تناقضات قيادات الجماعة الإسلامية.. بدأوا ناصريين واستخدمتهم السلطة لضرب اليسار.. قتلوا الرئيس السادات ثم وصفوه بالشهيد..بعد 25 يناير تحالفوا مع الإخوان.. وتشتتوا بين السجون وملاذات الإرهابية فى الخارج

أيمن الظواهرى اتهم قيادات الجماعة الإسلامية بدفع الكوادر للمواجهة لتخفيف الضغط عليهم
وعضو بالجماعة: أقنعونا فى السجن أن عناصر الخارج ستحررنا باقتحام السجون
لم تعرف مجموعة من المشتغلين بالعمل السياسى التقلب فى الموقف والانتقال من الفعل إلى نقيضه، كما فعلت مجموعة القيادات التاريخية بالجماعة الإسلامية أو "الإخوة الكبار" كما يسميهم كوادر الجماعة، فهؤلاء هم الذين حملوا السلاح ضد الدولة فى لحظة واغتالوا رئيسها، ثم أعلنوا فى لحظة أخرى أن هذا الذى إغتالوه هو شهيدا عند الله، وأنهم نبذوا العنف إلى الأبد، لكنهم بعدها بسنوات اصطفوا بغرابة شديدة إلى جوار من يمارس العنف والتفجير فى تحالف واحد، ودشنوا فى ذات التوقيت حملة بعنوان " لا للتفجير "!!
تناقضات القيادات التاريخية للجماعة الإسلامية بدأت منذ الستينات من القرن الماضى، حين تفتح وعى أغلبهم على المرحلة الناصرية وشعاراتها، فأدى ذلك إلى أن أغلبهم كان منتمى للتيار الناصرى، فعلى سبيل المثال والد عاصم عبد الماجد كان أحد المسئوليين بالاتحاد الاشتراكى فى المنيا، وانضم هو ومعه عصام دربالة إلى منظمة الشباب، بينما اعترف ناجح إبراهيم فى مقال نشره قبل سنوات تحت عنوان "الرئيس عبد الناصر فى فكر داعية" بأنه مرحلة وصفها بـ" الإعجاب الشديد بالرئيس عبدالناصر والحب الشديد له.. واستمرت هذه المرحلة معى منذ طفولتى.. وحتى انتمائى للحركة الإسلامية فى الجامعة" وفقا لنص قوله كما اعترف عبد الأخر حماد مفتى الجماعة الآن بأنه كان ناصرى متعصب قبل انضمامه للجماعة الإسلامية.
كل هؤلاء انقلبوا إلى العكس تماما بعدها بسنوات قليلة، وتم إسناد مهمة محددة لهم وهى ضرب التيار الناصرى داخل الجامعات المصرية لصالح نظام الرئيس أنور السادات، وبقى التحالف السرى بينهم وبين النظام لعدة سنوات، ثم واصلوا بعدها عادتهم فى التقلب وقرروا اغتيال رئيس النظام، الذى تحالف معهم بهدف إقامة الدولة التى يسعون لها، وبعدها وقع الصدام الشهير بينهم وبين أجهزة الأمن، الذى أسفر عن الزج بمعظم أعضاء مجلس شورى الجماعة الإسلامية فى السجون على فترات متباعده، منذ بداية الثمانينات إلى أتبعت أجهزة الأمن سياسة الضرب فى سويداء القلب فى بداية التسعينات، وتم إلقاء القبض على أغلب أعضاء الجماعة، وبينهم تقريبا كل القيادات البارزة باستثناء الذين هربوا خارج مصر.
داخل السجن استمرت تناقضات الإخوة الكبار، لكن بقدر من البراجماتية الذى يصب فى صالحهم على حساب مئات الكوادر والأنصار المعتقلين، ولعل شهادة أيمن الظواهرى التى كشف عنها فى كتابه الشهير "التبرئة" تكشف إلى أى مدى استغلت قيادات الجماعة الإسلامية كوادر الجماعة بالخارج، ودفعتهم لتنفيذ عمليات بهدف واحد فقط وهو تخفيف الحصار عنهم، حيث قال نصا فى إطار تبريره لفشل محاولات الاندماج بين جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية :" إخواننا فى الجماعة الإسلامية كانت لديهم مشكلة أساسية فى نظرى، ألا وهى تبجيلهم الزائد لقيادة السجن، التى كانت تفرض نفسها على قيادات الخارج، وكانت النتيجة أن دفعوهم مبكراً للمواجهة حتى يخففوا من ضغط الحكومة عليهم فى السجون، ثم كانت الطامة حينما قتلوا الجماعة باستسلامهم فى السجون من أجل الإفراج عنهم حتى وإن أدى بهم ذلك للاعتراف بحسنى مبارك رئيساً وبالسادات شهيداً، فخنقوا الجماعة وأزهقوا روحها "
تتطابق شهادة الظواهرى أمير جماعة الجهاد آنذاك مع شهادة "م.ع" أحد كوادر الصف الثانى داخل الجماعة، الذى كان محتجزا داخل السجن وقتها، حيث يقول :"قبل المبادرة كان هناك اعتقاد سائد داخل السجن بأن الإخوة فى الخارج سيصلوا إلى الحكم فى مصر، وأن نظام مبارك يترنح، وأنه سيأتى يوم يقتحموا فيه السجون ويحرروا المشايخ الكبار " .
هذه الحالة من الأصرار التى بثها "الإخوة الكبار" فى صفوف المعتقلين من الأنصار والكوادر، كانت تدفع أغلهم لعدم تصديق مجرد احتمال أن الجماعة من الممكن أن تتصالح مع الدولة، وفقا لشهادات عدد كبير من كوادر الجهاد والجماعة الإسلامية الذين تم احتجازهم فى السجون آنذاك، فمثلا يؤكد "م.ص" أحد كوادر تنظيم الجهاد، أن عناصر الجماعة الإسلامية فى سجن الفيوم عندما بدأت تتواتر الأنباء عن مبادرة وقف العنف، أقسموا بأنهم لن يتبعوا المشايخ إذا تراجعوا عن فكرهم.
فى منتصف تسعينات القرن الماضى، تم الإعلان عن مبادرة وقف العنف، وفى 2001 تم تفعيل المبادرة من خلال مراجعات الفقهية ناقضت فيها الجماعة كل ماخطته من قبل، فبعد أن كانت كتب الجماعة القديمة مثل ميثاق العمل الإسلامى والفريضة الغائبة تتحدث عن" قتال أى طائفة على وجه الأرض تحكم الناس بغير شرع الله كافرة كانت أو منتسبة للإسلام" إلى أن ذهبوا إلى النقيض تماما بعد المراجعات، حيث قالوا نصا فى كتاب "تسليط الأضواء على ماوقع فى الجهاد من أخطاء": "إن الإصرار على القتال سواء فى مصر أو غيرها من البلدان، طالما أنه قد جلب من المفاسد العظيمة على الدين والدنيا ولم يحقق أى مصلحة تذكر لا فى دين ولا فى دنيا، كان هذا القتال محرما وممنوعا شرعا وعقلاً." وفى كلا الموقفين كان التبرير جاهز سواء لإقامة الدولة الإسلامية فى المرة الأولى أو حقن الدماء فى المرة الثانية.
ذهبت الجماعة بعد الإفراج عن الإخوة الكبار إلى ماهو أبعد من ذلك، فمثلا صرح ناجح إبراهيم – الوحيد الذى كان مسموحا له بالكلام وقتها -بأن حبيب العادلى هو أفضل وزير داخلية فى تاريخ مصر،كما نشرت مقالات على موقعها الرسمى تفيد بشرعية اتفاق كامب ديفيد الذى كان أحد أسباب اغتيال الرئيس السادات، والذى تعارضه غالبية القوى المدنية، ويوم نشر هذا المقال ضج أحد الكوادر من هذه التناقضات التى كان عمرها قد بلغ نحو الـ25 عاما وترك لهم تعليقا قال فيها:"أرجوكم اصمتوا..كفى بالمرء هو أنا أن يضيع كل ماضيه "
عقب ثورة يناير، واصلت الجماعة الإسلامية سلسلة تناقضاتها، لكن بعد تغييرات عصفت بعقلاء الجماعة، وعلى رأسهم ناجح إبراهيم فتم تأسيس حزب البناء والتنمية، وتناست الجماعة خضوعها التام للأجهزة الأمنية خلال السنوات القليلة التى سبقت الثورة، وشن قياداتها هجوما عنيفا ضد الأجهزة الأمنية وحملات تحريض ضد قوات الجيش، وانتهى بها الأمر إلى الاصطفاف إلى جوار الإخوان فى رابعة العدوية، لكن بعد فترة جمدت الجماعة عضويتها فى التحالف الداعم للجماعة دون أن تنسحب منه، وبدأت تدين العنف دون مهاجمة الإخوان.
الحال الذى انتهى إليه الإخوة الكبار اليوم، يعبر بصدق عن الدراما التى صاحبت قصتهم، فبعضهم لزم داره وتمسك بمراجعاته، والبعض الآخر اتسعت الملاذات الآمنة للإخوان فى تركيا وقطر لاستقبالهم، وآخرين لازالوا قيد الاحتجاز فى السجون، وهو حال فى مجمله لا يختلف عن حالهم عقب حادث المنصة، وكأن قطار العمر يمضى فى دائرة مغلقة تنتهى إلى حيثما بدأت.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا