واحدة، احتشد أكثر من 20 شخصاً من المصطافين على الشاطئ وهم يصرخون في وجه الشرطي أن يكف عما يفعله، وسرعان ما كشف الممثلون الثلاثة عن هويتهم، وأعلنوا للحضور أن الأمر لم يكن سوى «تجربة اجتماعية» لرصد رد فعل البريطانيين لو تعرض شخص لمثل الموقف الذي حدث في فرنسا.
وحصد الفيديو الذي رصد هذه الحادثة نحو 50 ألف مشاهدة خلال أقل من 24 ساعة من نشره على “يوتيوب”، فيما تداولته العديد من المواقع الإخبارية المحلية في بريطانيا والعديد من الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا