عفاف عبد المعطى تكتب: لماذ تموت الكاتبات كمدا؟ بين سوء الطوية ونٌبل القصد

عندما فرغت من كتابى المرأة والسلطة (إصدارات كتاب الهلال) ظلت الأفكار تراودنى أن القضية لا تزال محل كتابة وأن الأمر لم ينته بعد، فالمرأة المناضلة قد وفيًّناها بحثا وكتب أخرى وفّتها ولم تكن الكتب التى صدرت حول المرأة (مثل امرأة مختلفة/درية شفيق ) أو (نبوية موسى ومدارس الإشراف) إلا نسج على منوال استحقاق المرأة للكتابة عنها، ثم يأتى كتاب الشاعر والمثقف المهم شعبان يوسف "لماذا تموت الكاتبات كمدا؟ " ليسلك الدرب نفسه وإن كان متجاوزا لقضايا أكثر شائكية مما طٌرِح من قبل.
فى مقدمة أو مجرد مقدمة كما وصفها الكاتب شعبان يوسف تظهر غاية الكتاب أو كما وصفته فى العنوان نُبل القصد، فأين المرأة المبدعة من الدور القيادى، فإذا كان للمرأة دور قيادى شعبى فى الثورات الشعبية المختلفة كسيزا نبراوى وهدى شعراوى فى ثورة 19، أو دور حزبى مثل إنشاء حزب بنت النيل للرائدة درية شفيق، فأين دور المرأة القيادى الآن؟ وهل الكمد ناتج فى فراغ ذلك الدور وإحساسها بالإقصاء عن هذا الدور؟ هذا هو السؤال الأكثر حساسية فى الكتاب.
لقد قدم شعبان يوسف بمهارة رصدا للدافع الذى يجعل الكاتبة تصل فى مرحلة من حياتها بعد كفاح مرير وصولا إلى درجة من اليأس لا فكاك منها تودى بها الانتحار وصدّ على ذلك بـأنها "لا توجد فروق جوهرية بين انتحار فرجينيا وولف فى مطلع الأربعينيات، وبين انتحار عنايات الزيات فى الستينيات، ودرّية شفيق فى السبعينيات، وأروى صالح فى التسعينيات، الفروق تكمن فى التفاصيل، وفى الزمان والمكان".
ثم يواصل الكاتب شعبان يوسف رصد متباين لسيدات مختلفات وصلن أولا بفعل فاعل إلى حالة من الإقصاء الذى أودى بحياتهن بعد أن شعرن بالتهميش والاحساس باللاجدوى، فكاتبة موهوبة وعالمة فى الرياضة وأستاذة أكاديمية، كانت رابطة الوصل بين الحركة الطلابية المصرية والحركة الطلابية والشبابية فى فرنسا عام 1968،هى القاصة وعالمة الرياضيات ليلى الشربينى، والتى نشرت خمس مجموعات قصصية، وقد حدث لها بعض الخلل النفسى لأسباب اجتماعية وسياسية مرعبة، وانتهت حياتها فى عزلة تامة دون أن يعرف أحد عنها أى شىء، ودون أدنى اهتمام من الحركة النقدية بكتابتها، كذلك المناضلة الطلابية سهام صبرى، وكانت أبرز قيادات الحركة الطلابية فى السبعينيات، والتى تركت علامات إيجابية واسعة فى جيل كامل، وانتهت حياتها على عتبات زواج فاشل لتلحق بليلى الشربينى، وتنتابها الأعراض النفسية ذاتها، وقد وردت سيرتها بشكل واسع فى رواية "فرح" للكاتبة الراحلة رضوى عاشور، وكذلك صدر كتاب كامل عنها أعدّه وحرره الكاتب الروائى فتحى إمبابى وهذه نماذج قليلة من كاتبات تعرضت حياتهن لعواصف من المحرمات والممنوعات، وقد ناضلن ضد تلك المحرمات، ولكن كانت صخرة التخلف والرجعية أقوى.
وبالطبع فما طرحه الكاتب الكبير شعبان يوسف سبب كبير آل بتلك الكاتبات إلى ما صرن إليه، فالتهميش الاجتماعى وعدم الاعتراف للمرأة بأى جهد آل بأكثرهن إلى ذلك المصير المظلم الذى أودى بحياتهن.
وهو ما يؤكد به شعبان يوسف كلامه عن نموذجين آخرين يكرس بهن الفكرة نفسها فكرة نكران الواقع لجهد ووجود وتحقق المبدعة ثم حصر دورها وتهميش منجزها ففكرة التقليل والاستصغار والتقزيم هى الأساس ويكرس يوسف لذلك بنموذجين آخرين هما الكاتبة الراحلة ابتهال سالم، والتى ماتت وحيدة، ولم يدركها الآخرون إلا بعد ثلاثة أيام، وكذلك إصابة الكاتبة نعمات البحيرى بمرض السرطان وهى فى عزّ العطاء الفنى، ويستطرد شعبان" أعرف أن تلك النهايات موصولة بشكل أكيد بالملابسات والبدايات التى أدّت إلى ذلك، ومهما كانت أشكال المقاومة التى بدت وظهرت وقويت عندما غزا أجسادهن المنهكة، إلا أنهن كان لابد أن يعشن حياة كريمة، وظروفا أكثر إيجابية، واهتمامات فعّالة بما يكتبن ويبدعن ويقدمن من مجهودات إيجابية متنوعة".
بشكل وثائقى دقيق استطاع شعبان يوسف أن ينكأ جراح القارئات قبل الكاتبات وأن يكون الصوت العادل الذى كشف مأساتهن من شروق ملك حفنى ناصف المبكر وغروبها الفاعل، مرورا بصُنّاع مأساة مى زيادة، حتى معطف نازك الملائكة الذى تم تمزيقه، وكذلك أوليفيا عبد الشهيد الأقصرية التى استترت خلف اسم الزهراء كى تستطيع أن تكتب وتترجم فكانت هى الدينامو الذى أخرج مجلة "فتاة الشرق" لصاحبتها لبيبة هاشم، وقد أفرد فى الكتاب فصولا كاملة ليست كتابة بقدر ما هى إدانة لمنظومة سياسية واجتماعية آلت بالمرأة المبدعة إلى ما صارت إليه فعاشت وسط مجتمع داخلى (أى المنزل ) لا يُقدرها، وكذلك عانت من مجتمع خارجى لا يقهرها فحسب بل يقهر فيه القوى الأضعف.
إن الإدانة التى يوجهها الكتاب لنظرة الواقع المصرى للمرأة ومن ثم تعامله معها ليس اجتماعية سياسية عامة فحسب، بل أدبية أيضا منذ كتاب العقاد " شعراء مصر وبيئاتهم" 1937 حتى كتابات العصر الحديث عن نازك الملائكة وأيضا كتاب الدكتور محمد عبد المطلب "قراءة أسلوبية فى الشعر الحديث.
وعليه فإن كلمات لطيفة الزيات فى تقديم رواية "يوميات امرأة" مسترجلة للكاتبة سعاد زهير هى أبلغ تعبير عن واقع المرأة الحياتى والنظرة السياسية والاجتماعية الخاطئة من أُولى الأمر على ما يربو عن القرن مما أوى بها إلى الانحسار ثم الانكسار ثم الانتحار تكتب الزيات: "إن بطلة الرواية إحدى معالم هزائمنا الفردية "نحن النساء.. فمن معاناة بلا حدود نتيجة التربية التى تفرق بين الرجل والمرأة، إلى مفاهيم متخلفة تضع حدودا ما بين الحب والجنس، وتطرحهما كنقيضين لا يلتقيان، مما يصيب المرأة بالبرود العاطفي، إلى ازدواجية المعايير الأخلاقية والسلوكية التى تبدو واضحة ملموسة فى الرواية، تومئ بشكل فاجع إلى تعاسة حياتنا".

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا