الأزمة الليبية تزداد تعقيدا يوماً بعد يوم رغم الجهود الدبلوماسية المبذولة

تزداد الأزمة الليبية تعقيداً يوماً بعد يوم رغم الجهود الدبلوماسية المصرية النشطة من أجل وقف نزيف الدم الليبي، فالمتابع لتطورات الأزمة منذ سقوط النظام الليبي سنة 2012 ، يلاحظ غموض الموقف الدولي وتناقض مواقف أطرافه ، كما يلمس، دون شك، هشاشة الأطراف المتصارعة في ليبيا وعجزها عن بناء توافق من أجل إخراج البلد من شرنقة الأزمة وتداعياتها، بل يبدو واضحا أن تنازع المصالح الدولية والإقليمية فوق الأراضي الليبية عمق ضعف الليبيين، وأبقى على تفرقهم، وعقد حظوظ التصالح فيما بينهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة هو: إلى أين يتجه الصراع في ليبيا ؟ وهل بالإمكان توقع انفراجه من شأنها توفير شروط المصالحة الوطنية بين أبنائه في المدى المنظور؟ وما هي التحديات؟
وهناك رؤيتان لتصور الخروج من دائرة الأزمة في ليبيا : تدعو الأولى، ومن ورائها الولأيات المتحدة الأمريكية، إلى ” أن الفريق خليفة حفتر قائد الجيش الليبي عائق حقيقي أمام إعادة بناء ليبيا” . في حين ترى الثانية، أنه طرف أساسي في المعادلة السياسية، وأن الوقائع في الأرض تؤكد أهميته في رسم المستقبل الليبي.
تباعد الرؤى وتبدل المواقف... الواقع يقول أن الرؤيتين معا تعبران عن وجود تباعد في منطلقات النظر لإعادة بناء ليبيا، والآفاق المنتظرة منه، وهو تباعد مرتبط بشكل عميق بطبيعة الدولة والشرعية المراد تأسيسهما، وتاليا نوعية التوزيع المنتظر الذي سَيطال السلطة والثروة بعد سقوط النظام.
فمن جهة ، ثمة حكومة معترف بها دوليا ، وغير معترف بها من قبل البرلمان بطبرق برئاسة عقيلة صالح، تمخض تشكيلُها بعد جولات من المفاوضات في مدينة “الصخيرات” المغربية (2015)، وبدأت في الاستقرار في العاصمة طرابلس، وتوسيع مجالات نفوذها بالرغم من عدم منح الثقة لها من قبل البرلمان حنى الآن .
ومن جهة أخرى، هناك تصاعد لقوة الجنرال ” خليفة حفتر” قائد الجيش الليبي على الأرض، حيث استغل كل الدعم العسكري واللوجستي الموجود لديه، ليتمكن من السيطرة على منطقة “الهلال النفطي” ثم قام بتسليمها إلى المؤسسة الوطنية للنفط بعد تحذير الدول الخمس الكبرى له بضرورة الخروج من منطقة الهلال النفطي بعد سيطرته عليها وخروج حرس المنشأت النفطية من المنطقة بعد اشتباكات لم تستمر أكثر من يومين.
لعل الجديد في الأزمة الليبية يكمن في تغير نظرة الأطراف الدولية والإقليمية معا، وما يجب فعلُه على الأرض الليبية.. ففي الاجتماع الذي عُقد في “نيويورك”، على هامش الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة، والخاص بالأزمة الليبية، ثم الاجتماع الدولي حول ليبيا والذي احتضنته العاصمة الفرنسية باريس مؤخراً، كانت الرسالة الأساسية للقوى الدولية والإقليمية المشاركة تُفيد أن الأولوية الآن في ليبيا تكمن في الأمن والاستقرار ومواجهة خطر تنظيم “داعش” والهجرة المتنامية من إفريقيا تجاه أوروبا، وأن القوة أو القوى القادرة على تأمين تحقيق هذه الأولوية هي التي ستصنع السلام في ليبيا الجديدة.
لذلك تغيرت نظرة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا حيال اتفاق “الصخيرات” والحكومة المنبثقة عنه، وبدت مواقفها مشددة على أن الجنرال “خليفة حفتر” طرف في المعادلة السياسية الليبية، وأن إقصاءه من البناء الجديد سيكون أمرا صعبا إن لم يكن مستعصيا.
تتأسس حيثيات الموقف الجديد للقوى الدولية على معطى جوهري قوامُه أن الجنرال “حفتر”، أثبت جدارته في مقاتلة تنظيم “داعش”، وقوات مجلس شورى ثوار بنغازي وقوات أنصار الشريعة، ودحره في مواقع حساسة من ليبيا، لم تستطع الحكومة المعترف بها دوليا من التقدم في اتجاه بناء المؤسسات وتوطيد استقرارها وفعاليتها، ولم يتردد المبعوث الأممي إلى ليبيا “مارتن كوبلر” في الإعلان صراحة عن أن حفتر له دور لا بديل عنه في البناء المستقبلي لليبيا.
صعوبات أخرى عديدة
ثمة عقبات أخرى عديدة قلصت من قدرة المبادرات التي طُرحت للوصول إلى تسوية للأزمة الليبية، يتمثل أبرزها فيما يلي:
أولاً: هيمنة البعد الأمني : إن الخلافات الأمنية بين الأطراف السياسية الليبية، لا سيما بين المجلس الرئاسي الليبي وهو أحد الكيانات المنبثقة عن الاتفاق السياسي، والجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر تمثل عقبة أمام تسوية الأزمة، خاصة بعد أن دعا الأول، في 20 سبتمبر 2016، القوات التابعة لوزارة الدفاع وهيئة الأركان بحكومة الوفاق الوطني إلى توحيد صفوفها من أجل مواجهة قوات الجيش الليبي برئاسة حفتر ، بعد سيطرة قوات حفتر على منطقة “الهلال النفطي” .
ثانياً : غياب آليات الإلزام : افتقدت مبادرات التسوية في الأزمات المختلفة إلى الآليات التي يمكن أن تلزم أطرافها بتنفيذها، بشكل أدى إلى تقليص قدرتها على تحقيق نتائج بارزة، وهو ما يبدو جليًّا في اتفاق “الصخيرات” الذي لم ينجح في التعامل مع العقبات العديدة التي تواجه جهود تسوية الأزمة في ليبيا، على غرار الانقسام الحكومي وانتشار الميليشيات المسلحة .
ثالثاً : اختلاف الأولويات : لا يبدو أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تسعى إلى إجراء تغيير في السياسة التي تبنتها للتعامل مع الأزمات الإقليمية المختلفة بصفة عامة ومع الأزمة الليبية على وجه الخصوص، وهو ما دفع اتجاهات عديدة إلى ترجيح اتجاه أوباما إلى نقل “عبء” إدارة تلك الأزمات إلى الرئيس الأمريكي القادم، بشكل أثر على التعامل الأمريكي مع التطورات التي تشهدها تلك الأزمات، وسمح لقوى وأطراف دولية أخرى - مثل روسيا - برفع مستوى انخراطها السياسي والعسكري.
رابعاً: التسويات المرحلية: تكشف دراسة أغلب المبادرات التي طُرحت في الأزمة الليبية عن أنها تستهدف الوصول إلى تسويات مرحلية لا تنهي الصراعات ولا تعالج المشكلات الأساسية، بما يعني أنها تمثل في أغلبها أطروحات تكتيكية، فضلاً عن تراجع دور الأمم المتحدة وهو أمر يبدو واضحًا في كافة الأزمات الإقليمية، بسبب تناقض أهداف القوى الدولية المعنية بتلك الأزمات، بشكل أدى إلى عرقلة الجهود التي يبذلها المبعوثون الدوليون في تلك الأزمات.
خامساً: افتقاد الإرادة السياسية وتداخل الملفات: رغم ادعاء بعض الأطراف الدولية المنخرطة في الصراع الليبي برغبتها في الوصول إلى تسوية سياسية لها، إلا أنها تتبنى توجهات مناقضة في الواقع، بشكل يشير إلى أنها تسعى من خلال ذلك إلى تقليص حدة الضغوط التي تفرضها أطراف داخلية أو قوى إقليمية ودولية، كما أن تداخل الملفات يؤدي إلى تقليص الاهتمام بالأزمات الإقليمية الرئيسية وفي مقدمتها الأزمة الليبية، وهو ما يبدو جلياً في السياسة التي تتبناها الولايات المتحدة الأمريكية التي تقوم في الأساس على مواجهة تنظيم “داعش” لمنعه من تهديد المصالح الأمريكية.
ربما قد يكون “للواقعية السياسية” التي تحكم مواقف القوى الدولية تجاه الأزمة الليبية قدر من الفائدة، وربما قد تفتح أفقا لخروج ليبيا من تمزقها. فما تحتاجه ليبيا بشكل جوهري هو توفير شروط استماع الأطراف لبعضها البعض، وتكاثف الجميع من أجل وقف النزيف المستدام لأرصدة القوة في ليبيا إن بقيت، والتوافق على بناء المستقبل.

لذلك قد يُشكل الحوار بين من بنى شرعيته على الأرض (حفتر)، ومن أسسها على التفاوض (الصخيرات) مقدمة لتحقيق التوافق المطلوب، إن صدقت نيات وإرادات المتحاورين، وإن دفعت القوى الدولية والإقليمية إيجابيا في هذا الاتجاه.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا