"شيطان صغير عابر" يوقظ أحلام وأوجاع المصريين

آلام الهجرة والفساد ومستغلي الدين في رحلة صحفي متمرد

عمار حسن : سرد عذب مشوق .. وسيرة اغتراب يعيشها الوطن

عصرنا لا يؤمن بـ”الخط الواحد” و”التصنيف الحديدي للإبداع”

جلال أمين : أنصح بقراءتها بشدة .. وأثرت بحالة الشجن الواعية

ولـ”محيط” : أبي أعجب بهارون الرشيد “العاكف” و”زير النساء”!

مؤلف السيرة : أنا قاريء ملول ويعنيني التجريب في الإبداع
“ضربنى هواء القرية لا شك فوصلت أحلامي للسماء ،عواء ذئب ،ربما ،أو صوت بشرى مخيف يتجول فى الحقول المرعبة ليلا ، كان كفيلا بأن ينزل بأحلامى إلى أرض الواقع ..عدت وفوق أكتافى جبال من هم ،أجر ساقىَّ أو تجرنى ساقاى ،ماذا يفعل مثلي بأحلامه التى لا يجرؤ حتى على البوح بها لأحد ..عايز يبقى صحفى ..ده أكيد مجنون ..وكنت بالفعل مجنونا ،وأكره نفسى حين لا أكون هذا المجنون .”
أصر المتمرد القادم من صعيد مصر أن يحقق حلمه ويكسر حرمانه الطويل بالدق على أبواب صاحبة الجلالة في القاهرة .. احترق كي يواتيه إشراق وكانت مدينة الزحام لا ترحم غريبا .. وقد اعترت رحلته مشاهد ووجوه لا تنسى، حفرت بعمق في جدار ذاكرته، وألحت كثيرا حتى كانت سيرته الروائية “شيطان صغير عابر”
وفي مكتبة “البلد” احتشد عشرات الكتاب اللامعين بصحيفة الأهرام من زملاء مؤلف السيرة الكاتب محسن عبدالعزيز، وهو صاحب عملين قصصيين لافتين “ولد عفريت تؤرقه البلاد” و”مروة تقول أنها تحبني” إلى جانب كتابين عن الاستبداد وعواصف الحرب والسلام بزمن ناصر والسادات.
حظيت السيرة الروائية بمناقشة حميمية بصحبة الكاتبين الكبيرين د. جلال أمين ود. عمار علي حسن ، خبيرا علم الإجتماع السياسي فضلا عن اهتمامهما العميق بالأدب ،وقد أدار النقاش الكاتب محمد حربي
ذاكرة جيل
يقول د. عمار حسن : الرواية عبرت من خلال ذاكرة البطل عن واقع أبناء قرية في محافظة المنيا، وأحلامهم في التحقق والتي تلاشت على صخرة الواقع الأليم، بعضهم اضطرته ظروفه للهجرة في نهاية السبعينات حيث فورة النفط في الخليج وشظف العيش بالوطن، تركوا الأهل والأرض وراحوا يفتشون عن جني المال لتأمين حياتهم، وكثير منهم ضاع عمره هباء فلم يتحقق بالداخل أو الخارج!
والرغبة في التحقق التي قادت بطل الرواية هي ما جعلته يسافر للقاهرة ليلتحق بالعمل الصحفي الذي وجد في نفسه ما يؤهله إليه، وقد قاسى ما قاساه كل القادمين من الريف أو الصعيد ، حالة غربة تامة، ومع ذلك استطاع بمثابرته أن يشق لنفسه طريقا بعالم الصحافة المضني، وشاهد تفشي الفساد بألوانه في أكبر مؤسسات مصر وارتباط ذلك بالسلطة الحاكمة وهو ما كان مؤشرا لثورة المصريين في 2011
ولأن الذاكرة انتقائية، سنجد بالرواية لمحات شاردة لوجوه وأحداث مرت بالبطل منذ نعومة أظافره وحتى نضجه ، ومقارنة بين قرية من صنع الرب، ومدينة يبدو كل ما فيها قاسيا من صنع البشر. لكن حياة القرية الوادعة لا تخلو مما يعكرها؛ فقد شهدت بداية الثمانينات تصاعد سطوة تيارات الإسلام السياسي التي ارتدت عباءة الدين واحتلت منابر الدعوة بأفكارها المتشددة وكانت أداة بيد السلطة والمفسدين يوجهونها لحيث شاءوا!
وسنرى الرواية بثوب جديد يجربه المؤلف ، فصولها قصص منفصلة مستقلة بذاتها ولكنها بالوقت نفسه متناسلة تربطها حبال سرية تعبر عن رحلة حياة الراوي، وقد بدت لغتها عفية شاعرية واستلهمت تقنيات القصة المكثفة وانطلقت بخيال خصب للأديب .
تبدأ الحكايات مع “محسن” الطفل اليتيم الذي يعيش الحرمان برحيل أمه المبكر وزواج أبيه وهجر أخوته للبيت القديم، ومن ثم رحلته مع الرفاق الذين مارس معهم هوايته بلعب كرة القدم أو هؤلاء الذين صادقهم بفصول الدراسة، والفتيات اللاتي أيقظن أشواقه مبكرا .
وسوف نرى بواكير علاقة البطل بالكتابة منذ مجلة القرية التي اعتبرها الجميع “بدعة” وكان الكاتب يكتب تقريبا جميع موضوعاتها بأسماء مختلفة، وكانت عين لإصلاح القرية من الفساد، ولكنها توقفت فجأة بعد عشرين عددا!
وفي المدينة يكون “المتمرد” قد تبدلت نظرته البسيطة لأخرى ناضجة بحكم المعاناة والخبرة، ويكون شاهدا على الانفتاح الاقتصادي وفساد المؤسسات الصحفية وصولا لثورة يناير وحكم الإخوان الذي تلاشى بعد عام بعد ثورة شعبية .
سيرة مدهشة
د. جلال أمين من جانبه أشاد بالكتاب ونصح بقراءته بشدة قائلا أنه استمتع شخصيا بقراءته ولا يهمه تصنيفه إن كان قصة أو سيرة أو رواية، فهو سرد عذب خفيف الظل لسيرة الكاتب وحافل بذكريات دالة وفاصلة، وامتدح حالة الكتاب الرومانسية والواقعية معا؛ سنجد حالة الحب العذري التي تربط الصبي بفتاة في الإعدادية، يسيران في الشارع القريب ولا يتحدثان بكلمة ويكون تلامس تنورتها لجلبابه هو “الحب الكبير” ثم مع بلوغه الثلاثين يحلم في القاهرة بزينات صدقي في “شارع الحب”أو كاريوكا في “شباب امرأة” .
ثم نجد حالات غريبة بالقرية من هؤلاء المبهورين بأول راقصة تصل لأفراحهم، وحالة النشوة التي أوصلتهم لمتابعتها للصباح، وعلى النقيض يكون الشيخ هلال بعد سنوات أول من ألبس زوجته نقابا أسودا وسار بمكبر يعلو سيارته يهتف ليغيظ النصارى!
سأله “محيط” هنا عن إمكانية جعل شباب القرية ينتشون بمشاهدة راقصة حتى الصباح ثم يسيرون كما جاء بنص الرواية “بكامل إيمانهم” لنور الله وقد حانت الصلاة! وقال أن الإنسان يجمع أحيانا بين هذه المتناقضات، وقد كان أبوه المفكر الإسلامي أحمد أمين معجبا بشخصية هارون الرشيد، وكتب عنه لأنه برأيه كان صادقا غير منافق، وقد جعل أسبوعا للنساء وأسبوعا للاعتكاف والعبادة !!!
ومرة ثانية نجد روح الإسلام السمحة مع الشيخ “عبدالسلام” وكان الناس يخشعون بالمسجد خلفه، وإن لم يفهموا معاني الآيات!
وتحمل السيرة ذكريات مؤلمة؛ فما أقسى ألا تتذكر مثلا وجه أمك! تفاصيله وملامحه برغم أن موتها كان يشكل للراوي نهرا من الأحزان لا ينقطع . وقد عانى جلال أمين نفسه من ذلك واكتشف أنه لا يدرك تفاصيل وجه أمه جيدا وهو يكتب سيرته “مكتوب على الجبين” وهو بالمناسبة لا يعتبرها أيضا رواية فهي فصول متقاطعة من الذاكرة اتخذت شكلا قصصيا .
لغة الرواية جميلة برأي المفكر المصري، ولا يعيبها تداخل مفردات عامية مع الفصحى، وإن كان ذلك أحيانا غير مبرر . أما السرد فهو مسترسل لم يقطعه سوى فصلين بالنهاية عن “رفيع بك” رئيس التحرير الفاسد، و”مختار” شيخ القرية المتواطيء مع الحزب الوطني ومن بعده الإخوان، وكان الكاتب يرى أنهما أقحما على السيرة فكانت لغتهما وسياقهما لا يسير مع روح الحكاية. وكثيرا ما نرى هذا بروايات السيرة الذاتية، كما يؤكد “أمين” ؛ فقد أصر جورج أورويل في رائعته “1984” على إدماج ملحقين ختاميين أحدهما يتحدث عن الفساد والآخر عن تفكك اللغة في المستقبل! برغم عدم علاقتهما بالمرة بالنص، وفعلها لويس عوض في رائعته “أوراق العمر” حين كتب بالختام عن “ريا وسكينة” !
مع القراء ..
اعتبر الكاتب الصحفي صلاح سالم أن سيرة محسن عبدالعزيز جسر يعبره لعالم الرواية، ولا أحد يعلم هل يجتازه بالفعل أم يعود لعهده كقاص محترف ذو خيال ولغة فياضة مكثفة وثقافة واسعة .
وقال الكاتب نبيل عمر أنه أعجب بالسيرة وخاصة أن لغتها خفيفة الظل وكاشفة لوقائع هامة بحياة المصريين، وقال أن العامية لها تاريخ كبير في الروايات المصرية منذ محفوظ والحكيم، وهي لغة لها جذورها الثرية . ومن جانبه بدا الكاتب سمير الشحات سعيدا بالسرد المشوق الدال والمكثف المناسب للقاريء العصري .
أما الكاتب فاروق هاشم فأشاد بالكتاب وخاصة فصل “رفيع بك” والذي نطقه “نافع بك” في إشارة لرئيس تحرير معروف لصحيفة قومية كبرى ارتبط بالسلطة في مصر وتوغل الفساد الصحفي بالنقابة والأهرام بعهده . نرى ترضيات الوزراء له وعلاقاته المريبة بالصحفيين وصعود غير ذوي الكفاءة وتردي الموهوبين بعد تبدل المعايير في الزمن الجديد .
وقال مدير الندوة أن “الشيطان العابر” خدعة جديدة من الكاتب، فهو يعني التمرد على الواقع، وهو ليس عابرا كما نظن ولكنه مقيم بداخل روحه . وقد سعى الكاتب للتجريب باللغة والشكل وكانت سيرته متوازية مع أحلام وطنه.
أما كاتبة السطور بـ”محيط” فعلقت بأن السيرة تحمل نفس الأديب والصحفي معا؛ فصول قصصية متشابكة ومتصاعدة تشكل بورتريهات عميقة لوجوه عرفها . وفيما كانت فصول القرية تتمتع بنفس هاديء متصاعد يستلهم وجع وأفراح الصبا ، تختلط فيه الطبيعة بوجدانه بشكل مرهف، ونرى سردا محكما خفيف الظل، نجد السرد متسارعا في “المدينة المزدحمة” ولغته واقعية وهو يقفز لمحطات متباعدة فنرى غربته ثم التحاقه بالصحافة القومية على يد “عبدالوهاب مطاوع” وكان من النادرين بموقعه في اختيار الكفاءات بلا محسوبية، ثم نراه يقفز سريعا لفساد المؤسسة المتأصل مع “رفيع بك” ويقذفنا لأتون ثورتي يناير ويونيو، وربما بالفعل كان الكاتب يعدنا لسيرة مفصلة لأيامه الصحفية بالقاهرة .
وقد اشتبك الكاتب بحكم كونه صحفي مع هموم المصريين من اضطرار للهجرة وصعود للمنتفعين المحسوبين على الدين حتى أن الشيخ “مختار” الذي دعا للحزب الوطني على المنبر هو نفسه من عمل كـ”مقاول أنفار” لنصرة المجاهدين برابعة، ومن ثم سافر هربا لنيجيريا بعد سقوط النظام!
الغريبة أن المرأة لعبت أدوار الأم أو مصدر الغواية في السيرة، وكثير من المحطات لم نجد الكاتب قد توقف عندها، مثل مرحلة تحققه الفعلي بالصحافة في القاهرة، وهو ما يجعل القاريء يشعر بعفوية الكاتب سواء في السرد حين يقول مثلا “لماذا اقتحم شقيق المشير عامر الرواية .. المهم” وهو يقطع لعبة السرد ، أو في اصطياد تلك اللحظات والوجوه المؤثرة والأكثر إلحاحا بحياته ، وربما روى تتمتها لقاريء شغوف.
وردا على تساؤلات الكتاب بخصوص توصيف السيرة هل هي رواية أم قصص، اعتبر “عمار” أن التصنيف الحديدي للسرد الأدبي مسألة قديمة، مع عصر يتبادل فيه الكاتب والقاريء التغذية ويعيش الناس بوعي شبكي على الإنترنت ومعارف وأشكال متداخلة ، وليس كما الأجيال التي تحكمنا “خطي” لا يعرف إلا اتجاها واحدا
وأكد أنه رغم تقدم العصر لازلنا نرى نجاحا كبيرا بمبيعات روايات ذات “ألف صفحة” والعكس أيضا صحيح ، فكل جديد لا ينسخ سابقه ويظل له معجبوه، ونجد مثلا أننا بعصر انتعاش الرواية وتسابق الناشرين عليها نتيجة طلب القراء والأهم الجوائز لهذا الشكل، وهو ما دفع الكثير من كتاب الشعر والقصة للاتجاه للرواية، تماما كما حدث بأوروبا بموجة انتعاش رواياتها الكلاسيكية ووجد “عمار” برسالته للدكتوراة أن دعم الدوريات الثقافية لهذا الشكل ساهم بشكل كبير في كتابة الروايات
.وأخيرا علق كاتب السيرة محسن عبدالعزيز بقوله : أنا قاريء ملول برغم أن حولي آلاف الكتب، ولذلك أحرص على وقت القاريء ولا أتحمل كتابة سرديات مطولة، وبالفعل فقد كتبت صورا من الذاكرة، وكانت روح التجريب بالشكل تسوقني لتقديم شيء مختلف، والمهم أن يصل للناس ويعتبرونه إبداعا حقيقيا، ولا يهم التصنيف، فقد كتب محفوظ “أصداء السيرة” بشكل مختلف، وكسر إدريس حاجز اللغة في “أرخص ليال” وكسر ماركيز في “مائة عام من العزلة” الأنساق الكلاسيكية ودخلنا بواقعية سحرية، ولهذا فالتجريب أعتبره شرطا للعمل الأدبي .

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا