ورقة وكلمة وصورة زفاف.. هذا ما تبقى من ذكريات سيدات مصريات خرج أزواجهن فى الحرب ولم يعودوا.. من الألم للفخر تتوارى حكايات زوجات شهداء أكتوبر

تتوالى السنوات وتتوارى الأعوام ويأتى اليوم ليطيح بالآخر، فتموت أشياء وتولد أخرى وتتغير الأحوال وتتبدل الدنيا والظروف، ثورات تعلن ومظاهرات تخمد، أنظمة تنهار وأخرى تتربع على العرش كلها أحداث مرت على مصر منذ حرب أكتوبر المجيد لتغير وجداننا وتضيف إلى ذاكرتنا، وعلى الرغم من قوتها وتكدسها إلا أنها لم تستطع أن تمحو ذاكرة زوجة حضرت حقيبة السفر لزوجها دون أن تعلم أنه سيخرج أنه فى هذه المرة لم ولن يعد.
33 عاما منذ انتصار أكتوبر وحتى الآن لم يكونوا كافيين على الإطلاق لتتغير مشاعر ست مصرية أصيلة كانت سبب من أسباب الانتصار وقبلت بأن تخوض التجربة الأصعب وتتزوج من ضابط جيش فى أيام الحرب، لتراهن على حياتهما معاً فى كل مرة توضب له أغراضه ليذهب إلى مصيره المجهول، فربما يعود وتتحول إلى زوجة البطل، وربما يؤثر ويتعصر قلبها من الخوف والقلق عليه وهو فى قبضة أعدائه الذين لا يعرفون للرحمة ولا الضمير سبيل، أو يأتى لها خبر استشهاده لتعلم أن هذا العناق والدموع التى ظرفت فى أحضانه كانت تلك هى اللحظة الأخيرة والحضن الأخير الذى يجمع بينهما فربما يلتقيان فى العالم الآخر ليستكملا حياتهما التى لم يستطيعا عيشها سوياً.
فبين الألم والفخر أجرى "اليوم السابع" حوارات مع زوجات شهداء وأبطال حرب أكتوبر المجيد لتبرز دور الست المصرية فى هذا الانتصار الجليل الذى كتبوه بدموعهن وبالتضحية بمن وجدوا فى وجودهم الحياة وعاشوا أموات بعد رحيلهم، والمفارقة هنا تكمن فى رفضهن للزواج وهن فى عز شبابهن.
شهر زواج والحب يبقى سنوات
"الزواج الناجح والحب الصادق بالاستمرارية" كان الاستمرار فى العلاقة والعشرة سنوات هى الشاهد الوحيد على الحب الصادق والزواج الناجح، لكن السيدة "نريمان" ضربت بكل هذه القواعد عرض الحائط واستطاعت أن تضع قاعدة خاصة لها لتقر على معانى الحب الحقيقية والذكرى العطرة بين الأزواج التى قد تظل حتى إذا رحلوا عن العالم.
فبعد قصة حب طويلة استمرت لسنوات لم تكلل سواء بشهر زواج لم يخلف عنها حمل أو إنجاب قررت هذه المرأة العظيمة أن تخلد ذكرى زواجها من الرائد "رضوان يوسف" بطل فريق الصاعقة المصرية فى حرب أكتوبر المجيد، وتعيش على ذكراه والمشاهد القليلة التى تجمع بينهما حتى وإن كانت لم تتعد 60 يوماً راح بعدها تاركها رافضة لأى مظهر من مظاهر الحياة من بعده.
وفى كلمة لـ"اليوم السابع" روت "نريمان" السيدة الخمسينية حكاية عشقها لبطل ضحى بروحه من أجل كرامتها وكرامة الوطن قائلة": كان الرائد "رضوان" مثال للشرف والنبل والأخلاق وقعت فى غرامه سنوات طويلة لأنه كان " ابن الجيران" والحمدلله مرت السنوات وكتب لنا القدر أن نجتمع سوياً تحت مظلة بيت واحد، وعلى الرغم من التحذيرات التى تعرضت لها فى هذه الفترة نظراً لأنه ضابط جيش وأننا فى وقت الحرب ولا يوجد شىء مضمون فى هذه الأيام، إلا اننى أصريت على استكمال قصة حبنا مهما كانت النتيجة.
وتتابع " نريمان" وبالفعل عقد قراننا وكان يوم فرحنا فى يوم 29 أغسطس عام 1973، وكان أجمل يوم فى حياتى ربما لم أعش هذه ولم استعيد ابتسامتى بعده ولو للحظات بسيطة، فاستمر زواجنا لمدة شهرين متقطعين وغير منتظمين على الاطلاق بسبب سفره المتتالى وخضوعه للتدريبات التمهيدية للحرب، واستمرينا على هذا الحال حتى طلب منى أن أضب له أغراضه دون أن يخبرنى انه ذاهب إلى الحرب ودون أن يؤهلنى انها اللحظة الأخيرة وأنه سيذهب دون رجعة.
وبالفعل تفاجأت مثلى مثل باقية الشعب المصرى باندلاع الحرب وكنت اتابعها من خلال شاشات التلفزيون، حتى انتهت بالانتصار العظيم وكسر شوكة العدو، وانتظرت رجوع الحبيب بعد انتهاء الحرب وتمر الأيام دون أن أضع لانتظارى نهاية، فسعيت بحثاً عنه والسؤال على رجوعه وتوجهت للجهات المعنية بالأمر وللأسف فى البداية اختلط علينا الأمر جميعاً واعتقدنا أنه مازال على قيد الحياة.
مضيفة: وظللت فى انتظاره حتى شهر مارس حتى أذيع الخبر الذى لم أكن أتمناه على الإطلاق، والذى أعلن عن استشهاد زوجى وأبى وحبيبى وكل ما لى فى الحياة، حينها ضاقت الحياة بعينى واعتبرتها نهايتى الحقيقى حتى لو عشت بعدها عشرات السنوات.
ومنذ ذلك الحين وأن قررت أن أكون له وحده دون غيره، ولم أتقبل أى عروض للزواج مهما كانت، وعلى الرغم من عدم إنجابى منه إلا أننى قاومت رغبتى فى الأمومة وقررت ان أفنى نفسى فى العلم واستكملت دراستى العليا حتى حصلت على الدكتوراه فى مجال التربية الرياضية ومازالت أحمل اسمه وحده دون غيره حتى أقابله فى عالم آخر.
فاطمة ترفع شعار "شهرين زواج بالعمر كله"
مشى معظم زوجات شهداء حرب أكتوبر على نفس خطوات التضحية والكفاح فى سبيل الوطن والزوج الذى هو فى حد ذاته وطن آخر لهن، فلم تحتكر واحدة دون غيرها فكرة البقاء على اسم بطلها حتى بعد رحيله واختيار الوحدة على أن يشاركها واحد أخر حياتها ويكون سند له، بعد أن رحل سندها وترك خلفه الذكرى العطرة والذرية الصالحة.
بهذه الكلمات ربما نقترب من حياة السيدة " فاطمة محمد" التى اختارت تربية ابنها ليسير على نفس خطى أبيه على أن تأتى له بزوج أم ربما يسىء تربيته وفقاً لحديثها الذى حكت من خلاله مأساة سمعها لرحيل زوجها النقيب "السيد عبد المنعم الشبكى" قائلة": هذا الرجل كان يستحق العشق كان فارس بكل ما تحمل الكلمة من معنى استطاع أن يؤثر قلبى وعقلى معه ويأخذهم إلى عالمه تاركنى وحيده لا استطيع التفكير فى غيره، فجاء زواجنا بناءً على قصة حب قوية نحن أولاد عم فى الأساس ولهذا كانت هناك فرصة كبيرة لرؤية بعضنا البعض.
وتتابع فاطمة": وبالفعل تمت خطبتنا واستمرينا لمدة عام، ثم كان عقد قراننا الذى استمر أيضاً لمدة عام أخر، حتى جاء موعد الزفاف قبل اندلاع الحرب بشهرين فقط لا غير، واستطاع من خلال هذه الأيام المعدودة أن يعوضنى عن قدر كبير من الحب والحنان الذى يكفينى حياتى بأكملها وكأنه كان يعرف بأنه سيذهب بدون رجعة لذلك قرر أن يحيطنى ويغمرنى بعطفه وحنانه الذى لن أجده فى مخلوق من بعدده.
ولكن ما أراه رحمة من الله عز وجل هو حملى فى تلك الفترة القصيرة فعلى الرغم من أنه ذهب إلا أنه ترك بذرته بداخلى تنموا وتكبر حتى تصير نسخة طبق الأصل منه، فتابعت أيام الحرب كأى مواطنة عادية حتى جاء خبر استشهاد زوجى الغالى، وعلى الرغم من الحزن الذى دعنى أغرق فيه وحيدة إلا أننى كنت سعيدة بأننى استطعت تحقيق حلمه فى إنجاب ذكر يحمل اسمه.
وتضيف "فاطمة": أتذكر زوجى النقيب "السيد عبد المنعم الشبكى" فى آخر أيامه معى عندما استفاق من النوم وقال لى أنكى ستنجبين ولد يحمل اسمى وكان ينتظر تحقيق رؤيته، وها أنا الآن أحافظ على حلمه حتى أقابله واؤكد له أننى حققت له ما أراد، ولذلك لم أرتضى بأى عرض زواج وعشت عمرى لابنى وأنا سعيدة وفخورة ومرفوعة الرأس بقصة والده البطل الذى أتى بالنصر لمصر، والذى ترك لنا إرث كبير من حب الناس ومساعدتهم لنا.
إيمان حملت راية زوجها وتفانت فى تربية أولادها
بعد الحرب هناك بطولات أخرى خفية لا تقل شيئاً عن التضحيات التى قدمها الجنود على الحدود، فهناك زوجات استطعن إعلاء رايات الانتصار بعد قيامهم بدور الأب والأم وإدارة شئون المنزل وتحمل مسئولية الابناء دون أى تقصير والانصراف تماماً عن متع الحياة وملذاتها فى مقابل حمل راية الأب البطل الشهيد، هكذا استطاعت السيدة "إيمان أحمد" زوجة الشهيد الطيار "سامح مرعى" فاستكملت رسالته على أكمل وجه وأصرت على تنشئة ابنائه على نفس الخط والمصير الذى كان يتمناه لهم، رافضة فكرة الزواج من قريب أو من بعيد للحفاظ على هذا الإرث الذى تركه زوجها له.
سردت "فاطمة" تفاصيل استشهاد زوجها الطيار "سامح مرعى" وهى مطمئنة القلب مبتسمة الوجه صافية الصوت قائلة: استمر زواجنا لمدة 5 سنوات وعلى الرغم من أنها مدة قصيرة إلا أنها مقارنة ببعض قصص زوجات الشهداء هى الأفضل، فالبعض زيجته لم تستمر أكثر من شهور والبعض الأخر لم تستمر حتى ساعات معدودة، لذلك فانا دائماً أحمد الله أنه منحنى هذه الفترة لأحاول أن اتشبع من هذا الرجل الخلوق الذى لا يعوض أبداً.
وتابعت "فاطمة": 5 سنوات كانوا الدنيا وما لى فعلى الرغم من انخراطه دائما فى السفر نظراً لحالة الطوارئ التى كانت تعيشها مصر فى تلك الحقبة والتى كان يعيشها ضباط الجيش على وجه الخصوص، إلا أنه كان يحاول دائماً أن يعضونا عن انشغاله فى إجازته وكان دائم الزيارات العائلية والخروج معى ومع أبنائه "نسرين وشريف".
أتذكر آخر مرة قبل الرحيل اتصل بى هاتفياً وهو فى المطار وقال لى أريدك أن تجهزى نزهة خاصة لنا تضفى روحاً جديدة على علاقتنا، وبالفعل ذهبت سريعاً وحجزت تذكرتين بقاعة سيد درويش، وانتظرته يأتى حتى نتمتع إلى الحفلات الموسيقية والطربية، لكنه رحل وترك التذكرتين لى حتى احتفظ بهم مدى الحياة.
فى حين قالت نسرين سامح مرعى "ابنة الشهيد": رحل والدى وأنا لم أتعد 4 سنوات، لم أتذكر ملامحه جيداً ولا مواقف واضحة حدثت بينه وبينى، لكننى كنت ومازلت فخورة بهذا الأب المثالى الذى ترك السمعة والذكرى العطرة، فحتى الآن كلما قابلت زملائه المحاربين أو حتى الجيران والأصدقاء يرووا لى قصص عن بطولات أبى واستماتته من أجل الوطن ويجعلونى انبهر يوماً بعد يوم عن هذا البطل المغوار الذى نشعر بأنه تاج فوق رؤوسنا جميعاً.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا