سعيد زكى يكتب: فى رحيل منير سلطان.. نعزى أنفسنا والبلاغة العربية

ستشعر اللغة العربية -وخصوصا الدرس البلاغى- بمعنى الفقد بعد وفاة الدكتور منير سلطان أحد سدنتها وأبنائها المخلصين لها البارين بها، سيشجَن كثيرا أولئك الذين تتملذوا على يديه، على فقد هذا العالم، وسيفجع الذين عرفوه وتتلمذوا على يديه لفترة ليست بالطويلة مثلى، وسيحزن أكثر وأكثر هؤلاء الذين سيحكى لهم تلاميذه عنه، وعن علمه كحزننا نحن أبناء هذا الجيل لعدم معاصرتنا أو لقائنا لطه حسين وشوقى ضيف ويوسف خليف وأمثالهم من أساتذته الذين كان كثير الحكى عنهم- ليس على المستوى العلمى حسب- لكن على المستوى الإنسانى أيضًا، وسيغتم أكثر وأكثر وأكثر الأساتذة ممن هم مثله ويعرفون قيمته حق المعرفة فى الحقل اللغوى والبلاغى.
منير سلطان بلاغى أضاف إلى الدرس البلاغى بصماته ومنهجه الخاص، لم يتقوقع على نفسه ولم يتشرنق فى دائرة القديم التليد أو يقدسه دون الأخذ فى الاعتبار الجديد، ولم يهجر القديم كليةً إلى الحداثة وما بعد الحداثة الغربية، لكنه أخذ القديم وأضاف من الجديد ما يراه جديرا بالإضافة، ومزج بينهما ليخرج بآرائه ونظرياته الخاصة فى البلاغة التى تمزج بين «الأصالة والتجديد» منطلقا من قول ابن قتيبة: «من لا قديم له لا جديد له». وعلى هذا جاءت معظم مؤلفاته مثل «البديع: تأصيل وتجديد» و«التضمين والتناص.. وصف رسالة الغفران للعالم الآخر نموذجا»، و«البديع فى شعر شوقى»، وغيرها.
يرفض منير سلطان الطريقة المتبعة فى تدريس البلاغة العربية فى الجامعات والمدارس الآن، لأنها طريقة أشبه بدراسة المنطق الذى يفقد بلاغتنا العربية حيويتها ويجمح بها إلى التعقيد والجمود.
إذا كانت الدراسات البلاغية فى القديم نشأت من أجل خدمة القرآن الكريم وبلاغته، فإن الدكتور منير سلطان لم يغفل هذا الدور للبلاغة أبدا، وتمثل ذلك جليا فى رسالته للدكتوراه بعنوان «إعجاز القرآن بين المعتزلة والأشاعرة» ليعرف قارئه على منهج كل منهما ورأيه فى الإعجاز البلاغى للقرآن الكريم، وكتبه الأخرى مثل «الفصل والوصل فى القرآن الكريم»، و«مناهج فى تحليل النظم القرآنى».
عموما الحديث عن منير سلطان ومنهجه البلاغى واللغوى يحتاج إلى كثير تنقيب وإعمال تفكير، ولعلنا نقف على بعض من ذلك فى دراسات الباحثين خلال حفل تأبينه الذى يقيمه قسم اللغة العربية فى كلية البنات جامعة عين شمس يومى 30 و31 أكتوبر، وعزاؤنا فى تلامذته ومؤلفاته التى تربو على الثلاثين مؤلفا.
أما الحديث عن منير سلطان الإنسان، فيكفيك مداعبته لك أثناء جلوسك إليه متناسيا فرق أستاذيته وأنك تلميذه، وأن يربت على كتفك أحيانا، ويناديك بابنى، وعندما يفتح لك قلبه ويبحر فى الذكريات ويحدثك عن معشوقته الإسكندرية وبحرها، وهوائها، وناسها، ومقاهيها وعن أساتذته، ستشعر حقًا بمعنى كلمة ابنى التى يناديك بها وأنك تجلس إلى والدك حقًا، ولو نادى تلميذه "يا ولد" أو "يا وله" بلهجته السكندرية، يكون قد بلغ من قلبه مبلغا.
حتى فى قسوته على تلامذته تكون قسوة الضرورة، قسوة الُمحب لمن يحب ولمن يرجو له الصلاح والفلاح.
طبتَ حيا وميتا أيها العالم الفارس يا إسكندرانى يا ابن الأصول يا «مجدع».

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا