عبد الرزاق عكاشة يكتب: "مونيه" والإعجاز على باب كنيسة رودان

على باب كنسية روان، ذات الطراز القوطى من ربيع عام 1892 إلى عام 1893 استأجر الفنان الفرنسى العظيم كلود مونيه استديو يطل على الكنيسة الواقعة شمال باريس.
تتحدث فرنسا بكاملها عن فيلم "سيزان ومونيه" المنتظر أن يخرج لقاعات العرض بباريس نهاية الشهر عن صداقة الفنانين العظام بول سيزان و كلود مونيه .
وتستعيد فرنسا الآن بمناسبة الفيلم، ذكرى اثنين من أهم الفنانين الذين غيروا مسيرة العالم، ويزدحم متحف الأورسيه بآلاف من الزوار الذين أتوا لرؤية لوحات الفنانين على الطبيعة استعدادًا لعرض الفيلم.
فما بين عامى 1892 و1893، كان مونيه يخرح كل يوم ويجلس فى المطر أو تحت آشعة الشمس، فى كل الأوقات وفى كل تغيرات الطقس، ليرسم الكنسية والحياة.
ظل "مونيه" يحلم بتوظيف العلم والحلم والزمن والفلسفة، ومتغيرات اليوم الواحد فى بناء اللوحة واللون، وهو ما جسده فى 30 لوحة عن الكنيسة، منها 4 لوحات فى متحف "الأورسيه" كما يؤكد مدير المتحف د جاك.
فخلال فترة إقامته فى الاستديو قرب كنيسة "رودان" كان مونيه مهمومًا بأن بتخليد النور الإلهى وانعكاسه على باب كنسية رصينة ذات طراز معمارى خاص، ثم يعود إلى المرسم، ويستكمل نظرياته اللونية، واستغنى تمامًا عن نظرية الأبعاد الثلاثة فى الرسم، قاصدًا أن هذا المكان الدينى يأتى فيه النور دائمًا من داخله بأمر الرب.
أدرك "مونيه" أن النور والضوء الآتيين من الكنيسة رسالة، وليس إسقاطًا من ضوء خارجى، وهذه قمة الرومانسية والحلم..
قصد "مونيه" أن يختار كنسية ككنيسة "رودان" معقدة الشكل والتفاصيل، تحتاج إلى مصور بارع لرصد تلك التعقيدات فى مشهد الضوء والظل، كما أنها كنسية فرنسية أصيلة، مما يؤكد على نزعته الوطنية الخاصة.
رأى "مونيه" فى فلسفة كنيسة دودان سندًا إبداعيًا آخر يركن إليه، فمهندسو العمارة يقولون تحديدًا عن هذه الكنسية أنها بنيت على نظرية "أن نرى ما لا يرى"، وهو ما تحداه كلود مونيه، حيث قال العكس فى لوحاته، وهو أنه يجب أن نرى ما هو موجود بالفعل فى أدق التفاصيل.
فإذا كان إسحاق نيوتن بني نظريته العلمية الجاذبية الأرضية من سقوط التفاحة مصادفة، فإن كلود مونيه يؤسس نظرية الزمن بشكل وجداني، وليس صدفة، معتمدًا على تطور المشاعر وأثر البصيرة العلمية في التعامل مع الجماليات وعلومها (الاستيتيكا) وطريقة تطبيقها فى الفنون والوجدان.
ومثالًا على ذلك ما نجده فى لوحات مونيه العملاقة "زنابق النهر" المعروضة على شكل بيضاوى، والمصحوبة بإضاءة علوية تعلو وترفع، حسب الإضاءة الخارجية حول المتحف.
فأقل لوحة من "زنابق النهر" مساحتها ستة أمتار، والأكبر تصل لـ12 مترًا، ورغم الحجم الكبير، فإنها عامرة بالمتعة البصرية والتفاصيل والتنازل عن وجود خط أفقى، ما يمكن المتلقى من أن يسقط ويسبح بصريًا، فى أعماق النهر وفى حركة المياه واتجاه أشجار الصفصاف الرائعة على شاطى مغرسا.
يسبح متلقى زنابق مونيه فى الحس الصوفى والزهد، الذى تشبع به الفنان بعد وفاة زوجته وابنه الأكبر، فخيم الحزن على أعماله، وكساها شجن جميل وخاص ونادر.
من كل هذا نصل لأكبر ميزة عند "مونيه" وهى أن لوحاته بشرت بانفتاح المشهد الفنى على عالم التجريد، بعد مائه عام، وعلى الخصوصية البصرية، حيث كان الفنان يتعمد أن نسمع صوت الفرشاة، ونشعر بالملابس معتمدًا على تركيب لوني طازج.
لا ينتظر مونيه جفاف اللون، إنما يهاجمه بلون آخر، وهو ما يصنع تداخلا وتناغما وافتنانا ملهما، نقف أمامه ملهمين ومنبهرين.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا