المفاجأة تحققت بجميع عناصرها في حرب أكتوبر 1973.. مصر والعرب أجبروا إسرائيل على التخلي عن أهم الميزات الاستراتيجية

يجمع مشاهير القادة وفلاسفة الحرب على مر العصور، على أن المفاجأة من أهم مبادئ الحرب وأشدها خطرا وأكثرها تحقيقا للنصر في أي عمل عسكري كبر مستواه أو صغر.. ومخططو حرب أكتوبر لم يتركوا هذا العنصر الفعال وأي عنصر آخر يجوز تطبيقه إلا واستغلوه.

وتحدث المفاجأة طبقا للمفهوم العسكري عندما ينجح أحد الأطراف المتحاربة في مباغتة خصمه بعمل إيجابي ذي وقع كبير عليه من حيث طبيعته وحجمه ومكانه وتوقيته ونتائجه، بمعنى آخر يمكن القول إن المفاجأة تتحقق بتوجيه الضربات غير المتوقعة للعدو بما يذهله ويطيش صوابه ويشل تفكيره وإرادته فتصبح بذلك الفرصة مواتية للطرف الذي حقق المفاجأة ليوقع الخسائر الفادحة بخصمه في وقت قصير ويشيع الذعر في صفوفه ويحرمه من القدرة على مواصلة إبداء المقاومة المنظمة بما يخلق الظروف الملائمة للقضاء على قوات الخصم حتى وإن كانت متفوقة.

وتتحقق المفاجأة بفضل الجهود المضنية التي تبذل في مجالات عديدة منها تضليل العدو عن النوايا والمحافظة على سرية فكرة الأعمال المقبلة والاستخدام غير المتوقع لوسائل وأساليب فعالة وأسلحة ومعدات جديدة وتوجيه ضربات قوية للعدو في وقت ومكان وبطريقة لا يتوقعها.

وتكون المفاجأة استراتيجية أو تعبوية أو تكتيكية طبقا لحجم القوات المشتركة وبالتالي المستوى الذي تؤثر عليه في الصراع المسلح وعلى سبيل المثال إذا ما كانت المفاجأة على مستوى الدولة بقواتها المسلحة كلها فهي مفاجأة استراتيجية أما إذا اقتصرت على مستوى جبهة أو جيش فحسب فهي مفاجأة تعبوية وإذا ما جاءت دون ذلك أصبحت مفاجأة تكتيكية أو موضعية.

وحقق العرب في السادس من أكتوبر 1973 ولأول مرة في سجل صراعهم الطويل ضد إسرائيل المفاجأة الكاملة بمستوياتها الثلاثة وكان وقع ذلك أليما على إسرائيل بل على الصهيونية العالمية في كل مكان وكانت الحصيلة النهائية أشد إيلاما لها من الهزيمة نفسها إذ نكأت تلك المفاجأة جراح نظرية الأمن الإسرائيلي التي طالما ارتكزت عليها المؤسسة العسكرية في صياغة وجود الدولة الدخيلة وتدعيم مركزها.

وعلى الفور شنت الدولة العبرية بكل ما تملك من قدرة وإمكانات حملات مسعورة لتبرئة قياداتها السياسية والعسكرية من وصمة المباغتة وتنفي عار الوقوع في شرك المفاجأة.. وفي سبيل ذلك تعددت التبريرات وتنوعت الحجج ثم تناقضت الأقوال وتضاربت التصريحات حتى تحول الجدل الحاد إلى تبادل الاتهامات والتجريح ثم إلقاء اللوم جزافا على بعضهم البعض الأمر الذي دفع بالقيادة العليا إلى إصدار التوجيهات بالكف فورا عن هذه المهاترات على صفحات الجرائد وعبر موجات الأثير.

وقبل أن تهدأ ثورة الاتهامات وتخف حدة المهاترات كانت الحصيلة قد أدهشت أذن المستمع وشدت أنظاره.. فعلى المستوى السياسي ادعت رئيسة حكومة إسرائيل جولد مائير أنها كانت تعلم يقينا بنية هجوم العرب بل بتوقيته ولكنها تركت لهم المبادأة طوعا لأسباب سياسية واقتصادية ملحة.

وزعمت جولد مائير أنها أحجمت عن توجيه ضربتها الابتدائية حتى لا تكون البادئة بالعدوان خشية ازدياد عزلتها السياسية في المجال الدولي كما أنها فوتت فرصة التعبئة في الوقت المناسب حتى لا تحمل الاقتصاد الإسرائيلي المثقل بأعباء إضافية قاسية واكتفت من كل ذلك بالتأكيد على القيادة العسكرية بالانتصار على التعبئة الجزئية في أضيق الحدود مع رفع درجة استعداد القوات المسلحة النظامية على مختلف المستويات.

وتستمر جولد مائير في ادعاءاتها فتقول إنها تركت الأمور على هذا الوضع الخطير حتى صباح السادس من أكتوبر عندما اضطرت الحكومة تحت ضيق الأحداث المتلاحقة أن تعلن التعبئة الشاملة في الساعة العاشرة صباحا وان تبدأ في إدارة عجلة الحرب.

وتهدف مائير بما تدعيه وتسوقه من حجج وبراهين أن تبرئ نفسها قبل الانتخابات الوشيكة من تهمة الغفلة التي عرضت أمن إسرائيل للخطر فتقول أنها أحجمت عن السبق بالهجوم حتى لا تزيد سمعة إسرائيل سوءا كدولة دائمة العدوان مدمنة التعدي وأنها امتنعت عن تعبئة الدولة حتى لا تثقل على الاقتصاد وتعطل دولاب الإنتاج ووراء تلك الحجج الساذجة رغبة دنيئة في إلقاء اللوم على العسكريين الأمر الذي يكشفه بجلاء قولها في مجال آخر لو جاءني مسؤول -تقصد الجنرال ديان- واقترح استدعاء الاحتياطي لوافقته فورا.

ويعزز نائبها ايجال الون نفس الاتجاه الذي تذهب اليه مائير فيقول إنني أؤكد شخصيا ورسميا أيضا أنني أتعهد بشرفي الشخصي بصحة البيان القائل بأننا لم نبدأ القتال بل على العكس حتى بعد أن رأينا المجابهات الشاملة لقوات العدو في أوضاع هجومية تجنبنا متعمدين الضرب أولا وقد تخلينا عن تلك الميزة العسكرية ميزة الضربة أولا.

كما صرح الجنرال أهرون بار ليف بصفته مستشار رئيسة الحكومة أن إسرائيل تعمدت أن تخاطر بترك المصريين والسوريين يتخذون بادرة الأعمال العسكرية مع ما يترتب على ذلك من مزايا.

وهكذا يمضي الحرس القديم من غلاة الصهاينة السياسيين في نسج الحجج وفبركة المبررات ولا يهم بعدئذ أن جاءت متناقضة مع بعضها البعض فالهدف هو تجريح العسكريين وإعادتهم إلى حجمهم الطبيعي بعد أن أحالهم نصر يونيو 1967 إلى مردة وشياطين.

ويرى آيسر هاريل رئيس مخابرات إسرائيل الأسبق عكس ما يزعمه الحرس القديم ويوجه الاتهام الصريح في صحيفة يديعوت احرونوت الصادرة في 31 ديسمبر 1974 فيقول: "لقد شعرت بالكارثة التي حلت بنا في حرب يوم الغفران أن أي إضافة نقدمها مهما كانت دوافعها أو مبرراتها سوف تثقل على معنويات الجمهور الذي كان في مسيس الحاجة إلى الخروج من حالة الإحباط العميقة التي أصابته نتيجة هذه الحرب".

وأضاف أن التقصير الأساسي في حرب عيد الغفران نتج عن خطأ استراتيجي تسبب في مفاجأتنا، لقد كانت لدينا المعلومات الكافية ولكن القيادة السياسية فشلت في تقييم الوقت تقييما سليما وعلى الجانب الآخر وقف العسكريون الإسرائيليون في مجموعات وإن بدت متنافرة فإنها يجمعها رأي واحد وهدف مشترك ..هو تبرئة أنفسهم وتجريح السياسيين.

ويعترف الجنرال موشيه ديان بأنه توجد مفاجآت في هذه الحرب إلا أنه لم يحدث خطأ في بناء قوة جيش الدفاع أو تشكيله وتكوينه.. ويؤكد الجنرال دافيد اليعازر أن هذه أصعب حرب واجهت إسرائيل لقد زحفت علينا بدون انذار سابق (بالمفاجأة).

ويناقض الجنرال هيرتسوج نفسه إذ يقول إن الهجوم الذي يقول إن الهجوم الذي شنه العرب أخذ إسرائيل على غرة وأن تحريك العرب لقواتهم على طول خطوط المواجهة لم يفاجئ إسرائيل ولكنه من الواضح أن الهجوم جاء مفاجأة.

ويأمر الجنرال حاييم بار ليف بأن إسرائيل قد فشلت وفوجئت مرة واحدة وأن ذلك لن يتكرر.. ويأمر الجنرال شموئيل جونين قائد جبهة سيناء جنوده في أمر يومي بمناسبة عيد المظال قائلا "أنتم مكلفون بمهام فرضت عليكم بصورة مفاجئة".

وبين إنكار السياسيين لوقوع المفاجأة واعتراف العسكريين بها في بادئ الأمر ثم تنصلهم من تبعاتها بعد ذلك، دعنا نبحث تحت ضوء العلم وبمقاييس المنطق السليم عن الحقيقة لا سيما وهي ترتبط ارتباطا عضويا بنفس نظرية الأمن الإسرائيلي التي تنادي بها المؤسسة العسكرية من قديم وتبني عليها دعائم الدولة وتنظم بها حياة الأفراد.. فنظرية الأمن الإسرائيلي تعتمد على أربع ركائز أساسية وهي، قوة الردع المتفوقة والتي تضمن لإسرائيل اليد العليا في المسرح، الحدود الآمنة التي يستحيل اختراقها أو تهديدها، امتلاك المبادأة والحفاظ عليها في كل الظروف، توفير الحليف القوي المتأهب للمعاونة في كل وقت سياسيا واقتصاديا وعسكريا ومعنويا.

أفلا يثير العجب إذن أن تخرج حجج إسرائيل لتبرير الفشل الذي منيت به في حرب رمضان فتدعي انها قبلت التخلي عن بعض ركائز أمنها القومي استدراكا لعطف العالم وتخفيفا للأعباء الاقتصادية الثقيلة؟.. ألا يدعو للدهشة ان يدعي ساسة إسرائيل أنهم سلموا المبادأة للعرب طواعية حتى يخلعوا عنهما صفة العدوان في الوقت الذي كرسوا فيه للعدوان باستمرار احتلال أرض العرب وإنكار حقهم المشروع.

ومنذ متى كانت إسرائيل تحرص على سمعتها بين الأمم أو تهتم برأي الآخرين في تصرفاتهم المعيبة وهي التي سفكت دماء وسيط الأمم المتحدة وقوضت كل المساعي الحميدة للسلام واعتادت أولا وأخيرا عن تنفيذ براجها الحائزة على ما تملكه من وسائل دعاية وإعلام قادرة على تضليل العالم أجمع كيفما تشاء الصهيونية.. ووقتها نزيد، ألم يقف مندوب إسرائيل الدائم أمام أعلى سلطة دولية ليقول لها دون حياء أو خجل: "إن مجلس الأمن لا يخرج في نظر إسرائيل عن كونه مجموعة من حيوانات الكنغر".

لقد خرج ديان على العالم بتصريح يثير السخرية التي لا تهدأ مع توالي الأيام فيقول: "إن خط بارليف كان مثل قطعة الجبن السويسري التي بها من الثقوب أكثر مما بها من الجبن أمام القوات المصرية إنها حقا المفاجأة الكبرى".. فحتى ظهر الجمعة 5 أكتوبر نجد القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية تجزمان بعدم وجود أي خطر لاشتعال الحرب على المسرح.

ويظل الحال على هذا الوضع حتى فجر السادس من أكتوبر عندما ترجح الأركان العامة احتمال وقوع الحرب وتجمع السيدة مائير وزرائها وقادتها للتشاور ويطول الجدل حتى الظهر عندما يتفق المجتمعون على التحرك سياسيا بالولايات المتحدة والتحرك عسكريا بإعلان التعبئة الجزئية ورفع درجة الاستعداد والتأهب.

وعندما تجاوزت الساعة الواحدة بعد الظهر من السادس من أكتوبر اسرعت مائير إلى الاتصال بوزير خارجيتها الموجود في واشنطن ليدق ناقوس الخطر ويبدأ الهجوم العربي قبل أن يصل إلى جنود إسرائيل على خطوط الجبهة أي إنذار بالخطر الداهم فإذا لم تكن هذه هي المفاجأة الكاملة على كل مستوياتها والمباغتة التامة في أجل صورها فأي شيء إذن.. غفلة أم تفريط أم خيانة؟ ويحضرنا قول الشاعر "إن كنت لا تدري فتلك مصيبة.. وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم".

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا