المصور السينمائى سعيد الشيمى يروى ذكرياته فى جبهة القتال 1973: بسالة الجنود ودمار الحرب مشاهد لا تغيب عن ذهنى منذ عودتى.. والأفلام التسجيلية تفوقت على السينمائية فى تجسيد المعركة

بعين مصور سينمائى وأدوات تصوير بدائية وصل المصور السينمائى "سعيد الشيمى" إلى خط القتال بحرب السادس من أكتوبر عام 1973، محاولاً التقاط ما يستطيع الحصول من اللقطات ليعود بها إلى القاهرة فى حدود مادة الأفلام الخام التى كانت تستخدم آنذاك، فكان ما تبقى من آثار لمعركة "صائد الدبابات" هو أول ما التقطته عدسته، حتى امرت القيادة بعودتهم إلى القاهرة فور حدوث الثغرة ولم يتمكن من العودة إلى خط النار من جديد..الشيمى يروى لليوم السابع فى الحوار التالى ما رصدته عدسته خلال المعركة وما لم يسعفه الوقت لالتقاطه، كما عبر عن انتقاده لكل الأفلام السينمائية التى أنتجت عن حرب أكتوبر بالرغم من مشاركته فى تصوير أحدهم.
· كيف تم اختيارك للسفر إلى ساحة المعركة؟
هذه ليست المرة الأولى التى أذهب فيها إلى المعركة فسبق لى أن سافرت إلى ساحة قتال حرب الاستنزاف أكثر من مرة، لكن موعد حرب أكتوبر كان مفاجأة للجميع، وفور أن اندلعت المعركة توجهت ومعى المخرج داود عبد السيد إلى مكتب يوسف السباعى وزير الثقافة انذاك وطلبنا منه السفر إلى الجبهة لتصوير مشاهد سينمائية، لكن رده كان صادم لنا عندما قال " الحرب مش لعبة لكن اتركوا لى اسمائكم وسوف أعرض الامر على الجيش"، وفى يوم 12 أكتوبر تم إبلاغنا بالموافقة على سفرنا إلى هناك فسلمنا أنفسنا للقيادة فى القاهرة مساء 12 أكتوبر وتحركنا فجر 13 أكتوبر ومعنا ضابط مرافق إلى موقع الجيش الثانى.
· صف لنا لحظات نزولك إلى ساحة القتال؟
كان لدى هاجس لأنى كنت متطوعا يرتدى الملابس المدنية "بنطلون جينز وقميص"، هو الأمر الذى يجعلنى مستهدفا من الطرفين، لكن الضابط المرافق لنا أعطانا تعليمات بأنه مع أى هجوم نلقى بأنفسنا فى أى حفرة من الحفر الموجودة، ومع أول هجوم شعرنا بصوت انفجار ضخم فقفزت على الفور إلى أقرب حفرة لى كان بها عسكرى مستيقظ من نومه للتو، وعرض عليا طعامه وشرابه، ثم هدأ من روعى بعبارة "الرصاصة التى ستأتى لقتلك مكتوب عليها اسمك ولن يصيبك غيرها ولن تفلت منها"، الأمر الذى دعانى للتعجب من هذه الشجاعة، لكن هذه كانت عقيدتهم بعد سنوات الحرب التى عاشوها.
· فى أى موقع بالتحديد بدأت فى تصوير المعركة؟
اصطحبنا الضابط المرافق إلى موقع معركة "صائد الدبابات" البطل محمد عبد العاطى فقمنا بتصوير أرض المعركة وجثث الجنود الإسرائيليين.
· ما الصعوبات التى واجهتك فى مهمتك الأولى؟
رائحة الجثث كانت قاتلة، الصعوبة الاخرى كانت فى الامكانيات الخاصة بكاميرات الفيديو لأننا كنت نصور بكاميرا سينما وأفلام خام، ليست بجودة الكاميرات الموجودة التى نراها اليوم، وأيضا من ضمن الصعوبات التى أتذكرها هى اننا نمنا فى الحفر الموجودة داخل الصحراء وكان هناك تبادل لإطلاق النار وعدم معرفتنا لكلمة السر التى تسمح لنا بالمرور.
· ما هى المشاهد التى التقطها فى اليوم الثانى؟
فى اليوم الثانى لتواجدنا لفت نظرى ضرب الصواريخ للطائرات، لكنى فشلت فى التقاط صور حيه لذلك إلا فى آخر الرحلة بعدما اكتسبت الخبرة التى تتيح لى الوقت لتجهيز الكاميرا الخاصة بى والتقاط المشهد بعد سماع صوت الصاروخ، وتعرض هذه اللقطة الخاصة بى على التلفزيونات حتى الآن.
· هل انتقلت إلى خط النار؟
فى نهاية اليوم الثانى انتقلنا إلى مركز قيادة تبة الشجرة وهناك اقتربنا أكثر من تبادل إطلاق النار، وتغيرت التعليمات فمع الوصول سمعنا من الجنود عن ضرورة مراقبة صوت القذائف والهروب منها فى الحفر، وبعد أن التقينا القائد أخبرنا أن تعليماته لجنودها بمراقبة صوت القذائف والهرب منها هو سر صمودهم حتى الآن على بعد امتار من العدو الذى يطلق قذائف المدفعية والطائرات باستمرار عليهم.
· ما هو أهم مشهد التقطته عندما وصلت إلى خط النار؟
هناك مشاهد كثيرة كانت تستحق الالتقاط أحدها تماسك أحد الجنود حتى وصل إلى مركز القيادة وهو يضع "الأفرول الخاص به على صدره" ليخبر قائده أنه أصيب ويجب إرسال أحد لسد فراغ موقعه، هذا المشهد أذهلنى لكنى لم أستطع التقاطه، لكنى نجحت على خط النار التقاط مشاهد لأسرى وجثث جنود إسرائيليين كذلك مشاهد لشهداء مصريين وبعد ذلك نقلونا إلى بور فؤاد لالتقاط صور لحصار أحد نقاط العدو الحصينة، لكنهم لم يوافقوا بمرورنا إلى هناك لان نقطة العدو قد وصلها إمدادات جديدة من البحر واشتد الاشتباك لذلك عدنا إلى بورسعيد وصورنا المقاومة والجرحى والمستشفيات حتى صدرت أوامر شديدة من قيادة الجيش برجوعنا وتوقف التصوير.
· لماذا صدرت أوامر برجوعك؟
لم نعرف وقتها السبب، لكن خلال طريقنا إلى القاهرة اكتشفنا زيادة حده الاشتباك بالقرب من القاهرة، كما رأينا دبابات تتحرك من القاهرة إلى خط المعركة، وعندما عدنا اكتشفنا أن طريق العودة كان خط المعركة التى تعرف بالثغرة.
· هل حاولت العودة إلى الجبهة مجدداً؟
حاولنا العودة بعدما حدثت الاشتباكات فى السويس لكن القيادة العسكرية رفضت.
· أين ذهبت المادة الفيلمية التى سجلتها خلال رحلتك على الجبهة؟
حصلت عليها المخابرات العسكرية ويذاع منها بعض المشاهد على التلفزيون المصرى.
ما أكثر المشاهد التى ظلت متعلقة فى ذاكرتك بعد العودة من الحرب؟
كفنان عندما ذهبت للحرب وعدت منها، ظل فى عقلى مشهد ثابت هو مشهد الضحايا الذى يرسخ لرسالة مفادها أن الحرب دمار، كما ظل فى عقلى مشهد حاولت تكراره سينمائياً لكنى لم اخرجه كما رأيته وهو المشهد المصاحب لبداية أول ضوء للنهار وتحرك الدبابات والجنود يقطعون فى مساحة متر ضباب مرتفع عن الأرض وضوء النهار يكشف الاحداث فى تسلسل سينمائى، لكن لم أصوره نظراً لقلة المادة الخام للأفلام، بالإضافة إلى مشهد العسكرى الجريح الذى تماسك حتى وصل لقيادته.
· ما هى الأفلام السينمائية التى شاركت فى تصويرها لنقل رؤيتك عن الحرب؟
شاركت كأحد مصورى المشاهد القتالية فى فيلم "الرصاصة لا تزال فى جيبى" وكنت مديراً لتصوير فيلم الطريق إلى ايلات ومخرج المشاهد القتالية بالفيلم، كما أن الفيلم فكرتى لكن عندما عجزت عن انتاجه توجهت به للدولة لإنتاجه وهو ما حدث لكنه فيلم لا يعبر عن الحرب بقدر ما يعبر عن مرحلة حرب الاستنزاف.
· هل عبرت هذه الأفلام السينمائية عن الحرب كما رأيتها؟
الأفلام السينمائية لم تنصف الحرب ولم تعبر عنها، ففيلم الرصاصة هو فيلم مصرى عادى قاموا بحشر الحرب فيه ولم يرضينى طريقة إخراج المخرج الإيطالى ماريو له، لكن فيلم الطريق إلى إيلات الذى خرج فى مطلع التسعينات عبر عن لحظته وعبر عن رسالته، لكن لم ينصف الحرب سوى الأفلام التسجيلية كفيلم "أبطال من مصر".
· لماذا لا ننتج أفلاما عن الحرب؟
فى عهد مبارك تقدمت بمشروع فيلم جديد إلى الدولة لكن الإجابة جاءت لى "أننا الآن فى سلام مع إسرائيل ومش عايزين أفلام جديدة عن الحرب تعوق عملية السلام" فأخبرتهم أن الأمريكان أنتجوا أفلاما عن المعارك التى انتصر عليهم الآخرون فيها وأن هناك ضرورة لوجود أفلام موجه تدعم الجيش كما الأمر فى أمريكا.. لكن لم يستجب لى أحد.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا