جائزة نوبل للآداب تصنع المفاجأة وتستعد "لخريف الغضب الثقافي"

صنعت الأكاديمية السويدية مفاجأة جديدة هذا العام بمنح جائزة نوبل للآداب للمغني وكاتب الكلمات الأمريكي بوب ديلان فيما كان اسم هذا الأمريكي البالغ من العمر 75 عاما غير مطروح بقوة على أغلب قوائم التوقعات "لأم الجوائز الأدبية العالمية" والتي غاب عنها العرب منذ 28 عاما.

وتلك هي المرة الأولى في تاريخ الجائزة العتيدة التي يحصل فيها مغني وكاتب أغاني على جائزة نوبل للآداب بينما ذهبت لجنة نوبل إلى أنها منحت الجائزة لهذا المغني العالمي "لنجاحه في إبداع تعبيرات شعرية جديدة في سياق تقاليد وتراث الغناء الأمريكي" وإن كانت قد أقرت بوضوح بأن قرارها بمنح الجائزة لبوب ديلان "يبدو مفاجأة".

ورغم أنه من أشهر الوجوه الغنائية في الولايات المتحدة والغرب ككل وذاع صيته في "دنيا موسيقى الروك الشعبية" كما أن أغانيه تتميز بنبرة احتجاجية تلقى هوى في نفوس الشباب والعمال والنشطاء الحقوقيين، فمن المنتظر أن يثير منح جائزة نوبل في الآداب لبوب ديلان عواصف احتجاجات في كثير من الأوساط الثقافية على مستوى العالم خلافا لما حدث في العام الماضي عندما مرت الجائزة بسلام بعد منحها للكاتبة والصحفية البيلاروسية سفيتلانا اليكسفيتش.

ومع المفاجأة التي انطلقت اليوم من العاصمة السويدية ستكهولم، بدت لجنة نوبل في حالة استعداد لكثير من العواصف الغاضبة التي ستتعرض لها جراء هذا الاختيار وأنها ستعاني من "خريف غضب أدبي يسود العديد من الدوائر والمنابر الثقافية"، وهو ما تجلى في قول الأمينة الدائمة للأكاديمية السويدية سارة دانيوس للصحفيين: "يراودنا الأمل في ألا يثير هذا الاختيار انتقادات للأكاديمية" فيما أقرت بأن القرار يبدو مفاجأة.

ورغم توقع أي عواصف غضب وحمم انتقادات جراء منح أهم جائزة أدبية في العالم لكاتب أغاني، فإن سارة دانيوس لم تجانب الصواب في الواقع عندما قالت إن "الزمن يتغير"، فمن الذي كان يمكنه أن يتوقع قبل عقود قليلة فوز كاتب أغاني أمريكي بجائزة نوبل للآداب!

ومع ذلك، قد تثير المقارنة التي عقدتها الأمينة الدائمة للأكاديمية السويدية بين كلمات بوب ديلان وأشعار هوميروس وصافو ضحك الكثيرين من محبي الآداب العريقة والإبداعات الخالدة لاثنين من أعظم الشعراء الذين قدمتهم الحضارة اليونانية العريقة للإنسانية، وقد "يكون بالفعل هذا الضحك للكلاسيكيين المتمسكين بالتقاليد الأدبية المتعارف عليها من قبل "ضحك كالبكاء"!

وحتى في مجاله الفني الغنائي، يأخذ بعض النقاد على بوب ديلان أنه "موسيقي أكثر منه مؤلف" وإن كانت لجنة جائزة نوبل سعت للتقليل أيضا من حدة هذا الانتقاد بقولها إن نغماته وألحانه تنشر دوما في طبعات جديدة، كما أنه لم يكن بعيدا عن مغامرات تجريبية في عالم الفن.

ومنذ أن فازت الكاتبة الروائية توني موريسون بجائزة نوبل في الآداب عام 1993، لم يفز أي أمريكي بهذه الجائزة، وهو أمر كان يثير بوضوح "غضب وحنق العم سام" حتى مُنحت اليوم الخميس لهذا المغني وكاتب الأغاني الأمريكي الذي رأت لجنة نوبل على لسان سارة دانيوس أنه "شاعر عظيم ضمن التقاليد الشعرية للناطقين بالإنجليزية ومضى يعيد ابتكار ذاته ليخلق هوية إبداعية جديدة".

فالملاحظ أن العواصف التي هبت من قبل بقوة على جائزة نوبل في الآداب، التي منحت 109 مرات وتقاسمها أحيانا فائزان وحجبت سبع مرات، كانت "أمريكية" على وجه الخصوص، حيث سعت الأمينة الدائمة للأكاديمية السويدية لتقليل حدة العواصف المتوقعة بعد مفاجأة اليوم بقولها: "بالطبع بوب ديلان يستحق الجائزة وها هو قد حصل عليها".

ومع إن اللغة الانجليزية هي صاحبة النصيب الأكبر في أم الجوائز الأدبية العلمية التي منحت من قبل لـ27 أديبا يبدعون بالإنجليزية، فالأمريكيون يرون أن الأكاديمية السويدية تبدي تحيزا للأدب المكتوب بغير اللغة الإنجليزية وتمنح جائزة نوبل لأسماء غير معروفة ولم يسمع عنها حتى الكثير من القراء في الغرب ناهيك عن بقية أنحاء العالم.

وفي المقابل، كانت أصوات مضادة ومدافعة عن اختيارات الأكاديمية السويدية ترد مستحسنة منح الجائزة لأدباء لا ينتمون لمدرسة الصخب الأمريكي وقوائم الروايات الأعلى مبيعا، كما أن هذه الاختيارات تشكل نوعا من مجابهة الهيمنة الثقافية الأمريكية.

وبوب ديلان ابن بلدة "دولوث" في ولاية مينيسوتا عام 1941 اسمه الحقيقي "روبرت الين زيميرمان"، غير أنه اختار لنفسه هذا الاسم لإعجابه بالشاعر ديلان توماس، وكانت مسيرته الفنية قد بدأت عام 1959 بالعزف في مقهى بعد أن اقتنى لنفسه جيتارا ثم انتقل من ولايته إلى نيويورك عام 1961 ليواصل الغناء في المقاهي والأندية، وكانت حقبة الستينيات من القرن العشرين تمثل العصر الذهبي لأغانيه التي "وثقت إلى حد كبير آلام الأمريكيين حينئذ".

وأصدر الفائز بجائزة نوبل للآداب اليوم كتابا حول سيرته الذاتية بعنوان "تقاويم السيرة الذاتية" في عام 2004 ليسرد بشجن ذكريات سنوات البدايات في نيويورك ولمحات وومضات عن حياته في مركز الثقافة الشعبية الأمريكية.

وصدر أول ألبوم أغاني لبوب ديلان عام 1962 وتوالت مجموعاته وألبوماته التي كانت بعضها مؤثرة بحق واعتبرت من روائع الغناء الأمريكي مثل ألبوم "دماء على المسارات" الصادر عام 1975، ولاحظت لجنة جائزة نوبل اليوم أن ألبوماته "تتمحور حول عناوين رئيسية وقضايا كبرى مثل المعطيات الاجتماعية للإنسان والعقيدة ومسائل السياسة والحب".

ومن المفارقات كما لاحظ بعض المعلقين أن بوب ديلان الذي تثير أغانيه إعجاب المناهضين للحروب حصل على جائزة نوبل في الآداب في اليوم ذاته الذي قضي فيه الممثل والكاتب المسرحي الإيطالي داريو فو والذي كان قد فاز بأم الجوائز الأدبية العالمية عام 1997.

ولبوب ديلان إسهامات في عالم الرسم والتصوير الفني لم تغفلها لجنة جائزة نوبل اليوم في سعيها الحثيث لتبرير قرارها والدفاع عن اختيارها له كفائز بأم الجوائز الأدبية العالمية، حيث ذهبت إلى انه "فنان متعدد المواهب" و"تأثيره في الموسيقى المعاصرة عميق" وصاحب دور رئيس في "الأدب الثانوي" أو "الأدب الموازي".

وإذ تبلغ القيمة المادية لجائزة نوبل للآداب ثمانية ملايين كرونة سويدية أو ما يعادل 972 ألف دولار أمريكي، فإن منحها اليوم لهذا الفنان الأمريكي من جانب 18 عضوا في الأكاديمية السويدية يعني خيبة مراهنات سابقة شملت الأمريكي فيليب روث والياباني هاروكي موراكامي ناهيك عن الإيطالي أمبرتو إيكو والتشيكي ميلان كونديرا والألباني إسماعيل قدري.

وكذلك فإن هذه الجائزة التي يشوبها الغموض منذ بداياتها، وهو غموض يمتد حتى على مستوى وصية مانحها الفريد نوبل وطال المفهوم الذي كان يقصده عندما تحدث عن منحها لأعمال بارزة في الاتجاه المثالي، خيبت اليوم ظنون هؤلاء الذين توقعوا منحها للروائية الأمريكية جويس كارول ومواطنها الروائي دون ديليلو ناهيك عن الشاعر والكاتب السوري الأصل أحمد علي سعيد الشهير بأدونيس والكيني نجوجي واتينجو والصومالي نور الدين فرح والكرواتية دوبرافكا أوجاريسك والمصرية نوال السعداوي التي تردد اسمها بصورة خافتة ضمن التوقعات هذا العام.

وتتحدث الصحافة الثقافية الغربية عن خلافات وراء الكواليس بين أعضاء الأكاديمية السويدية حول جائزة نوبل للآداب هذا العام أدت إلى تأخير الإعلان عن اسم الفائز بالجائزة خلافا لما جرت عليه العادة في الأعوام الماضية.

ولئن ذهبت الجائزة الكبرى هذا العام لصاحب ألبوم "بلوند أون بلوند" الذي ذاع صيته في عالم أغاني الروك منذ نحو نصف قرن، فمن حق الأمريكيين على أي حال أن يحتفلوا بفوزهم بجائزة نوبل في الآداب التي اشتاقوا لها طويلا منذ عام 1993، فيما كانت لجنة الجائزة تتحدث من قبل عن "عزلة الأدب الأمريكي" وتأخذ عليه "انفصامه وانفصاله عن بقية العالم".

وبين عامي 1901 و2016، بلغ عدد الفائزين بجائزة نوبل في الآداب 113 أديبا من بينهم المصري نجيب محفوظ والذي يعد حتى الآن أول وآخر أديب عربي يفوز بأهم جائزة أدبية عالمية فازت بها أسماء مضيئة في عالم الإبداع مثل الكولومبي جابرييل جارسي ماركيز وإرنست هيمنجواي وتوني موريسون.

ومن المعروف أن كل الوثائق الخاصة بالمداولات حول اختيار الفائزين بجوائز نوبل تبقى طي الكتمان ولا يسمح بنشرها إلا بعد مرور 50 عاما عليها، وحسب ستورة آلين، من الأكاديمية السويدية، فإن جائزة نوبل في الآداب تمنح للجدارة الأدبية دون انحياز لأي دولة أو قارة أو مجموعة لغوية أو ثقافة، ومن ضمن شروط منح هذه الجائزة أن يكون الكاتب قد أنتج أدبا "الأكثر تميزا" وذا "اتجاه مثالي" وهو شرط ظل موضع تفسيرات وتأويلات مختلفة منذ أن منحت الجائزة لأول مرة عام 1901 للشاعر الفرنسي رينيه بردوم.

وإذا كان الأديب الياباني هاروكي موراكامي قد أبدى امتعاضا من مسألة طرح اسمه كل عام في العقد الأخير ضمن ما يعرف بقوائم المرشحين لجائزة نوبل للآداب، معتبرا باستنكار أن الأمر يشبه المراهنات على الخيل في السباقات، فإن المفكر والأديب الفرنسي الراحل جان بول سارتر قد رفض قبول جائزة نوبل في الأدب بعد إعلان فوزه بها معتبرا أن أي جائزة حتى لو كانت جائزة نوبل تعكس حكم الآخرين وتعني تحويل الفائز بها إلى مجرد "شيء بدلا من كونه ذاتا إنسانية" وهو ما يتناقض مع فلسفته الوجودية التي اشتهر بها في العالم كله.

وكان ناقد له شأنه في الصحافة الثقافية الغربية هو جون دوجدال قد توقف عند الحقيقة المتمثلة في أنه منذ حصول الأديب والكاتب المصري الراحل نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب عام 1988، لم يتوقف قطار نوبل أبدا عند أي مبدع عربي، كما أن نجيب محفوظ هو الوحيد في العالم العربي الذي حصل على هذه الجائزة وأحد أربعة أدباء فحسب على مستوى القارة الإفريقية كلها توجوا بنوبل للآداب.

وبفوز الأمريكي بوب ديلان بجائزة نوبل في الآداب هذا العام، يكون قد انضم لمنتدى جمع ما بين الطالح والصالح! فلئن كانت جائزة نوبل في الأدب قد ذهبت من قبل لعمالقة مثل طاغور وويليام بتلر ييتس وجابرييل ماركيز ونجيب محفوظ، فإن نقادا لهم شأنهم في الصحافة الثقافية الغربية مثل جون دوجدال ما زالوا يتذكرون بمرارة منح هذه الجائزة لرئيس الوزراء البريطاني الراحل ونستون تشرشل ولا أحد يعرف ما الذي يمكن قوله عن كاتب الأغاني الأمريكي الذي فاز اليوم بأم الجوائز الأدبية العالمية!

وإذا كان الأمر يشكل استفزازا للبعض وسط توقعات بهبوب المزيد من رياح الغضب الأدبية هذا العام، فإن المسألة ككل تثير تساؤلات حول السجل الفظيع لجائزة نوبل في الأدب منذ منحها لأول مرة عام 1901 وتجاهل روائي عملاق في قامة وحجم الكاتب الروسي العظيم ليو تولستوي! ومن يدري لعل النوبلي المصري العظيم نجيب محفوظ يبتسم في عليائه بروحه المصرية الساخرة مكتفيا بضحكة من قلب طيب بعد أن منحت الجائزة التي فاز بها اليوم "لمزيكاتي من بلاد العم سام"!

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا