نزار ودرويش ينقشان فرحة النصر في صدور العرب

“قبل السادس من أكتوبر 1973 كانت صورتي مشوشة وغائمة وقبيحة، كانت عيناي مغارتين تقشش فيهما الوطاويط والعناكب، وكان فمي خليجا مليئا بحطام المراكب الغارقة، وكانت علامتي الغارقة المسجلة في جواز سفري هي أنني أحمل علي جبيني ندبة عميقة اسمها حزيران، أما عمري في جواز سفري القديم.. فقد كان مشطوبا لأن العالم كان يعتبرني بلا عمر.
واليوم 6 أكتوبر 1973، يبدأ عمري.. واليوم فقط.. ذهبت إلي مديرية الأحوال المدنية، وأريتهم صك ولادتي التي حدثت في مستشفي عسكري نقال.. يتحرك مع المقاتلين في سيناء والجولان، فاعتبروني طفلا شرعيا. وسجلوني في دفتر مواليد الوطن، لا تستغربوا كلامي، فأنا ولدت تحت الطوافات، والجسور العائمة التي علقها مهندسوا الجيش المصري علي كتف الضفة الشرقية وخرجت من أسنان المجنزرات السورية التي كانت تقرقش الصخور في مرتفعات الجولان، اعترف لكم بأن ولادتي كانت صعبة” .
هذه الكلمات المنثورة هى ما كتبه الشاعر الكبير نزار قبانى متأثرا بنصر أكتوبر ، نستعيدها معكم فى الذكرى الـ 43 لانتصار حرب أكتوبر 1973 .
وقال نزار في مقال ”خاتم مصر” الذي كتبه عقب نصر أكتوبر:
“تجمع مصر حروف اسمها الجميل وتعيد تطريزه على حواشي منديلها المبلل بالدموع، تكتبه بالخط الكوفي العريض على جدار النهار، تسترده من قاع البحر، وأسنان سمك القرش، وحطام المياه الغارقة، تلصق الميم إلى جانب الصاد. تلصق الصاد إلى جانب الراء. وفجأة تتدلى من سقف العالم نجفة من الزمرد الأخضر اسمها مصر.
تستعيد مصر خاتمها من تحت الماء وتعيد تركيب الفيروزات الثلاث التي سقطت من خاتمها وهي تغسل يديها بماء قناة السويس في صيف العام 1967، تمسح ما تراكم عليه من صدأ وحشائش بحرية، وتعيده إلى مكانه في المتحف المصري، فيطمئن التاريخ على نفسه، وتطفو على مياه القمر زهرة لوتس اسمها مصر”.
 كما عبر الشاعر الكبير “نزار قباني” عن فرحته بالنصر قائلا: “هل حدث لكم أن تغزلتم بامرأة تغط مشطها بماء قناة السويس، وتمشط شعرها وهى تسند ظهرها إلى دبابة إسرائيلية معطوبة على خط بارليف؟”.
ومن أشعاره عن حرب أكتوبر :قصيدة بعنوان : “ترصيع بالذهب على سيف دمشقى ”
جاء تشرين.. إن وجهك أحلى .. بكثير... ما سـره تشـرينُ ؟

كيف صارت سنابلُ القمح أعلى .. كيف صارت عيناك بيت السنونو ؟

إن أرض الجولان تشبه عينيك .. فماءٌ يجري.. ولـوز.. وتيـنُ

كلُّ جرح فيها .. حديقة ورد .. وربيعٌ .. ولؤلؤ مكنونُ

يا دمشق البسي دموعي سواراً .. وتمنّي .. فكلُّ شيء يهونُ

وضعي طَرحَةَ العروس لأجلي .. إنَّ مَهْرَ المُناضلات ثمينُ

رضيَ اللهُ والرسولُ عن الشام .. فنصرٌ آت وفتحٌ مبينُ

مزقي يا دمشق خارطة الذل .. وقولي للـدهر كُن فيـكونُ

استردت أيامها بكِ بدرٌ .. واستعادت شبابها حطينُ
فيما كتب الشاعر الكبير “محمود درويش” محتفيا بحرب أكتوبر قائلا: يمكن الظن ويمكن القول إن بذور هزيمة العدو قد نمت فى ذروة انتصاره فى معارك الخامس من حزيران (يونيو 1967). وهنالك رأى عسكرى يقول أن ثمة نوعا من الانتصارات ينتهى بالمنتصر إلى القبر”.
وقد كتب درويش مقالا بعد انتصار أكتوبر بعنوان ” ذاهبان إلى البحر ” و يقارن فيه بين حاله بعد حرب حزيران “نكسة 67” حينما تجرع مرار الهزيمة وذهب للبحر لإطفاء حزنه ويتأمل فى حال أوطاننا ، و بين ما شعر به جندى يهودى بعد حرب تشرين ” حرب 73 ” عندما شعر بنفس المرارة ولجأ للبحر هو الآخر للتأمل ” .
وقال درويش : “كانت حرب حزيران هى الضحية الأولى لحرب تشرين ، لقد فجع الإسرائيليون بسقوط حزيران ، وانعتق العرب بزوال كابوسه ” .

وكتب قصيدة  في حوار قصير مع سجانه الصهيوني في حيفا، استمدها من معركة أكتوبر المجيدة، كتب يقول فيها:
يحدث هذا.. يحدث هذا أحيانا، يحدث هذا الآن: أن تركب حصانا في زنزانة وتسافر.. يحدث أن تسقط جدران الزنزانة، وتصير آفاقا لا حدود لها:

– ماذا فعلت بالحائط؟

 – أعدته إلى الصخور.

 – وماذا فعلت بالسقف؟

 – حولته إلى سرج

 – وماذا فعلت بالقيد؟

 – حولته إلى قلم.

 غضب السجان، ووضع حدا للمناقشة، قال إنه لا يحب الشعر، ثم أغلق باب الزنزانة. عاد إليَّ في الصباح.. وصاح:

 – من أين هذا الماء؟

 – من النيل

 – من أين هذا الشجر؟

 – من بساتين دمشق.

 – من أين هذه الموسيقى؟

 – من قلبي

 غضب الحارس.. ووضع حدا للمناقشة، قال إنه لا يحب الشعر، ثم أغلق الزنزانة، وعاد في المساء:

 – من أين هذا القمر؟

 – من ليالي بغداد.

 – من أين هذا الكأس؟

 – من كروم الجزائر.

 – ومن أين هذه الحرية؟

 – من القيد الذي وضعته في يدي أمس.

 صار السجان حزينا.. ورجاني أن أمنحه حريته.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا