مذكرات أحمد زويل.. رحلة إبداع “لا يصنعه الخائفون”

  جامعات أمريكا بيوت لصناعة العلم مدعومة بالمليارات زويل يترهبن بمعمله “ 20 عاما” والقدر يرتب زواجه الثاني جامعة بيركلي تحتفظ بعبارته : عزيزتي حالة الفراغ .. اهدئي ! “ المؤامرة شماعة معدومي الإرادة .. و“التدرج” لا يصنع نهضة مهاتير : سيكون الأمر فادحا أن تسقط بلادي بعد أن أتنحى سياسات الغرب سبب أساسي بتغذية التطرف العولمة أصبحت ثوب القادرين .. و 20% يملكون ثروة العالم الغرب مدين للمسلمين .. وتكاليف حروبه تكفي لنهضة العالم الثالث زويل : إسرائيل ليست بالغباء لتعين “رجل وطني” بجامعاتها صدارة العرب تستلزم ديمقراطية وحرية وشفافية وحقوق إنسان العرب بحاجة لمراكز مضيئة .. وأكاديمية زويل تواجه البيروقراطية
“ إنني أرى نفسي وكأنني طفل صغير يلهو على شاطيء البحر، فرحا بما يجده من حين لآخر من حبات حصى ملساء وأصداف جميلة بينما أمامي في جوف البحر الواسع تكمن الحقيقة ( العلم ) التي لم تكتشف بعد !”
مقولة تصدرت رسالة الدكتوراه التي تقدم بها العالم المصري د . أحمد زويل لجامعة بنسلفانيا بأمريكا، وهي عبارة نيوتن الشهيرة، وقد أتبعها بمقولة أينشتاين “لا أش غل نفسي بالمستقبل فهو آت بأسرع مما نتصور . !
و على نهر النيل كان حائزا نوبل يتبادلان الحوار والضحكات، محفوظ وزويل، وقد كتب أديب نوبل تقديم للطبعة الأولى من كتاب زويل الصادر عن دار ” الشروق ” 2005 ، باسم ” عصر العلم ” والذي سرعان ما تلقفه القراء العرب للتعرف على تجربة أول عالم عربي يحصل على نوبل ، فضلا عن رؤيته لنهضة أوطاننا .
زويل الذي غادر عالمنا مؤخرا، ظل يعتز كثيرا بمصريته وعروبته وإسلامه، وهو مؤمن بأن شمس الحضارة أطلت على العالم من الشرق وساهمت الحضارة الإسلامية والعربية بأوج ازدهارها بنصيب وافر في قيام النهضة الأوروبية، لكن الغرب قلب المعادلة بعد أن تجاهل الأنظمة العربية لمواكبة النهضة والانكفاء على الذات عقود طويلة وتراجع قيم الحرية والمشاركة ودعم بناء الإنسان .
بالطبع لعب الاستعمار الغربي دورا بتراجع العرب في القرن العشرين وقد زاد الأمر سوء بعد الحروب المندفعة على خلفية “ 11 سبتمبر” والتي راح فيها أبرياء ، لكن “شماعة المؤامرات” لا تعول عليها إلا الشعوب فاقدة الإرادة، والدليل ان نفس المحن مرت بها دول آسيا كالصين واليابان وماليزيا والهند وسنغافورة وخرجت منها – برغم المعوقات - أقوى وصارت مراكز إشعاع للعلوم والتكنولوجيا واقتصادياتها تنافس أعتى الدول الغربية .
ي قول أحمد المسلماني بمقدمته الثرية للكتاب - وهو واحد ممن دفعوا زويل لتأليفه - أن هذا العالم المصري عاد لبلاده محملا بأرفع الجوائز العالمية ليعيد لها ثقتها بنفسها، بعد أن تصدر أشباه المبدعين الصفوف الأولى، وقد سعى لتطبيق أفكاره للنهضة ببلاده عبر أكاديمية للعلوم والتي واجهت ولا تزال مصاعب البيروقراطية، رغم تعهد حكام مصر منذ مبارك وحتى اليوم برعايتها، وقد كانت فكرتها قائمة على توطين التكنولوجيا عبر مراكز مضيئة متواصلة مع أحدث التطورات العالمية ، وتحديث قاعدة صناعية تقوم على التكنولوجيا المحلية للبدء بالانطلاق .
صور من الماضي
ولد زويل عام 1946 بمحافظة دمنهور ، امتلأت نفسه بشمس “حورس” فجعلته متفائلا حتى بأصعب اللحظات ، وهو لا يزال يذكر حالة الطمأنينة التي يشيعها مسجد سيدي الدسوقي وحالة التكافل الاجتماعي والعطاء التي اعتاد الناس عليها ، ولقد بقي هذا النمط من التدين المتسامح المستنير صاحب أثر كبير في نفسه . كما يتذكر اعتزاز أسرته المنتمية للطبقة المتوسطة بابنها النابغة وتوفير كل ما يمكن لدعمه.
يتذكر زويل كذلك نظام التعليم “الممتاز” الذي حظى به أبناء جيله، بالطبع كان الحفظ والتلقين سائدا ولكن كانت المنافسة الشريفة متاحة للجميع . أما هواياته فكانت القراءة بنهم وخاصة لموضوعات التاريخ وسماع الموسيقى، وكان خاله يصطحبه كثيرا لحفلات السيدة أم كلثوم بالقاهرة والتي يشعر أنها أحد أهرامات مصر المؤثرة بوجدان العالم بأسره .
أما ثورة يوليو فقد حملت بشائر عصر جديد فجعلت المصريين سواسية وفتحت أبواب التعليم لأبناء الطبقة المتوسطة، وكان ذلك سببا بالتحاقه بالجامعة المصرية، وهو لا ينسى رسالته التي رد عليها الزعيم جمال عبدالناصر . وقد اختار زويل كلية العلوم بجامعة الإسكندرية، وتخرج منها بالترتيب الأول وعيد معيدا، وتخصص مبكرا بمجال تأثيرات الأشعة على المركبات الكيميائية .
وبعد نكسة يونيو 67 المفجعة، هجر زويل بناء على نصيحة أساتذته ليواصل دراساته للدكتوراة بأمريكا التي صعد إنسانها للقمر للمرة الأولى .
من المعمل .. لنوبل
“ إذا كان العلم هو العمود الفقري للتقدم، فإن المعرفة تصون أثمن القيم الإنسانية “الاستنارة” “ .
لقد أدى التطور العلمي إلى انكماش الزمان والمكان، فأصبح المريخ على بعد دقائق من الأرض، وأص ب ح بمقدور العلم أن يعبر إلى واحد على مليون على بليون من الذرة، وصار استنساخ الأعضاء والخلايا ممكنا وفك رموز الشفرة الجينية للبشر، وهذه التكنولوجيا الفائقة تحمل مزايا كبرى ومخاطر بنفس القدر ، إذا لم يشتمل العلم على الأخلاق .
رفاق رحلة الكفاح
 
  التحق زويل بداية بجامعة بنسلفانيا مع بداية السبعينات والتي أعفته من المصروفات وخصصت له راتبا سنويا كبيرا ومنحة للأبحاث الصيفية أيضا، وهو أمر لم يكن يعهده ببلاده بالطبع ،وقد تزوج قبل السفر من طالبة عنده بالكلية اسمها “ميرفت” وأنجب منها بأمريكا بنتين ، إلا أن زواجهما لم يستمر سوى بضع سنوات ؛ حيث كانت أفكارهما متنافرة ، وربما كان انبهارها الشديد بكل ما هو غربي واحدا من هذا الاختلاف .
بالطبع وقفت عثرات كثيرة بطريق زويل، كان منها حاجز اللغة الإنجليزية بلكنة أمريكا، والتقدم العلمي الرهيب الذي شاهده بجامعاتها ولم يكن مؤهلا بما يكفي له، ولكنه ظل مستمتعا بلقاء علماء نوبل في صروحها وروح المودة والتعاون السائدة ، وقد واصل الليل بالنهار قراءة ودرسا حتى اجتاز الصعوبتين . تقرضه إذا ما ألم به ظرف طاريء .
كانت هناك دعاوى عنصرية ضد زويل كونه مصري ومسلم، وخاصة من قبل بعض الأساتذة الأمريكيين ممن يميلون للصهيونية وكانوا بعد نكسة يونيو يتعهدون العرب بالهزيمة الأبدية أمام إسرائيل “المتحضرة المتقدمة”وربما كان نصر أكتوبر سببا كافيا لأن يرفع كل عربي هامته بوجه العالم من جديد، صحيح أنه لم ينتج عنه سلام حقيقي ولكنه أثبت قدرة الإنسان المصري الرهيبة برغم ضعف الإمكانات .
في السبعينات، التحق زويل بجامعة “بيركلي” بولاية كاليفورنيا ، وقد تميزت بإطلاق العنان لباحثيها للإبداع وتحمل النفقات المادية التي تأتي عادة من المؤسسات القومية للعلوم والحكومة الفيدرالية وخاصة وزارة الطاقة، وقد تخرج من مختبرها العديد من العلماء حائزي نوبل .
أمام جهاز لتصوير الذرة
 
  ومن الطرائف أن زويل كان قد دون على سبورة هذا المختبر الذي أضناه سهرا لنحو 15 ساعة من العمل المتواصل : ” عزيزتي حالة الفراغ .. هل تسمحي أن تتوقفي عن ذبذباتك؟ ” وكان وزميله يسعيان لإعداد جهاز ليزر بيكو ثانية زجاجي ولكن عدم ثبات الفراغ لم يمكنهما ! و قد أبقى المختبر هذه العبارة حتى الآن
وأخيرا وصل زويل لجامعة “كالتك” إحدى أعرق الجامعات الأمريكية والتي تخرج منها علماء نوبل أيضا ومنهم مثلا “ريختر” صاحب مقياس الزلازل، و”سبيري” مكتشف فصي المخ ، و”كارمان” الذي حول الولاية لعاصمة صناعة الطائرات العالمية ، وقد وفرت الحكومة آنذاك بليون ونصف وقفا للأبحاث العلمية وتسهيلات كبيرة لأساتذتها، وأضيف لجمالها أنها بنيت على طراز العمارة العربية بالأندلس وسط الطبيعة الخلابة .
وفي تلك الجامعة أقدم زويل على عدد من أجرأ القرارات، ومنها شراء أجهزة ليزر على عهدته لإجراء التجارب وقد شكل وفريقه “جهاز مجمع الإشعاع الشمسي لإنتاج الطاقة الكهربائية” وكلما كان يزداد نجاحه كانت الجامعة تخصص له مزيدا من المختبرات
كانت خطط زويل طموحة حقا ،وقد كتب مدير المؤسسة القومية للعلوم : لو تمكن هذا الباحث من إنجاز 10% مما اقترحه، فسيحوز جائزة نوبل .
في 1982 حاز زويل الاستاذية بالفيزياء الكيميائية، بعد أن صار متفرغا تماما للعلم وحده، وحاز بعض الجوائز وحاز المنح والسفر لمشاهدة أوروبا ووسام بوك وايتني
كان زويل مبهورا بعلم الذرات والجزئيات، وهو يؤكد أن الفيلسوف اليوناني ديمقريط الذي رحل عام 370 قبل الميلاد أبدع أشياء مذهلة بهذا الصدد ، وقد اتهم بالإلحاد بعد أن تحدث عن المادة التي تملأ فراغ العالم وجسيماتها التي تؤثر حركتها على نوع المادة، وبعثت نظريته من جديد في القرن السادس عشر الميلادي ثم ظهر مخترعو نوبل بالقرن العشرين ليجسدوا منظر الذرة ولغتها وسكونها . وقد تمكن زويل من بناء جهاز ليزر فائق السرعة ليستخدم مع جهاز أشعة الجزيئات .
عاد زويل لمصر 1980 بدعوة الدكتور عبدالرحمن الصدر نائب رئيس جامعة الاسكندرية وعالم الفيزياء للإشراف على مركز بحثي بالجامعة، لم يكن زويل قد زار والداه طيلة عشر سنوات وبدت عليهما الشيخوخة فبدا آسفا جدا ، وسعى لتكرار زياراته لمصر وقد نظم مؤتمرا عالميا بالاسكندرية شارك به حائزو نوبل،
ولما عاد زويل سعى لتطوير اجهزة ادق من البيكوثانية وهي جزء من الف بليون من الثانية، وكان ذلك مفتاحا لقياس الفيمتوثانية، وهو لا ينسى ان المصريين القدماء كانوا سباقين بقياس الزمن بدقة وإجراء الأرصاد الفلكية ووضع التقويم، وابتداع الساعة الشمسية ، والمائية، والتي استخدمت بارجاء الدولة الاسلامية بالقرن العاشر الميلادي، وقد كان الحسن بن الهيثم ثوريا في مجالات الضوء والإبصار والتي ادت للبحوث التي قام بها العلماء بالعصر الحديث فمن خلال الضوء تمكنوا من التقاط صور حركة الذرات وكذلك العالم جاليليو الي اهتم بحركة الاجسام والكواكب،
اتيحت لزويل في غير مرة مقابلة الملوك والملكات ورؤساء الدول وزوجاتهم والأمراء وكبار رجال الدين، وقد حاز زويل أربعة جوائز كبرى دفعة واحدة نوبل والملك فيصل ووالف وويلش، وبنجامين فرانكلين أخيرا، وقد حازها بنهاية الثمانينات و التسعينات
في البرلمان المصري
 
بنهاية التسعينات زار زويل مصر وانفعل بحرارة ودفء الترحيب به من قبل الجمهور، وخاصة ببلدته ومحافظته البحيرة، واعلنت هيئة البريد إصدار طابعين باسمه تقديرا لإنجازاته العلمية، وأطلق اسمه على شارع كبير بدمنهور ومدرسة بدسوق وشارع آخر بالقرب من رشيد، كل هذا جرى قبل أن ينال جائزة نوبل 1999 وقد جرت له احتفالات اسطورية بالسويد شعر أنها أقرب للخيال . كان يشعر بالفخر أن أعماله توضع إلى جانب أعمال أبوالعلم الحديث جاليليو وقد شعر بسعادة اختيار خلفية الجائزة لوحة زيتية من تصميم ستنكفست للأهرامات والجزئيات وقد أضيئت بأشعة زوجة من أحزمة الليزر . كما عزفت الموسيقى بالخلفية اللحن المصري ليوهان شتراوس .
تسلم جائزة نوبل
وقد منح الرئيس مبارك قلادة النيل لزويل واصفا إنجازه بهدية مصر للعلم، و تلاه مفاتيح ودروع وميدليات من العديد من المؤسسات والمدن المصرية ، إضافة للدكتوراه الفخرية من الأكاديمية العربية للتكنولوجيا وجامعة الإسكندرية ، وأصدرت هيئة البريد طابعا ثالثا يحمل صورته مع الأهرامات .
زويل يرد بأسف على من يقولون بانه ساهم ببناء قاعدة الصواريخ الاسرائيلية بخاصية الليزر، وأن هذا كان سبب حصوله على جائزة “وولف” سنة 1993 وقد تسلمها من الرئيس حاييم وايزمان ، فيقول : “ عيب ” وطنيتي معروفة لرجل الشارع المصري، واسرائيل ليست من الغباء لكي تعين بجامعتها كما ردد البعض انه معين بتل ابيب 92 رجل يبني قاعدة تكنولوجية ببلاده واكد ان موقفه منها ككيان غاصب معروف تماما وهذه ترهات .وأضاف أنه لم يتخصص يوما ببناء الصواريخ ولكن بالذرات، وأن تكريم الكيانات العلمية بأي بلد لا يعني موافقته على سياسات أنظمتها ولا أنه يندرج تحت هيئاتها وجامعاتها.
مفاجآت القدر
أ ثناء زيارته للسعودية، كان القدر قد خبأ لزويل لقاء بزوجته الثانية بعد عشرين عاما من العزوبية والانقطاع للعلم، ولم تكن سوى ديما ابنة الأديب الكبير شاكر الفحام وزير التعليم بسوريا ورئيس مجمع اللغة العربية هناك آنذاك وقد تم الزواج بباسادينا بحضور الأصدقاء
كانت ديمة حاصلة على الدكتوراة في الطب من دمشق، وسريعا ما أنجبا طفلين ! هما نبيل وهاني مع مطلع التسعينات ، وقد قرر بمجيئهما تغيير قواعد عمله والالتزام بيوم راحة وهو الأحد لقضاء وقته معهما والسفر حول العالم، وكانوا يحبون السباحة سويا.
بصحبة أسرته في أمريكا وتظهر إلى جواره زوجته
.
وقد ظلت علاقة أسرته الجديدة جيدة بابنتيه مها وأماني، وكانت الأولى حاصلة على دكتوراه الفلسفة والثانية تحضر بالدراسات العليا بالطب، بجامعات أمريكية، وإن أبدى زويل بعض اللوم لتصرفاتهما التي لم تع إبدا مكانة والدهما كعالم . وتفتقد أحيانا للدفء المطلوب ربما بسبب ابتعاده القسري عنهما لفترات طويلة .
سياسات العالم المتقدم
بين دفتي الكتاب محاضرات قيمة قدمها العالم الكبير لنهوض مصر والمنطقة العربية، أسوة بتجارب الدول المشابهة لتجربتنا في التنمية . وفي محاضرة بطوكيو 2003 يشير زويل إلى أن القوى العظمى كانت على موعد مع الرخاء مطلع القرن العشرين، لكن نهمها لغزو الأراضي والموارد بإفريقيا وآسيا والمحيط الباسيفيكي، للسيطرة على المواد الخام والأسواق والمواقع الاستراتيجية دفعتها لجنون القوة المنفلتة، وخاصة أن استعمارها اقترن بقمع الذين لا يملكون القوة .
وبعد الحروب المريرة التي راح فيها ملايين البشر ، بدأت بوادر العولمة تلمع في الأفق كما لو كانت حلا لإنسانية متشاركة، وانتهت سياسة التفرقة العنصرية جنوب إفريقيا وولد الاتحاد الأوروبي وصعدت النمور الآسيوية وتباعد شبح الحرب الباردة والتسليح النووي إلى عالم العولمة، ولكن مع الأسف اتجهت العولمة للأقوياء واستمرت الحروب ومنها حرب العراق التي رفعت شعار مواجهة الإرهاب فيما تسببت بمقتل آلاف الأبرياء، واستمر التطهير العرقي بالبلقان مثلا والاحتلال بفلسطين وغيرها من المآسي
صحيح أن الأمم المتحدة أنجزت اتفاقيات إزالة الألغام وخفض الأسلحة ومحاكمة مجرمي الحرب، ولكن ذلك لم يعد كافيا بالمرة .
لقد اندفعت أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر المرعبة بسياسات متأثرة باللوبي والإعلام الرأسمالي والسياسة الدينية المتشددة ، وهي إجراءات تجافي طبيعة الشعب الأمريكي المتنوع ثقافيا . . والحقيقة أنه يجب أن ننظر للمصادر الحقيقية التي تنمي الإرهاب ولا نموه على من يقف وراءه ، والمفتاح الأساسي هو الاهتمام بمن لا يملكون وعدم تجاهل الجزء المحبط سياسيا واقتصاديا في العالم ، فالفقر واليأس سببان أساسيان للإرهاب .
في عالمنا الحاضر هناك انحياز في توزيع الثروة، حوالي 20% من سكان العالم يعيشون في الدول المتقدمة والفجوة بين هؤلاء والذين يعيشون في الدول النامية مازالت تتسع . وهناك 3 مليار يعيش معظمهم على أقل من دولار في اليوم دون خط الفقر، ونحو مليار ونصف ليس لديهم مياه صالحة أو رعاية صحية، كما ان هناك إحباطا مشابها ناتجا عن سياسة الكيل بمكيالين في النزاعات الدولية وفي تدعيم الأنظمة الفاسدة وغير الديمقراطية من أجل مكاسب سياسية واقتصادية .
وللأسف فقد باتت العولمة أفضل ثوب للقادر والقوي، وهي تعطي ثمارها للمسيطرين على السوق والموارد المتاحة.
و قد أخبر كوفي أنان بأن 95% من العلم الحديث في العالم موجود في مجتمعات يشكل خمس سكان العالم، ان ناتج أمريكا وأوروبا في الاقتصاد العالمي يتوازى تقريبا مع مساهمتهما في البحث العلمي، وهو ما يعني أن تشجيع البنية الاقتصادية بالعالم النامي والثالث يجعلها طاقات علمية أيضا .
لذلك على العالم المتقدم أن يتحمل نصيبه من الشراكة في بناء الطاقات البشرية والعلمية في العالم النامي وتحسين برنامج المساعدة الدولية واستثمار اموال أقل في مجال التسليح والاهتمام بالتدريب العلمي . وتكاليف الحرب الحالية يمكن أن تمول برامج البحث بالدول النامية للإفادة بالتعليم والصحة والعولمة
منابع التطرف الديني
.. حين يتطرق زويل لدعاوى ” صدام الحضارات ” يجد أنها ” محض جهل ” ؛ فهو شخصيا مسلم مصري عربي إفريقي أمريكي، وأي من تلك الثقافات لم تتصادم مع الأخرى داخله، والحضارة المصرية ظلت تمزج الديانات والأعراق المختلفة بدون صدام، .
لكن الإرهاب الذي يصر البعض على إلصاقه بالإسلام ، ظاهرة لا ترتبط بدين أو جنس . وربما ساهم البؤس الاقتصادي والظلم السياسي الذين يعاني منها ” عالم الذين لا يملكون ” ويشكلون 80% من سكان العالم ، أساسا للعنف خاصة مع تفشي الجهل .
ومن مظاهر الجهل التفسير الخاطيء لمعنى الجهاد في الإسلام، فهو لا يعني ” حربا مقدسة ضد غير المسلمين ” ولكنها كلمة مشتقة من ” جهد ” أي فعل الإنسان جهده من أجل السمو والطهارة والنهوض، ولم يدعو القرآن المسلمين لقتال غير المسلمين إلا أولئك الذين يبدأوهم بالقتال والعنف ؛ فالله ” لا يحب المعتدين ”.
يتابع زويل بمحاضرته القيمة التي ألقاها باليونسكو 2002 : إن القرآن يحمل تقديرا لـ ” أهل الكتاب ” ، وهو كتاب معجز ببلاغته وحكمته وشموليته لأمور الحياة من العلم للتكنولوجيا ومن المهد للحد ، وأول كلمة أنزلها الله سبحانه كانت ” اقرأ ” وجعل منزلة ” من يعلمون ” و ” أهل الذكر ” بأسمى الدرجات .
محاضرة زويل بمقر اليونسكو
 
وبمزيد من التفصيل عن أسباب تفشي الإرهاب يقول زويل : لقد عاش المسلمون واليهود والمسيحيون معاً في سلام في إسبانيا وبقية العالم الإسلامي، أما في الغرب الأوروبي فقد قاسى اليهود كثيراً بسبب التفرقة في المعاملة والتعذيب الذي لاقوه علي أيدي الأوروبيين، ولاحقا عانى العالم من الاستعمار الغربي الوحشي ونهب خيراته ثم دوره بالقرن العشرين وما تلاه بدعم الأنظمة الاستبدادية حول العالم وتبني نظرة منحازة ضد العرب والمسلمين
النهضة .. في عشر سنوات !
وفي محاضرة زويل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة 2004 ، يخبرنا بأن النهضة فعلتها العديد من البلدان في عقود قليلة، أحيانا واحد أو اثنين، أي أن الأمر لا يتطلب قرونا طويلة، والوضع متشابه بالهند وسنغافورة ، وقد سال مسئولا بسنغافورة إلى اين أنتم ذاهبون فقال عندنا الان الاسواق العالمية الرئيسية للالكترونيات الدقيقة وقد خصصنا 40 مليار دولار للتركيز على البيوتكنولوجي في السنوات العشر القادمة .
وفي عشر سنوات صارت ايرلندا وعدد افرادها 4 ملايين فقط من اكبر بلاد العالم تصديرا للتكنولوجيا الحديثة .
والطريق مفتوح أمام أي دولة تريد النهوض؛ فالخطوة الأولى هي تنمية الموارد البشرية القومية ويتطلب ذلك القضاء على الأمية وإصلاح التعليم .
أما الخطوة الثانية فتتمثل بإعادة بناء الدستورالوطني : بما يسمح بحرية الفكر والإبداع والحد من البيروقراطية وتخفيضها إلى الحد الأدنى، ومكافأة المبدعين ماديا ومعنويا، ثم تطوير قوانين جديرة بالثقة والاحترام يمكن تطبيقها على الجميع .
أما الخطوة الثالثة فهي بناء القاعدة العلمية : وهذا الهدف بالغ الأهمية بالنسبة للتطور والشراكة العالمية، ومع وجود قاعدة علمية قوية فإنه بالإمكان الارتقاء بالثقافة العلمية وتشجيع وتعزيز التفكير العقلاني وتعليم العامة وتثقيفهم ودرء موجات التشدد والعنف . .
ومن الخطوات التي ركز زويل عليها لتحقيق النهضة، ضمن محاضرته ببيروت، إنشاء نظام تعليمي جديد، يقوم على التفكير الناقد ورؤية جديدة للقيم الأخلاقية الاجتماعية والثقافية . ثم إنشاء مراكز تفوق متطورة . وصناعات جديدة تستند للعلم والتكنولوجيا المتطورة محليا، لا المستوردة من الخارج مع إنشاء مؤسسة وطنية للعلم والتكنولوجيا .
أكاديمية زويل
 
كما اقترح زويل إنشاء أكاديمية عربية للعلوم تضم أفضل الخبراء العرب وتتيح لهم تبادل المعرفة مع نظرائهم حول العالم ، ويكون ذلك بمثابة نواة بيت خبرة عربية لدراسة المشاكل الوطنية واقتراح الحلول التطبيقية للحكومات ، على أن تتمتع الأكاديمية بالاستقلالية الكاملة .
وبالطبع فإن النهضة الاقتصادية تستلزم نظاما إداريا مرنا لا يعتمد سياسة قتل الفيل الأبيض ببيروقراطية معقدة . ولا يمكن أن يتم أيضا بغير مكافحة الفساد وإطلاق الشفافية وهو معيار تراجعنا فيه كثيرا على المستوى العالمي
أما معيار الديمقراطية والشفافية واحترام حقوق الإنسان، وهو متراجع كثيرا بالعالم العربي، فهو عنصر لا غنى عنه لانطلاق أي بلد نحو الأمام ومواكبة العالم . والاستفادة من مميزات الغرب لأي نظام سياسي لا تعني التبعية له، ولقد ردت اليابان والصين على عنجهية أمريكا ليس بالصراخ ولكن بغزوها بالسلع والمنتجات وتحقيق نموذج تنموي رائد .
من مهاتير .. لعبدالكلام
زار زويل الهند وقد بهره فيها المظهر البسيط للغاية ورفعة التفكير الذهني، والولع بالقراءة، ويحتل العلم موقعا مرموقا هناك، ورئيسهم عبدالكلام أحد العلماء المطورين لبرنامج الصواريخ وعموم التجارب النووية، وحين زاره زويل في قصره المنيف فكر في نفسه : ها أنا في بلد يصل تعداد سكانه إلى المليار نسمة، ثم إنه بلد فقير ومترامي الأطراف، ويعاني ازدحام اللغات والمذاهب والأعراق، ومع ذلك وصل لقيادة ثورة المعلومات
مهاتير محمد
كما طاف د . أحمد زويل بماليزيا وبهره تقدمها السريع والخطاب الديني المستنير الذي يسودها . وقد بذل مهاتير محمد مجهودا هائلا منذ وضع كتابه “معضلة المالايو” عام 1970 لتحقيق التوازن بين طوائف الشعب بل ونجح بـ”تغيير عقلية المواطن الماليزي”، فغير نظام التعليم وجعله متفاعلا مع الثورات العلمية ، وبالتوازي عمل على تصحيح الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمالايو الذين يشكلون أغلبية السكان ولكنهم يحتلون الدرجة الثانية بعد الصينيين في المجتمع
ظل الماليزيون عمالة رخيصة حتى جاء مهاتير فتعاون مع الأنظمة الآسيوية المشابهة وجذب الاستثمارات بكل طاقته . وقد انتهج الإصلاح السريع – غير التدريجي – إلى التكنولوجيا الحديثة . شارك بنفسه في الخطة الاستراتيجية الوطنية للتنمية 2020 وأنقد التجربة الماليزية من الانهيارات الاقتصادية التي لحقت بآسيا في عقد التسعينات مقدما نموذجا للخلاف مع البنك الدولي والحفاظ على النجاح .
بعد عشرين عاما تنحى مهاتير فجأة قائلا : إذا كانت بلادي بعد كل هذا الوقت من تجربتي في الحكم غير قادرة على أن تمضي بمفردها، يصبح كل ما فعلناه خطأ” .. كان رد مهاتير على زويل حين سأله على سر النهضة : أن تجعل الشعب كله يفكر في المستقبل .

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا