“بيت النار” للورداني .. الثورة تفضي لانتكاسة !

“قاهرة أخرى لا أعرفها” هكذا يعلق بطل رواية محمود الورداني الصادرة عن ميريت 2011، متزامنة مع ثورة يناير، على مدينته التي كوته منذ طفولته والتي تحولت شيئا فشيئا لكتل إسمنتية قاسية على أبنائها.
والرواية الحائزة على جائزة ساويرس للإبداع الأدبي ، اعتبرها النقاد ضمن أعمال أكتوبر الأدبية التي تبرز جذور الحرب الاجتماعية وصولا لما أسماه السادات بـانتفاضة الحرامية 1977، والتي انعكست على حياة الأديب شخصيا؛ فقد تدرج بمهن بسيطة كبائع ثلج وعامل مطبعة ، وعانى – تماما كبطل الرواية مصطفى - الحرمان الذي يقاسيه المهمشون بهذا الوطن، وما أكثرهم،
تدور الرواية بأحياء القاهرة الشعبية حيث يروي “مصطفى” كيف تدهور الحال بأسرته المكونة من والدته “قمر” وشقيقته الطفلة “منى” بعد غياب الأب السائق بالنقل العام، وعدم تمكينهم من معاش يضمن حياة كريمة، فأصبحوا يتنقلون بالسكن بشقق مشتركة مع أسر أخرى، يكون نصيبهم حجرة متواضعة يضعون فيها ما لم يبيعونه من أثاث منزلهم .
يتنقل مصطفى ذو العشرة أعوام والجسد النحيل بين مهن بيع ألواح الثلج والعمل بالمطابع ومحال العصير وكي الملابس،ولقد أسهب الكاتب بتفصيل يوميات وأسرار كل منها مما بدا حائلا أمام سريان الأحداث، لكنه أصر على إنضاج البطل – الذي يشبهه- بظروف قاسية تشبه “بيت النار” الذي يوقد المكواة ، كما يتنقل وأسرته بين أحياء شعبية مختلفة كشبرا وعابدين وبولاق وعزبة النخل وسواها..
في محل المكواة بحي بولاق يكون البطل قريبا من الخواجات وقاطني حي الزمالك، لتظهر له الهوة بين “العريان” و”المستور” ، فيكون زبائنه من العلية ويكون جيرانه من القاع.
لغة الرواية تميل للمباشرة ورسم الواقع بقسوته وفجاجته، أما الفصول فتنقسم للمراحل التي مر بها البطل والمهن التي امتهنها.
مصطفى لم يكن إلا ابن طبقة متوسطة لا تزال تحتفظ بكرامتها، وبرغم تنصل عائلته له إلا أنه يصر على تحاشي المرور من الشوارع التي يقطن بها أعمامه أو زملاؤه بالدراسة كي لا تحدث “الفضيحة” ويرونه بملابسه الرثة وقت العمل. ولكنه يقنع بالقروش القليلة التي يحصل عليها والتي تمكن الأسرة من سداد الإيجار أو إلحاقه بالمدرسة وتسد بعض الرمق.
كانت “قمر” أما رؤوما ، لم تلتفت لنداءات الأهل بتزويجها خشية امتهان الرجل الجديد لابنيها، ولم تفرض على ابنها عملا يعوقه عن استكمال دراسته أو يقسو على بنيته ، كما لم تتركهم عرضة لشجارات وبذاءات جيران كل سكن . وقد دأبت على إدخال السرور لقلب الصغار برغم شظف العيش، وكانت صديقة لهم رغم السقطات المريبة التي وقع فيها الصبي بطل الرواية جنسيا مع فتاة خرساء مثلا تسكن بالحجرة المجاورة لهم، وقد تعمد الكاتب تفصيلها بالصفحات الأولى .!
ثم يتعرض بطل الرواية للاحتجاز مع “الباعة السريحة” بقسم الأزبكية وسوء المعاملة من قبل العساكر، وشاهد بذاءات الساقطات والمرشدين وبعض الأمناء، ولكن الغريب أن يتلصص الصبي المحتجز على إحداهن ويترك العنان لخيالاته وسط أجواء عابسة، كما تكررت ألفاظ نابية بالرواية تدور على ألسنة الفئة الساقطة بالمجتمع، وهو جزء من مدرسة الواقعية في الأدب، ومن حصيلة القهر يقرر الانضمام لأحد الأحزاب السياسية اليسارية الثورية الداعية لإصلاح البلاد وتطهيرها من الفساد، ولم ينل من تجربته سوى الاعتقال، وحين سعى للهروب بعد انتفاضة 18 و19 يناير 1977 جرى فصله من عمله كمدرس ، وتفكك الحزب -كعادة أحزابنا – لاحقا .
كما عمل مندوبا لإعلانات صحيفة “صوت العروبة” التي يرأس تحريرها رجل لا “يفك الخط” ، في سخرية من واقع نخبتنا !
يتجرع بطل الرواية مرارة نكسة يونيو كرفاق جيله ، ومع حرب أكتوبر يتجند بطل الرواية بالجيش وبرغم الآمال الكبرى المعقودة على الحرب لاسترداد كرامة المواطن إلا أنه يشعر أن الحال بعد الحرب ظل كما هو . وقد عمل على نقل جثامين الشهداء من المستشفى للمقابر وقد كان البعض ينظر لهم كمجرد أرقام بسجلات .
وبمضي النصف الأول من عقد السبعينات يكون نسبة كبيرة من رفاقه قد هاجروا للخليج بعد تخرجهم، وتتزوج شقيقته من أحد العائدين من هناك والذي يحمل أفكارا تختلف عن الثقافة المصرية المتميزة بالاستنارة الدينية، فنجد الكاتب يجسد إحدى حالات التشدد والانغلاق التي عانت منها البلاد.
كان مصطفى يتحمس للهتافات والمظاهرات المؤيدة لعبدالناصر ، كانت صورته المحمولة على الأعناق تبهره وإلى جواره صورة المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد حينما كان لمصر دور باستقلال العالم العربي من التبعية للغرب. وانقلب الحال فصار معارضا لخلفه الرئيس السادات ، واندرج ضمن تنظيم شيوعي مناويء انتهى بالتحلل، وبهذا يرسم الكاتب مسار نخبة اليسار المصرية منذ ثورة يوليو وحتى اليوم .
يباغتك الكاتب بإشارات لما جرى بعد ثورة يناير بموازاة الصور القديمة والحديثة، فقد رفع المصريون عبدالناصر على الأعناق ثم بعد عقود رفعوا أحمد شفيق المرشح لانتخابات الرئاسة بعد الثورة المصرية قبل أن ينجح الإخوان المسلمون بالوصول للحكم . وفي المشهد الأخير نجد أن الأسرة تكاد تتوه في زحام المتظاهرين، وهو دلالة تامة على توهة المصريين في تلك المرحلة العصيبة .
ويهرب مصطفى من عذابات الامتهان بالوظائف والمهن اليدوية التي تنقل بينها لبراح الفن والإبداع والقراءة والكتابة ليجد عوضه هناك..
قدم الكاتب مجموعات قصصية من بينها  ” السير في الحديقة ليلا” 1984، و”النجوم العالية ” 1985، و” في الظل والشمس” 1995، غير عدد من الروايات الجميلة منها ” ” نوبة رجوع” 1990 ، و” رائحةالبرتقال” 1992، و” طعم الحريق” 1998 . وقد ترجم بعض من تلك الأعمال إلي الانجليزية والفرنسية كما فاز بعضها بجوائز أدبية مرموقة. 

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا