عرض "فى قلبى أنثى عبرية" يخيب آمال الجمهور

مسرح كامل العدد يجلس مشاهديه فى ترقب فى انتظار مشاهدة أول تجسيد مسرحى للرواية الأكثر مبيعا ” فى قلبى أنثى عبرية ” لدكتورة خولة حمدى ، ولكن سرعان ما تحول هذا الترقب لخيبة مع انتهاء العرض الذى جسدته فرقة فن محوج على مسرح الهوسابير .
وكان أول تعليق التقطته أذنى بعد انتهاء العرض ” من الجيد أن د. خولة لم تحضر العرض لكانت صدمت ” ، وجاءت أغلب ردود الفعل لتحكم على المعالجة المسرحية بأنها لم تكن موفقة ، فمن قرأ الرواية رأى أن المسرحية “مختصرة بشكل مخل ” ، ومن لم يقرأ شعر أنها “مبتورة وناقصة ” ، وإن أجمع الحاضرين على الأداء الجيد للممثلين .
“فى قلبى أنثى عبرية ” رواية تدور حول الحب والحرب و الإيمان ، وهى رواية مأخوذة عن قصة حقيقية ، تدور أحداث الرواية في منطقتين الأولى جزيرة جربة في تونس والثانية مدينة قانا العتيقة في جنوب لبنان ، وقت الاحتلال ، وبرغم أن الرواية استطاعت أن تقتنص لنفسها مكانا بين الكتب الأعلى مبيعا ، ولكن ذلك لم يجعلها تسلم من النقد باتهامها بالمبالغات أو التحيز للدين الإسلامى ، و هو ما اعترفت به الكاتبة بفخر ، ويرجع اتهام التحيز ذلك لإسلام أغلبية الشخصيات اليهودية فى العمل .
لقد اعتمد العرض على إعادة ترتيب المشاهد وخرج برؤية جديدة للعرض وهذه التقنية ليست عيبا فى التجسيد المسرحى الذى يعتمد على رؤية المعالجة المسرحية و الإخراجية للعرض ولا يجب أن يأتى مطابقا للرواية ، طالما انه يحافظ على روح الرواية ، وإعادة ترتيب المشاهد بهذا الشكل حمل بذرة رؤية جيدة ومختلفة للعمل ولكنها كانت ناقصة وغير مكتملة .
مشكلة العرض الحقيقية تكمن فى التكثيف المخل وغير الموفق والقفزات الكبيرة فى الأحداث ، كما أغفل بعض الشخصيات الهامة فى العمل ، وإغفال العديد من الأحداث الرئيسية ، والتى أثرت فى تكوين الشخصيات ، و ذروة صراعهم ، و من أهم تلك الأحداث وأبرزها هو حدث استشهاد ريما الأكثر تأثيرا فى الرواية والذى لم يعطى حقه فى المسرحية ، بل أن بعضا ممن يقرأوا الرواية لم يفهموا أنها استشهدت من الأساس ، فكانت هى جملة وحيدة التى ذكرت فيها ريما رغبتها فى الانضمام للمقاومة فى جنوب لبنان ، ولكن قبل اختفائها من العرض كانت ذاهبة للنوم لأن عليها تنظيف المنزل فى مقابل حق بقائها فيه ، ثم ظهرت صورتها على شاشة العرض تتحدث عن ما تعرضت له من معاناة و أغفلت حدث الاستشهاد !
ومن الأحداث أيضا التى أغفلتها المسرحية رحلة المعاناة والصراع والبحث التى انتهت بكثير من الشخصيات اليهودية فى العمل لاعتناق الإسلام ، واكتفى بتصوير معاناة يعقوب وندى ، و إن كانت حتى فى تصويرها مجتزأة ، فالصراع الذى يشكل ذروة العمل لم يمثل سوى المشهد الأخير فى العرض .
فى الوقت الذى تمت فيه إطالة أول مشهد بالمسرحية دون داعى ، وهو المشهد الذى يكتشف فيه الرجل العجوز أحمد وهو فاقد الذاكرة ، ومحاولة إقحام الكوميديا فى المشهد انتهت بضحكات خافتة فى الصالة ،وجاء مشهد لقاء أحمد بصديقه القديم مصادفة بعد أربع سنوات طوال من البحث عن الذات “ساذجا” .
بينما كانت فكرة استخدام “الداتا شو ” شاشة العرض فى البداية للتمهيد لفكرة العمل والمكان الذى تدور فيه الأحداث ورحى الحرب والمعاناة جيدة .
وقد اعتمد العرض على تقنية ” الفلاش باك ” فى تصوير ذكريات البطل وقصة حبه ولقائه بندى اليهودية واعتراض أهلهم على قصة حبهم وخطبتهم ، فيما ارتفع صوت الاثنان بمقولة ” الحب لا يعرف دين ” ، ومن المشاهد التمثيلية الجيدة فى العمل مشهد فراق الحبيبين عندما كلف أحمد بتنفيذ عملية فدائية مع المقاومة ، فتتأثر وأنت ترى وجه ندى الحالم وهى تعد النجوم ، ونظرة أحمد المحبة وهى تتابعها ، وهى تتوسله بإلا يرحل ، وهو يقنعها أنه يفعل ذلك لأجلها فهى وطنه الصغير ، و أنه لا يوجد وطن دون حرية .
ولكن الخطأ الذى وقع فيه فريق العمل ، هو نسيان البطل لخلع ” الشال ” الذى أهداه له الرجل العجوز ، فى مشاهد استعادته لماضيه .
ومن المشاهد المؤثرة فى العمل أيضا مشهد ريما الفتاة اليتيمة المسلمة التى تنشأ فى بيت العم ” يعقوب أو جايكوب ” اليهودى الذى أحبها ورباها واعتنى بها أكثر من أطفاله ، وهو يطلب منها إلا ترتدى الحجاب فى المنزل فلا داعى لذلك ، فترد عليه بأنه رجل أجنبى عليها ولا تستطيع أن تكشف شعرها أمامه ، و بينما تستمر البطلة المؤدية لدور ريما فى تحريك شفاها بصمت وكأنها تتحدث بينما يعقوب مشغول عنها بأفكاره الداخلية ، فترتكز الإضاءة على البطل المؤدى لدور يعقوب الذى أجاد استخدام ملامح وجهه التى تبدو شديدة التأثر بينما يرتفع صوته فى الخلفية – تعبيرا عن صوته الداخلى – عن حزنه لرؤية من رباها ويعتبرها كابنة وهى تراه كرجلا أجنبيا .
ذروة العرض يكمن فى مشهده الأخير ، مشهد صراع الشخصيات للوصول للحقيقية ، لتجمع خشبة المسرح بين الأبطال الثلاثة أحمد وندى ويعقوب ، أحمد فى صراعه مع الذاكرة وهو يقرأ رسائل ندى وهى تحكى لها عن صراعها الذى أفضى بها للتحول للإسلام ، وندى وهى فى جانب المسرح تكتب وتحكى بصوتها ، و على الجانب الآخر يقف يعقوب بعد أن تركه شيخ الجامع و هو مازال فى حيرته يطلب من الله أن يهديه للحق وهو فى عز يأسه يفتح القرآن على آية بعينها فيشعر أن الله يخاطبه وتطمئن بها قلبه ، وهو يبكى سامحنى يارب ، فى الوقت ذاته ترتدى ندى الحجاب ، ويخلع أحمد الوشاح الذى أعطاه له الرجل العجوز عندما يستعيد ذاكرنه و يدرك أنه مسلم وليس مسيحى كما كان يظن .
من وجهة نظرى جاءت نهاية المسرحية أفضل من نهاية الرواية التقليدية ، برغم رفضى لرمزية خلع أحمد للوشاح كدليل على استعادته للذاكرة وإدراكه بأنه مسلم وليس مسيحى ، فقد أعطاه الرجل العجوز الوشاح لأنه اعتبره كابن ، وهو ليس صليب ليخلعه ، فكان استخدام الرمز هنا غير موفقا .
كان يعقوب صاحب أفضل أداء ليس فى المشهد الأخير فقط بل فى المسرحية بأكملها ، وكان أداء باقى الفريق جيدا خاصة أحمد وندى وريما ، و سعدت بجهد الشباب فى اختيارهم لتجسيد العرض باللهجات اللبنانية و التونسية و التى تتطلب مجهودا كبيرا نجحوا فيه ، و إن كان انخفاض صوت البعض عائقا مع اللهجة فى فهم ما يقولون ، كما جاءت موسيقى العمل جيدة .
فى المجمل هى تجربة مسرحية تحمل الإيجابيات و السلبيات و على فريق فن محوج أن يتعلم منها فى التجارب القادمة ، فبرغم انحيازى دوما للعمل الأدبى الأصلى عن الأعمال الفنية المأخوذة عنه ، و لكنى أسعد لمشاهدة الشباب يقبلون على تحويل تلك الروايات لأعمال مسرحية مستقلة ، وقد نجح من قبل شباب فن محوج فى تجسيد مسرحية “تراب الماس” لأحمد مراد ولاقوا نجاحا كبيرا فى تجسيد ” هيبتا ” لمحمد صادق ، وإن كانت تجربة ” فى انثى عبرية ” لم تكن موفقة ولكن عليهم الاستمرار وتطوير أنفسهم ، وعدم الاكتفاء فقط بتجسيد الروايات الأكثر مبيعا .

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا