"الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي" .. دراسات عربية جديدة

في إطار المحاولات الحثيثة للإجابة عن تساؤلات مطروحة في شأن الإسلاميين والحكم والدولة قبل الربيع العربي وبعده، أصدر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الإسلاميون وقضايا الدولة والمواطنة، جمع فيه 16 دراسة منتخبة ومحكمة، كانت مادة النقاش في المؤتمر السنوي الثاني “الإسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي” الذي نظمه المركز في العاصمة القطرية الدوحة، في 28-29 أيلول/ سبتمبر 2013، ومحوره مسائل المواطنة والدولة والأمة. ويعد هذا جزءًا أولَ (يقع في 702 صفحة بالقطع المتوسط)، ويتبعه جزء ثانٍ قريبًا يضم دراسات أخرى في السياق نفسه.
وبحسب بيان المركز، أولى الدراسات الست عشرة في هذا الجزء لسعود المولى، المرجعية والحزب والدولة المدنية والمواطنة في الفقه السياسي الشيعي المعاصر، أبرز فيها مساهمة مفكرين في الحراك الفكري والسياسي الشيعي، في مقدمهم محمد باقر الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسين فضل الله، واستجابتهم لتحديات التعامل مع الدولة الوطنية الحديثة في العراق ولبنان، ومقاربتهم علاقة المرجعية الدينية بالحزب الإسلامي المختلفة عن مثيلتها السنية، وباحثًا في تناول الصدر وفضل الله مسائل الدولة الإسلامية والمرجعية والولاية، وتميز شمس الدين بآراء فريدة في الدولة الوطنية والمواطنة.
في الدراسة الثانية المواطن والمؤمن والإنسان: قراءة نقدية لمنزلة المواطنة في الإعلانات العربية والإسلامية لحقوق الإنسان، يقرأ المنجي السرباجي نقديًا منزلة المواطن في الإعلانات العربية والإسلامية لحقوق الإنسان، ليفهم إشكالية المواطنة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. فهذه النصوص لا تستحضر الحقوق السياسية الموجهة إلى حماية مشاركة المواطن في الشأن السياسي، وثمة من يزعم أن المواطنة مدخل خلفي لعلمانية الدولة، وبعض آخر يرى أن توكيد قيمة المواطن تتم بسلب المؤمن كل قيمة وبنفي الحاكمية الإلهية وولاية الأمر. فيكون رفض المواطنة توطئة لتعامل انتقائي – أداتي مع قيم حقوق الإنسان.
يطالب توفيق السيف، في الدراسة الثالثة مكانة العامة في التفكير الديني: نقد الرؤية الفقهية التقليدية للسلطة والاجتماعي السياسي، القوى الإسلامية والعربية الأخرى بالتخلي عن المصادر الثقافية والتقاليد الفلسفية المستخدمة لتبرير الاستبداد، لتكون هذه القوى محركات التحول الديمقراطي. ويعرض انعكاسات التفارق بين الديمقراطي والإسلامي على الرابطة الاجتماعية والدولة والمواطنة وتفويض السلطة. وإذ يستمد أمثلته من التراث الشيعي، يقول ألا جدوى من مطالبة الفقهاء بتطوير نظرية سياسية دينية، لأنها خارج الإطار الموضوعي لعلم الفقه. كما يدعو إلى مشاركة الناس في تطوير الفكرة الدينية، خصوصًا المنظور السياسي الذي يحقق الجمع بين القيم الدينية وحاجات العصر.
في الدراسة الرابعة التمكين السياسي للمرأة في فكر الحركات الإسلامية بين النظرية والممارسة: الإخوان والنهضة أنموذجًا، تلاحظ دلال باجس تقدمًا في دور المرأة السياسي في الحركات السياسية الإسلامية، من دون أن يرقى هذا التقدم إلى المستوى الذي تنشده النساء الإسلاميات أنفسهن. وأرادت باجس معرفة رؤية الحركات الإسلامية للتمكين السياسي للمرأة من منطلق فهمها لمبدأ المواطنة، ومدى رقي هذه الرؤية لحقوق المرأة السياسية إلى مستوى التنظير، فقارنت بين حزبي الحرية والعدالة في مصر والنهضة في تونس، موردة مقابلاتها مع قائدات في الحزبين، ومحللة مضمون خطاب الحزبين، السياسي والفكري.
يلاحظ زين الدين خرشي في الدراسة الخامسة المواطنة: المشروع المؤجل للأحزاب الإسلامية غياب المواطنة كأولوية فكرية وسياسية واجتماعية عن الخطابات السياسية للأحزاب الاسلامية المختلفة، لأنها موضوع غير مسلّم بمقدماته الفلسفية التي أُسِّست على مفهوم الفرد كذات حرة ومستقلة. كما يتناول عجز الأحزاب الإسلامية عن مقاربة الفرد والرباط الاجتماعي من خارج الإطار الديني، واختزالها المواطنة في إعلان معارضتها لها. ثم يخوض في أربع قضايا متداخلة: الموقف المتردد من الديمقراطية، والمواجهة بين الدين والدولة، والخطاب الشعبوي وتضمّنه تصورًا يقوم على نفي السياسي في المجتمع، والتصور الأخلاقي للسياسة.
يقارب شمس الدين الكيلاني، في الدراسة السادسة الإسلاميون المعاصرون وفكرة الدولة الديمقراطية، موقف الإسلاميين من الدولة الديمقراطية ومفاهيمها، واضعًا أطروحات الإسلاميين في سياقاتها التاريخية وأنساقها الاجتماعية في محطات تحولها، ومبتعدًا عن إطلاق الأحكام النهائية على توجهاتها، “اعتقادًا منا أن البيئة السياسية الاجتماعية الثقافية في تحولها مع حواملها الاجتماعية، في غمرة الانتقال إلى الديمقراطية، هي الكفيلة بتهيئة المناخ المواتي للتكيف مع العملية الديمقراطية ومقتضياتها، أكان للإسلاميين أم اليساريين أم القوميين الذين عاندوا جميعًا، لفترة طويلة، فكرة الديمقراطية”، كما يقول الكيلاني.
في الدراسة السابعة في هذا الجزء، الإصلاح الديني والإصلاح السياسي في المقاربات التقليدية والتجديدية وما بعد السلفية لمسألة المواطنة في الفكر الإسلامي السوداني، يركز شمس الدين الأمين ضو البيت على رصد الأطروحات الإسلامية السلفية والتجديدية وما بعد السلفية من الصراع العنيف والمستمر حول المواطنة في السودان، بناءً على موقف هذه الأطروحات من حقوق النساء والأقليات الثقافية والدينية والإثنية. فهذه الحقوق تكشف حجم الإصلاحات الدينية والسياسية المطلوبة، وصولًا إلى أطروحات إصلاحية إسلامية وسياسية ربما تعالج مسألة المواطنة في المجتمعات العربية الإسلامية.
يلاحظ طيبي غماري، في الدراسة الثامنة أزمة الإسلام السياسي المعاصر: إشكالات التحول من جماعة المؤمنين إلى دولة مواطنين، إخفاق الإسلاميين خلال الخمسين عامًا الماضية في التحول من المعارضة إلى الحكم، وانصرافهم إلى الضعف فالتطرف فالعنف والإرهاب، رادًّا قوة الإسلام السياسي في المعارضة إلى كونه يُسيِّر المؤمنين من الناشطين الإسلاميين، وضعفه في الحكم إلى تسييره مواطنين ليسوا بالضرورة من الناشطين.
في الدراسة التاسعة المقاربة الحديثة لمدنيِّة الدولة في الحال العربية بعد وصول التيارات الإسلامية إلى الحكم: دراسة مقارنة بين مصر وتونس، يحلل محمد عبد الله أبو مطر النصوص المحددة لهوية الدولة ومصادر التشريع وتنظيم الحقوق المواطنية في الدساتير، واتساقها مع ركائز الدولة المدنية، وتأثير وصول التيارات الإسلامية إلى السلطة في الممارسة الدستورية، وعلاقة الدين بالدولة ودوره في تحديد تفاعلها مع محيطها السياسي والاجتماعي. كما يؤصل إشكالية مدنية الدولة وعلاقتها بالدين في البلدان العربية، ويحدد مساراتها وأسبابها في سياقها العربي- الإسلامي، وكيفية معالجتها من منظور هيمنة إسلامية على السلطة في مصر وتونس.
يحاول محمد الكوخي وإبراهيم أمهال، في الدراسة العاشرة الإسلام السياسي ومأزق الدولة الحديثة: بحث في الجذور الاجتماعية للإسلام السياسي وتحولات الخطاب - المغرب أنموذجًا، تفسير ظاهرة الإسلام السياسي كأحد الإفرازات التاريخية لعملية التحديث التي عرفتها المجتمعات العربية/ الإسلامية في القرن العشرين، وكردة فعل تاريخية أبدتها البنيات الاجتماعية التقليدية في المجتمعات المتحولة تدريجًا نحو التحديث على إخفاق التحديث وتكريس مأزق الدولة الحديثة، “حيث أدى كل إخفاق في عملية الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث إلى تكريس خطاب هوياتي ديني أكثر تشددًا ورفضًا للتحديث ومقاومة له”، كما يقول الكوخي وأمهال. فردات الفعل على عملية التحديث القسري تعبير عن صعوبات مخاض الانتقال من مجتمع ودولة تقليديين إلى مجتمع ودولة حديثين.
يسأل مرشد القبّي في دراسته حقوق غير المسلم في مشروع الدولة الإسلامية: مواطنة تامّة أم منقوصة؟ وهي الحادية عشرة في هذا الجزء، عن وضعية غير المسلم في الدولة الإسلامية المنشودة، وهي مسألة شائكة تعترض محاولة الإسلاميين المواءمة بين التشريع الإسلامي والدساتير والقوانين الحديثة. فما مخارج الإسلاميين ليوفّقوا بين الوفاء لإسلامية الدولة واحترام حقوق غير المسلمين على قاعدة المساواة المواطنية الحديثة؟ هل آراؤهم في هذا الشأن تطوير للتراث الفقهي المتّصل بأهل الذمة ونظام الملل؟ هل توسع هذه الآراء مفهوم المواطنة أم تضيّقه؟
ترصد مي سمير عبده متولي في الدراسة الثانية عشرة الدولة وعلمنة المشروع الإسلامي: مصر أنموذجًا أسباب تعثر حركات إسلامية تقلّدت السلطة في العالم العربي بعد ثورات الربيع العربي من غياب مشروعات حقيقية تقدمها إلى ضعف التعاون الداخلي معها، ما رفع نسبة التشكيك في حقيقة المشروع الإسلامي نفسه. تقول متولي إن الحركات الإسلامية رفعت شعار إحياء الخلافة إذا وصلت إلى السلطة، وانضوت تحت لواء الدولة قابلةً آلياتها، وحين تقلّدت السلطة تنازلت أكثر، فصارت الدولة عاملًا مستقلًا في هذه المعادلة، وصار المشروع الإسلامي عاملًا تابعًا، بعدما ظن رواد الحركات الإسلامية أن العكس هو ما سيحدث مع تقلدهم السلطة.
يقدم نائل جرجس في الدراسة الثالثة عشرة غير المسلمين في الدول العربية بين الواقع التشريعي والقراءة المعاصرة للإسلام تحليلًا نقديًا لتعامل المشرّع والقضاء العربيين مع غير المسلمين، وللمواد الدستورية والقانونية التي تنتهك الحق بالحرية الدينية وبالمساواة أمام القانون. ويستعرض آثار التطبيقات المختلفة لهذه القوانين في حياة المواطنين، مع تسليط الضوء على اجتهادات المحاكم الدينية، وتناول مفكرين إسلاميين ليبراليين الوضع القانوني لغير المسلمين في المجتمعات الإسلامية بغية تحسينه، وتأثير الإسلام في هذا الوضع القانوني.
في الدراسة الرابعة عشرة التجمع اليمني للإصلاح: قراءة في تجربته التاريخية وجدلية الديني والسياسي ورؤاه في المواطنة والدولة والأمة، يبحث نبيل البكيري في تجربة التجمع اليمني للإصلاح الذي يعدّ امتدادًا طبيعيًا للحركة الوطنية الإصلاحية اليمنية التي كان تنظيم الإخوان المسلمين اليمنيين محركها الأساس. كما يرصد مراحل تجربة الإخوان في اليمن، التي تداخل فيها السياسي بالديني والوطني بالأممي.
توصل الباحثون هشام خباش وجويل كوندو وعبد الحق جبار في الدراسة الخامسة عشرة الثابت والمتحول في مواقف الإسلاميين المغاربة من الدولة المدنية: (أنموذجا “العدل والإحسان” و”العدالة والتنمية”) إلى أن مواقف حركة العدل والإحسان وحزب العدالة والتنمية من الدولة المدنية متماثلة وثابتة برفضها أن يكون حاكم الدولة المسلمة غير مسلم، وتأكيدها المشاركة السياسية في ظلِّ نظام الشورى، ومتحولة ومتباينة في العلمانية انتخاب مسؤولي الدوائر الحكومية والانتخابات لاختيار الحاكم وفصل السلطات والديمقراطية والتعددية الحزبية.
في الدراسة السادسة عشرة والأخيرة مفهوم الأمة في الفكر العربي المعاصر: بين التجاذبات الأيديولوجية السياسية ورهانات الحداثة ودولة القانون، يسعى نوري ادريس إلى استرجاع مفهوم الأمة العربية الإسلامية من قبضة الخطاب الديني والسياسي - الأيديولوجي، وبعثه ضمن سياقات تاريخية ورهانات حداثوية تشكل فيها وبها في الفلسفة السياسية المعاصرة، لتخليصه من ترسبات أيديولوجية ودينية وأوهام يوتوبية، ووضعه في المشروع الحداثوي العربي، إذ يستحيل فصل مفهوم الأمة عن النضال من أجل الديمقراطية ودولة القانون، فالدولة – الأمة تجسيد لانتشار قيم اجتماعية وسياسية وأخلاقية تُجمع عليها التيارات المختلفة المشكِّلة للمجتمع.
يضم هذا الجزء بين دفتيه إنتاج 16 باحثًا، هم: الباحث المغربي إبراهيم أمهال المتخصص في علم الاجتماع، والباحث السعودي توفيق السيف المهتم بالتحول الديمقراطي في إطار قيم دينية، وأستاذ الأنثروبولوجيا الفرنسي جويل كوندو، والباحثة السياسية الفلسطينية دلال باجس، والأكاديمي الجزائري زين الدين خرشي، والباحث اللبناني في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات سعود المولى، والباحث السوداني في الإصلاح الديني شمس الدين الأمين ضو البيت، والباحث السوري في المركز العربي شمس الدين الكيلاني، والباحث الجزائري في الأنثروبولوجيا طيبي غماري، والأستاذ المغربي في أنثروبولوجيا الحركات الإسلامية عبد الحق جبار، والباحث الفلسطيني محمد عبد الله أبو مطر المتخصص في القانون والعلاقات الدولية، والباحث المغربي في قضايا الهوية محمد الكوخي، والباحث التونسي في تاريخ الحضارة الاسلامية مرشد القبي، والباحث التونسي المنجي السرباجي المتخصص بقضايا حقوق الانسان والديمقراطية، والباحثة السياسية المصرية مي سمير عبده متولي، والباحث السوري في قضايا الأقليات نائل جرجس، والباحث اليمني في شؤون الجماعات الإسلامية نبيل البكيري، والباحث الجزائري نوري ادريس المتخصص في سوسيولوجيا المجتمعات المدنية، والباحث المغربي هشام خباش المتخصص في أنثروبولوجيا الحركات الإسلامية.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا