حتى لا تتكرر مأساة السكر ويسقط الأرز فى قبضة المحتكرين.. اسعار الحكومة تدفع الفلاحين لبيع محصولهم للتجار.. والفلاحون: نبيع لمن يعرض سعراً أغلى.. وخبراء يرسمون طريق الخلاص من تجار قوت المصريين

تشهد الأسواق نقصا فى بعض السلع الأساسية وعلى رأسها الأرز، نتيجة لانخفاض الكميات الموردة من الفلاحين إلى المضارب الحكومية، وهو ما دفع الحكومة لإعلان استيراد 500 ألف طن أرز من الخارج لتعزيز احتياطيات السلع الاستراتيجية بالسوق.
وترجع بداية القضية إلى إعلان وزارة التموين سعر توريد الأرز من الفلاحين بقيمة 2300 جنيه لطن أرز الشعير رفيع الحبة، و2400 جنيه لطن الأرز عريض الحبة، وهو المبلغ الذى شعر الفلاحون أنه لا يتناسب مع تكلفة إنتاجه، ولا يحقق هامش ربح مناسب لهم، فى الوقت الذى عرض التجار أسعارا للشراء تراوحت ما بين 3000 – 3200 جنيها للطن، بزيادة 600 – 800 جنيها للطن، عما أعلنته الحكومة، وكان من الطبيعى أن يتوجه الفلاحون لتوريد محصولهم بالكامل إلى القطاع الخاص بدلا من الحكومة.
احتكار التجار للأرز
وخلق هذا الوضع حالة من الاحتكار لدى عدد محدود من التجار بالسوق، فى الوقت الذى تنخفض فيه الكميات الموردة لشركات المضارب الحكومية البالغ عددها 8 شركات على مستوى الجمهورية، والحكومة من جانبها ألقت اللوم على الفلاح الذى لجأ للمحتكرين، وفى المقابل دافع الفلاح عن حقه فى تحقيق هامش ربح مناسب لمجهوده وإنفاقه فى الزراعة طوال الموسم.
يقول المهندس محمد معوض رئيس شركة مضارب البحيرة المملوكة للقطاع العام – إن الأرز الشعير لم يختف تماما من المضارب الحكومية، ولكن تراجعت كميته، مشيرا إلى أن شركته تلقت حتى الآن 6 آلاف طن فقط من الأرز الشعير المورد من الفلاحين، لكنه يتوقع أن ترتفع الكمية مع استمرار موسم التوريد حتى 10 نوفمبر المقبل للأصناف التى يتأخر ضمها.
وأرجع معوض تراجع الكميات الموردة لمضارب الحكومة لوجهة النظر الاقتصادية للفلاح وقال: "الفلاح عايز يكسب فيجد بعض التجار المغرضين يعرضون أسعارا أعلى للشراء فيبيع الفلاح لمن يعرض أكثر".
وتابع: "الأرز الشعير كان يباع فى السوق بحد أقصى 3200 جنيها للطن، ولكن بعد الحملات التموينية المكثفة خلال الأيام الماضية بدأ الأرز المخزن يظهر وانخفض سعره من 2600 إلى 2650 جنيها للطن".
وأكد رئيس شركة مضارب البحيرة المملوكة للقطاع العام أن الشركة حكومية ولا يمكن شراء محصول الأرز من الفلاحين بأعلى من السعر المعلن رسميا، وهو 2400 جنيه للطن، مشيرا إلى أنه إذا رفعت الحكومة سعر توريد الأرز إلى 3000 جنيها، سيصل سعر طن الأرز الأبيض إلى 6 آلاف جنيها للطن، وهو ما يعنى أن يباع للمستهلك بسعر 6.5 إلى 7 جنيهات للكيلو، وهذا سعر مرتفع.
وفى المقابل لجأت الحكومة لاستيراد الأرز من الخارج، معلنة أنها تستهدف استيراد 500 ألف طن، تبدأ بـ100 ألف طن طرحتها فى مناقصة الأربعاء الماضى، ولكنها تأجلت للاثنين المقبل حتى استكمال الأوراق.
والمثير للجدل أن الموسم الحالى لعام 2016 شهد زيادة كبيرة فى محصول الأرز نظرا لزيادة المساحات المزروعة بالمخالفة لقرار الحكومة، حسب ما أكده رئيس شركة مضارب البحيرة، مشيرا إلى أن إنتاج العام الحالى بلغ 7.5 – 8 مليون طن، بزيادة حوالى 40% عما تنتجه مصر سنويا من الأرز الشعير، وهو ما يكفى استهلاك العام الحالى، والعجز المتوقع فى محصول العام المقبل نظرا لخفض المساحة المزروعة بحوالى 700 ألف فدان.
تعطيش السوق
وبرر المهندس محمد معوض رئيس شركة مضارب البحيرة أزمة الأرز رغم الإنتاج الوفير هذا العام، بقيام التجار بتعطيش السوق بحثا عن المكسب الكبير، موضحا أن الموسم الماضى ورد المزارعون الأرز بقيمة تراوحت بين 1700- 1800 جنيها للطن، وفوجئوا بوصول سعره إلى 4200 جنيها للطن الشعير، وبالتالى ما يحدث الآن هو محاولة لتعطيش السوق بحثا عن مزيد من الربح المتوقع، وهو ما يتم مواجهته الآن بتكثيف الحملات التموينية، متوقعا أن يشهد السعر انخفاضا خلال 10 أيام بسبب حملات التموين.
عبد المنعم جمعة صاحب مضرب أرز بالقليوبية "قطاع خاص"، قال إن الأرز متوفر لكن الفلاح هو السبب فى قلة تواجده بالسوق، لأنه ينتظر ارتفاع أسعار الأرز كما كان الحال فى العام الماضى، إلا أن اصحاب المضارب بحسب قوله يشترون حصة تكفيهم يوما بيوم.
وأكد جمعة أن أسعار الأرز من الفلاح تصل إلى 2700 جنيه للطن، وبعد عملية الضرب يتوقف السعر على درجة نقائه من الكسر، فالأرز بنسبة كسر زيرو يصل سعره إلى 5100 جنيه للطن، فى حين تتراوح باقى الدرجات بين هذا السعر وبين 4300 جنيه للطن أقل درجة نقاء من كسر الأرز.
أحمد عجلان صاحب مضرب بكفر الشيخ، أكبر محافظات مصر إنتاجاً للأرز، قال إن الإرز متوفر لديه، وأن أسعاره فى حدود 4150 جنيها للطن من المضرب إلى التجار.
شعبة الأرز: معندناش أزمة
أما رجب شحاتة رئيس شعبة الأرز بغرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات فقال: "معندناش أزمة فى الأرز.. المحصول متوفر فى كل أنحاء مصر، وبأسعار منخفضة، لكن لجوء الحكومة للاستيراد هو محاولة منها لتكوين احتياطيات من السلعة الاستيراتيجية وهذا حقها".
وبرر شحاتة لجوء الفلاحين لتوريد الأرز إلى تجار القطاع الخاص وعدم التوريد لشركات المضارب الحكومية، بأن الفلاح يشعر أن سعر توريد الحكومة منخفض لذا لجأ للقطاع الخاص.
أما المزارعون فقد دافعوا عن موقفهم ببيع المحصول للتجار وعدم توريده للمضارب الحكومية برغبتهم فى تحقيق هامش ربح يناسب تكلفة الإنتاج والجهد فى الزراعة.
وقال سعد عبد ربه مزارع أرز من محافظة الغربية، أن كافة المزارعين بقريته باعوا المحصول فيما بينهم للاستهلاك الشخصى أو لتجار، ولم يورد أى منهم للحكومة، وهو ما برره بأن تكلفة زراعة فدان الأرز تصل إلى 5 آلاف جنيها وتصل متوسط إنتاجية الفدان إلى حوالى 3.5 طن، وفى حالة التوريد للحكومة بسعر 2400 جنيها للطن، فإن متوسط إجمالى إيراد الفدان يصل بحد أقصى إلى 8400 جنيها، وفى حالة ما إذا كان الفدان مؤجرا تصل تكلفة الزراعة بالإيجار إلى حوالى 7400 جنيها، بما يعنى أن هامش الربح ضئيل جدا، وهو سبب لجوء الفلاحين لبيع محصولهم للتجار.
وبرر أحمد اللوافى نقيب مزارعى كفر الشيخ - التى تتميز بوفرة محصول الأرز – لجوء الفلاحين للتوريد إلى التجار بأنهم يعرضون سعرا أعلى مما تعرضه الحكومة، وهو أمر طبيعى أن يبع الفلاح محصوله بالسعر الأعلى.
وقال اللوافى أنه فى الماضى كان الفلاحون يوردون المحاصيل الاستراتيجية كالقمح والأرز وقصب السكر والقطن إجباريا إلى الجمعيات الزراعية مقابل دعم زراعته، ولكن الآن الفلاح له الحرية فى بيع المحصول لمن يشاء وهو ما خلق أوضاعا احتكارية من تجار هذه المحاصيل الهامة، وأصبحت يد الحكومة مغلولة فى السوق، وهو ما أرجعه لفشل الجمعيات الزراعية.
المزارعون فريسة للقطاع الخاص
الخبراء بدورهم أرجعوا أزمة الأرز إلى سياسة التسعير وترك المزارعين فريسة للقطاع الخاص، مما خلق أوضاعا احتكارية يصعب معها السيطرة على الأسعار، خاصة مع زيادة تهريب الأرز للخارج، وقالوا إذا كانت الأسعار منخفضة الآن فهو خفض مؤقت سيتحول إلى ارتفاع كبير مع قيام التجار بتعطيش السوق بحثا عن المكسب السريع.
وقال الدكتور نادر نور الدين الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة القاهرة ومستشار وزير التموين الأسبق، أن وزير التموين السابق خالد حنفى أعلن سعرا منخفضا لتوريد الأرز للفلاحين، بهدف إخراج الحكومة تماما من منظومة الاستلام والتوريد، وترك الفلاحين للمحتكرين من التجار، وهو ما جعل التجار يرفعون سعر التوريد خلال الموسم الحالى على 3400 جنيه للطن الشعير، ولجأت الحكومة لاستيراد أرز هندى منخفض الجودة لم يلق قبولا من المواطنين فى السابق، فى الوقت الذى نملك وفرة من المحصول تتخطى مليون طن العام الحالى.
وأكد نورد الدين أنه فى حالة رفع الحكومة لسعر التوريد إلى 3000 – 3500 جنيه للطن الشعير، ستربح أيضا ولن تخسر، مؤكدا أن أسعار الأرز منخفضة فى الوقت الحالى، وهو انخفاض مؤقت سينتهى بنهاية موسم التوريد، وتبدأ الأسعار فى الارتفاع مرة أخرى، وقد يصل سعر البيع للمستهلك إلى 10 جنيهات للكيلو نتيجة عمليات تخزين الأرز من قبل التجار المحتكرين والذين لا يتعدى عددهم 7 تجار معروفون بالاسم.
الدكتور جمال صيام أستاد الاقتصاد الزراعى بجامعة القاهرة، قال إن المساحة الفعلية لزراعة الأرز فى مصر تصل إلى 2 مليون فدان ينتج عنها 8 ملايين طن شعير، وينتهى إلى صافى ما بين 5 إلى 6 ملايين طن أرز أبيض، مشيراً إلى أن هذه الكمية تكفى احتياج مصر من الأرز ويفيض منها قرابة المليون ونصف المليون طن تصدره مصر إلى الخارج.
صيام أشار إلى أنه بالرغم من أننا دولة مصدرة للأرز، إلا أن الحكومة تلجأ إلى الاستيراد نتيجة أمرين أولهما تهريب بعض التجار كميات من المعروض فى السوق المصرى لدول ليبيا والسودان بطرق غير شرعية، والأمر الثانى حجب كبار التجار لكميات من الارز مما يتسبب فى فجوة بالسوق المصرى.
أستاذ الاقتصاد الزراعى بجامعة القاهرة توقع أننا سنتحول خلال العام القادم من دولة مصدره للأرز إلى دولة مستوردة، نظراً لاتجاه الحكومة إلى تقليل مساحة زراعة الأزر من 2 مليون فدان إلى مليون فدان فقط بسبب أزمة نقص المياه، مما يتسبب فى احتياج السوق إلى كميات لتغطية متطلباته حيث يحتاج زراعة 2 مليون فدان من الأرز إلى 12 مليار متر مكعب من الماء.
وحذر صيام من استمرار تلاعب التجار بالأرز بعد تحول مصر إلى دولة مستوردة، لأنه فى هذه الحالة سيؤثر بالسلب على الاقتصاد المصرى بعدما تستورد الدولة المصرية الكميات المطلوبة ويهربها التجار إلى الدول المجاورة أو يحجبونها مما ينتج عنه نقص كبير فى السوق وإنفاق المزيد من العملة الصعبة التى نعانى نقصا منها.
من جانبه قال فريد واصل نقيب الفلاحين والمنتجين الزراعيين، إن الارز حاليا يباع لمحتكرى السلعة بـ3100 جنيه على رأس الغيط، لتعطيش السوق وجنى الأرباح، متهما الحكومة بعدم وضع آلية محددة لتسويق المحاصيل والسيطرة على السوق، موضحا أن إجمالى المساحات التى تم زراعتها 2.3 مليون فدان بإنتاجية للفدان 3 أطنان بإجمالى إنتاج يزيد على 6 ملايين طن على العام الماضى 4 ملايين، والزيادة بسب اتجاه المزارعين إلى زراعة الأرز وعزوفهم عن زراعة محصول القطن بسب عدم تسويق منتجهم خلال الأعوام السابقة وتعهدهم بعدم زراعة المحصول مرة ثانية، قائلا الحكومة تتجه للاستيراد والارز يكفى عامين .
وأكد نقيب الفلاحين والمنتجين الزراعيين أن مصر تستهلك ما يقرب من 3.1 مليون طن سنويا وإنتاجنا الحالى 6 ملايين طن، فمن المستفيد من الأزمة حتى وصل سعر كيلو الأرز 8 جنيه بالسوق المحلى، وعدم توفير العملة الصعبة، مشيرًا إلى أن مافيا التجار يشترون المحصول ويهربونه للخارج لجنى الأرباح، مطالبا بتطبيق الزراعة التعاقدية على المحاصيل الاستراتيجية، وإعلان الاسعار قبل الزراعة مثلما يحدث فى القمح، ووضع آليات ضوابط حقيقة لتسويق المنتج للحد من الاستيراد .
من جانبه قال مجدى الشركى، رئيس الجمعية العامة للإصلاح الزراعى، أن المزراعين وردو محصول الأرز للتجار بالسوق السوداء، بعد رفع التجار سعر طن الأرز عن الأسعار التى أعلنتها الحكومة، لاحتكار السلعة وتخزينها والسيطرة على السوق، مضيفا: محصول الأرز الآن تحت سيطرة تجارة السوق السوداء، والمفأجاة الكبرى، إعلان الجمعيات الزراعية شراء محصول الذرة بسعر 2100 جنيه للطن و350 جنيها للأردب، لم يورد أحد من المزراعين للجمعيات بسب احتكار تجارة السوق السوداء للسلع وشرائها بأعلى الأسعار لجنى الأرباح، متسائلا: لصالح من يعمل السماسرة ومحتكرى السلعة؟! .
وأوضح رئيس الحمعية العامة للإصلاح الزراعى، أن هناك من يريد القضاء على الزراعة المصرية وزيادة فاتورة الاستيراد من الخارج، خاصة بعد اتجاه الجمعيات لشراء محصول الذرة الصفراء، ‏لإحداث طفرة تنموية وذلك بتشجيع المزارعين للتوسع فى المساحات المنزرعة وخطة التعاونيات الجديدة بتطبيق منظومة تخدم الفلاح المصرى فى تسويق محاصيله وتحد من استيراده توفيراً للعملة الصعبة التي ترهق كاهل الدولة.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا