محمد عبدالقهار : "الرواية التاريخية" كذبة يمكن تصديقها !

منذ أبدع السير الأسكتلندي والتر سكوت (1771-1832). روايته الشهيرة ” ويفرلي ” 1814 مازجا الخيال بالحقيقة بوضع تصور لهوية الأمة البريطانية ومستلهما أحداث الثورة الفرنسية، بدأ عصر ما يعرف بـ ” الرواية التاريخية ” والتي تدعي رؤية ذاتية أدبية لأحداث تاريخية معاصرة أو ماضية .
شهد بذلك الناقد المجري الكبير جورج لوكاش، مضيفا أن ” سكوت ” امتاز بالبحث عن التاريخ من وجهة النظر الشعبية وليس من القصور والحكام فحسب .
  وقد شهد الغرب بواكير الرواية التاريخية في القرن التاسع عشر بأعمال منها ” الكونت دي مونت كريستو ” و ” أحدب نوتردام ” و ” الحرب والسلام ” وعدد من الروايات التاريخية اللاحقة بالقرن العشرين في العالم العربي لجورجي زيدان وغيره .
ويؤكد صاحب روايتي ” سراينامة ” و ” غارب ” وهما موغلتان في التاريخ العثماني والأندلسي، الكاتب المصري محمد عبدالقهار، أن الرواية التاريخية ليست نصا تاريخيا مصاغا بشكل أدبي؛ وإنما تفاعل كامل من المبدع مع أحداث التاريخ ومحاولة لمحاكاتها على الورق، ورسم مسرح جديد وفق رؤيته قد تبدو فيه التفاصيل مختلفة عن الأصل، ولكن المهم أن تكون دوما قابلة للتصديق !
وفي محاضرته الثرية بمركز ” معرفة القاهرة ” وسط القاهرة أمس، تحدث ” عبدالقهار ” عن أهمية الوعي بالتاريخ عبر مصادره الوثائقية وروايات المعاصرين للأحداث، وتكمن براعة الكاتب في الإمساك باللحظات التاريخية الفارقة والتي غالبا لا نجد من يسجلها بالتاريخ، وأن يكون عمله مبنيا على فهم لمجريات الأحداث وخلفيات الأبطال التي أثرت لاحقا بسلوكهم؛ فنجد مثلا أن الملك فاروق كان يؤثر عدم المواجهة ولم يكن يحب أن يبدو قاهرا للشعب، وربما ساهم ذلك بموافقته على التنحي عن الحكم إبان ثورة يوليو .
وردا على تساؤل ” محيط ” عن روايته التي استلهمت سنوات تردي الإمبراطورية العثمانية، وما إذا وجد صعوبة بسرد تاريخ معقد للقاريء مع إضفاء بعد أنسني معمق بالشخصيات يجعل العمل أدبيا بحق، أجاب الكاتب بأن هذا الخيط الرفيع هو معضلة أي كاتب رواية تاريخية، وهو يسعى للتوازن بينهما بتوضيح السياق التاريخي من خلال الشخوص . واعتبر ردا على تساؤل آخر حول صراع ” الدرويش ” و ” الغازي ” والذي لم ينته لصالح أي من الطرفين، بعكس توقع البعض، فأكد أنه يختلف عن روائييي أوروبا الذين تلمسوا طريقا وسطا للإصلاح، أما نحن فعالمنا العربي الثالث غارق بالمواجع لدرجة يصعب معها وضع حل سهل يوفق بين المتصارعين !
وبسؤاله حول الأدوات التي يستعين بها ككاتب روائي للتاريخ، أجاب : بالطبع أعتمد على الوثائق والخرائط، ولكني أعتمد كثيرا على مصادر غير تقليدية يمكن أن تكون الدراما او الموسيقى أو حتى بعض الألعاب جزءً منها !
وفي محاضرته، أكد ” عبدالقهار ” أن كاتب التاريخ يسعى لسد الفجوات الناقصة، من خلال الخيال والواقع الذي يؤمن به، ويمكن أن يبدو رأيه واضحا بالعمل أو يترك الحكم للقاريء كما بالأعمال متعددة الأصوات، والتي يسرد فيها الأبطال الحقيقة من زوايا مختلفة، ويكون دور الكاتب دفعهم فحسب للبوح !
والراوي قد يكون عاصر الأحداث التي يكتب عنها ، كما فعل نجيب محفوظ في أعماله التي جسدت ثورة يوليو أو حتى ثورة 1919 التي سبقتها، ويمكن أن يكتب عن زمن مضى ، وهو النمط الذي يفضله الكاتب شخصيا؛ إذ يسمح الابتعاد بمزيد من الرؤية والاطلاع على روايات ووثائق لم تكن متاحة آنذاك، وتكوين رأي أكثر موضوعية من هؤلاء المنخرطين بالحدث في زمنه، وربما لذلك يصعب عليه أن يفكر بكتابة رواية عن الأحداث التي تلت ثورة يناير بمصر حاليا .
وهناك زمن للقاريء، فأحيانا نقرأ أعمالا كُتبت منذ عقود، وهنا لن ندرك الأشخاص الذين تحدث عنهم محفوظ بــ ” المرايا ” مثلا من النخبة الثقافية الفاسدة، وإن كان المعنى سيصلنا بشكل أكثر عمومية . لكن بالنسبة للكاتب تكون الكتابة عن زمن مضى فرصة عظيمة لمزج قضايا اللحظة الراهنة بما كان في الماضي .
لكن هناك سؤال يتردد دائما حيال الإبداع المبني على أحداث تاريخية، ما هو الحد الفاصل بين الخيال والحقيقة؟ ومتى نقول أن هذا العمل طرح رؤية جديدة للتاريخ، ومتى نقول أنه قد شوهه؟ !
ويرى الكاتب أن الفيصل هو مدى قابلية الحكاية للتصديق، فمثلا حين نرى فيلم ” الناصر صلاح الدين ” ونجد أن البطل يتحدث عن معانى القومية العربية والوطنية، مع علمنا بكونه كردي، ندرك أنها سقطات لا يمكن تصديقها ليس بسبب عرقه فحسب بل لأن هذه الأفكار لم تكن مطروحة وقتها، تماما كما نرى ببعض الأعمال الشيخ يتحدث لسلطان مملوكي عن ” الديمقراطية ” وهي لم تكن معروفة على الإطلاق آنذاك .
وهناك مثلا من جعل طائفة ” القرامطة ” الذين أشاعوا الثروة بينهم، أبطالا للعدالة الإجتماعية، وهم في الحقيقة قاموا بانتهاكات عظيمة بحق المسلمين بينها قطع طريق الحجاج وإلغائه !
وانتقل المتحدث بعدها لطرح أمثلة شيقة لروايات تاريخية سبقت عصرها ، وبالطبع كانت البداية مع ” أبو الرواية التاريخية ” كما يصنفه بعض النقاد ، والتر سكوت .
روائع والتر سكوت
كما ذكرنا فإن هذه الرواية كتبت بالقرن التاسع عشر، وقد سعى صاحبها لرصد مشكلات المجتمع البريطاني الذي يعيش فيه، والصراع مع العشائر الاسكتلندية، فكان البطل متعاطفا مع ثورتها رغم انتمائه لعائلة ارستقراطية بريطانية وانضمامه بصفوف الجيش . لكن النقطة المركزية بالرواية أن ” ويفرلي ” لم يدعم ثورة العشائر للدرجة التي تشق بها صف الأمة، وسعى لطريق وسط إصلاحي، يعبر تماما عن أزمة الهوية بالمجتمع البريطاني ودعاوى المحافظين الإصلاحيين آنذاك .
ظهرت تلك الرواية على ضوء الأفكار الكبرى التي حركتها الثورة الفرنسية نهاية القرن الثامن عشر، وقد كان للجمهور دور فيها لأول مرة ، بعد أن ظل متفرجا على صراع الإمبراطوريات والإقطاعيين والملوك، تماما كما كانت مصر بالعصر المملوكي ، فالشعب اعتاد تبدل السلطة بين الأمراء المتصارعين والدول الكبرى ، وهو لا يهمه من ذلك شيء سوى توفير سبل الحياة له .
لقد سعى منظرو الثورة الفرنسية لجعلها خارج أطر السياسة والاستيلاء على السلطة، ولتكون صراعا بين الملكية الإقطاعية وأصحاب الأرض والحق المقموعين، وكان الطرف الآخر يسعى لاستغلال آلة الدعاية، وبرغم نجاح الثورة، لتصوير حياة أوروبا بالقرون الوسطى وفروسية أبطال الحروب الصليبية ، من وجهة النظر الغربية، في محاولة لإبقاء صورة العصر الملكي المشرقة بعد أن أزاحتها الجمهورية الجديدة .
وقد التقط والتر سكوت خيط الحروب الصليبية ليبدع روايته الأشهر ” إيفانهو ” وهو صديق ريتشارد قلب الأسد، ورغم أن ريتشارد كان نورمانديا، والصديق أنجلوساكسوني، والصراع على أشده بين الطرفين، وهو ما انتهى بعلو النورمانديين بعد فوزهم واكتساحهم بريطانيا وازدرائهم للأنجلو ساكسونيين، وبرغم ذلك كان إيفانهو بطل الرواية مخلصا لريتشارد على المستوى الإنساني وفي ساحة القتال، ولكن بعد أن رحل ريتشارد تنحى الصديق عن المشهد، لماذا؟ لأنه خدم رجل شعر بعدالته، وهي صفة لا يمتلكها أتباعه . هنا الرواية تكرس قيمة العدل كخيار وحيد لالتقاء الفرقاء بالوطن الواحد .
التاريخ برؤية مغايرة
واحدة من أشهر روايات أمين معلوف، وقد ظهر بطلها مغايرا لقصته الحقيقية، منذ تم أسره من غرناطة بحوض البحر المتوسط واقتياده لروما حيث يتم تعميده ويكتب مهاجما المسلمين، لكنه بالرواية نجده يتحول للإسلام بل ويخلص له، وتكون نظرته شاهدا على عصر العبودية وعلى قيمة التنوع العرقي والديني ، باختصار جعله الراوي جسرا للحضارات .
وكذلك فعل صاحب ” ميرنامه ” جان دوست حين اختار صاحب أسطورة ” ميم وزين ” الشهيرة، وقد أحمد الخاني ، وجعل جنازته تقطر فيها السماء حبرا، فيدور جدل كبير بين المشيعين عن حياة هذا الرجل، وقد سعى لبعث أمجاد الإمبراطورية الكردية القديمة وسيرة أشهر أمرائها . وقد استدعى جان دوست - روائي سوري كردي - هذا السياق في ظل أزمة عاصفة تمر بعرقه وقومه الأكراد المتنازعين بين السنة والشيعة والمتفرقين في الولاءات ، فسعى لبعث الهوية الكردية من جديد .
صوت الحضارات
وفي رواية ” جسر على نهر درينا ” رائعة إيفو أندرتش، سنرى بلغراد أيام الحرب العالمية الثانية، حيث القوى الكبرى تتطاحن على أشلاء الأبرياء، ويظل الصدر الأعظم العثماني محمد باشا سكولوفتش مبتئسا لكابوس يداهمه؛ حيث يرى أخدودا يشق صدره، فيقرر الرجل أن يبتني جسرا يربط طرفي نهر درينة، وكان الناس يعانون مع المراكب الخشبية الضعيفة من أجل عبوره، وهذا الجسر في الحقيقة الذي تخيله الكاتب كان الأوروبيون قد ضربوه بالحرب العالمية الأولى، ثم شهد مرة أخرى مذابح المسلمين مع مطلع التسعينات في ظل موجهة عصبية تشهدها البلقان . فكان الراوي قد وضع الجسر رمزا لالتقاء حضارات بين الصرب والمسلمين الأتراك والغجر والكروات ، ولكنه لم يكن يوما كذلك ! .
وقد جسدت رواية أندرتش كيف صار الجسر ملاذا للأسر البلقانية في نهايات العصر العثماني حتى نسجت حوله الأساطير، ثم كيف نهض الصرب بعد استيلاء النمسا على البلقان، وقد سعوا لهدمه ونصب حائط يمنع الفيضان الذي اعتاده البلقانيون، فكان ذلك إيذانا ببداية صدمة جديدة من العصر العثماني وعقليته لعصر أوروبي مادي تماما .
 ” لقد كان الجسر فريدا في صورته، ينصت لحكايات أهل ” فيشغراد ” تمر أمواجه الصافية من تحت قناطره الملساء .. ويوم أن اُشتعل فتيل الحرب بين البوسنة والصرب قاوم الجسر جاهداً أن يصم اذنيه عن هدير المدافع ودوي القذائف .. وحاول أن يغمض عينية عن صنوف الآلام والعذاب تلك التي تتوارد من كل صوب ... ولكنه لم يستطع .. انشق لشطرين حاولا في كثير من الألم أن يلتقيا .. “ إنها الحرب !

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا