"حلم بلاستيك" أحلام جيلنا فى ثورة ما تمت

ينكشف الستار عن عتمة سوداء تغلف المسرح ، لتكشف عن قطعة من القماش الأسود الذى يتموج أمامنا خالقا حالة من الصراع و الحدة ، و إذا بشخص يشق طريقه خارجها ، يحاول أن ينطق فلا يجد صوتا ، يحاول أن يصرخ ولكن تظل الصرخة حبيسة صدره مهما حاول ، فإذا به يتنفس مذعورا ، يعلو شهيقه وزفيره فى الأفق حتى يتوقف تماما ، ليستقبل رصاصة تخرسه للأبد ، من رجل تسلل له من الظلام ، قطعة القماش الأسود تلك التى تحولت لغول أسود عملاق يحتضن القاتل .
كان هذا المشهد الافتتاحى لمسرحية ” حلم بلاستيك ” الذى عرض مؤخرا ضمن مهرجان القاهرة الدولى للمسرح المعاصر و التجريبى ، و هو نتاج ورشة ارتجال لطلبة كلية فنون جميلة ، و من إنتاج مسرح الطليعة ، وكتابة مسرحية و إخراج شادى الدالى .
هذا المشهد الرمزى يلخص الكثير ، عندما تصبح حرية التعبير رفاهية لا نملكها ، وتكتم الأفواه وتخنق الحرية وتغتال أمام أعيننا ، وهذا السواد المستفحل ليس سوى بؤرة الفساد والجهل الذى تبتلع كل شئ فى واقع مأساوى .
العرض هو عبارة عن كوميديا سوداء ، رسمت فى مشاهد منفصلة ، متصلة بإطار واحد وهو “الحلم ” أحلام الجيل الحالى التى لم تتحقق بعد الثورة وأصبحت “بلاستيك” ، بعدما تحول الحلم هو الآخر إلى رفاهية فى بلادنا ، فى وسط الأوجاع والظروف القاسية التى نعايشها ، والتى يتحول الحلم فيها لكابوس يطاردنا ، أحلامنا الكبيرة فى الطفولة التى تتقزم كلما كبرنا ، وحلم الربيع العربى ، الذى أصبح “مش ربيع ” ، و” مش عربى ” كما غنى ممثلو العمل : “كلمونا عن مبادئنا العظيمة

و إن عربي كلمة تعمل لينا قيمة

ايوة ده كلام المدارس بالتاريخ أو بالحساب

بس هو لا هو عربي و الربيع .. حر و تراب”
وكلما حاول الشباب التمسك بالجانب المشرق يصدمهم الواقع بقسوة ، فها هى الفتاة التى كانت تشجعها صديقتها على اعتناق الأمل ، والضحك للحياة ، ينتهى بها الأمر للانتحار ، والمشهد الوحيد الذى يحاول أن يعدد الإيجابيات بالعرض ، يأتى المشهد الذى يليه بجملة ” بلاش نضحك على نفسنا ” لنصطدم بكل المساؤى التى نعايشها فى مجتمعنا ، من قهر المرأة و التحرش ، لإهانة كرامة المواطن على يد الشرطة ، لأحلام الشباب التى يدهسها الواقع .
“احنا ميتين .. ممكن نكون على قيد الحياة .. لكن عاملين زى الموتى الأحياء مش باقى فينا أى علامات الحياة ” هذا المشهد يلخص حال الكثير من الشباب الذى اغتيل أحلامهم فى الديمقراطية والحرية والسعادة و التغيير ، و التى جعلت الكثيرين منهم يفتشون عن حلم “الهجرة” والذى عبر عنه المخرج فى أحد المشاهد ، عن الحلم بحياة تحترمك كإنسان وتحترم كرامتك ، وفى ذات الوقت يعبر بنا للجانب الآخر من البحر لنرى حياة أحد قانطى “المدن النظيفة ” لنجده هو الآخر غير سعيد بعمله وشعوره بأنه مجرد ترس فى آلة ، ويحاول الهرب من ذلك بالعيش بمرح وجنون فى الإجازات .
وتحت عنوان “انتخبوا الشبشب” صور العرض بصورة ساخرة ، تزوير الانتخابات ، و استغلال البسطاء ، وجعلوا من “الشبشب ” رمز إنتخابى ، ففى النهاية “كلنا بناخذ فوق دماغنا ” .
وفى مشهد كاريكاتيرى ، يقف المسئول الكبير ليعلن أن كل شئ بخير ، ويتهم الأصابع الخارجية والداخلية بمحاولات التخريب ، وعندما يحاول أحد الأصوات معارضته ، فيكون ثمنه رصاصة ، ويلتقى المسئول برئيس ” الدولة النظيفة ” ، فيركع أمامه ، فى دلالة للتبعية ، التى يحرص رئيس الدولة النظيفة على تأكيدها بجملة “بفلوسنا ” .
ويتحدث العرض عن المال الذى يستعبد البشر ، فمهما قالوا عنه أنه لا يساوى شيئا أمام السعادة وراحة البال ، يدفعهم الشعور بالحاجة للمال ، فالأكل والعلاج و التعليم وغيرهم فواتير تحتاج السداد .
كل تلك المساؤى تتجمع لتشكل من جديد الغول الأسود العملاق الذى يلتهم كل شئ فى النهاية .
العرض من تمثيل سمر جلال، أحمد يحيى، راندا عصام، محمد مسعد، محمود سامى، وئام عصام، رنا حمدي، ربا شريف، شهاب يونس، هند الشيمى، تصميم أزياء وديكور سمر جلال، محمود سامى، رندا عصام، محمد مسعد، وئام عصام، موسيقى أمير رسمى، مروان فوزى، ألحان أمير صلاح الدين، أشعار ضياء الرحمن، أحمد حسين، تصميم إضاءة محمد مسعد، محمود سامى، راندا عصام، مساعد مخرج أسماء أبو اليزيد.
الديكور لم يكن سوى قطعة كبيرة من القماش الأسود استطاع أن يستغلها العرض جيدا فى توصيل الصراع وسوداوية المشهد ، فتارة تكون غولا كبيرا يبتلع كل شئ ، وتارة تصبح بحرا يغدر بأحلام المهاجرين ، وتارة يلتف به المال الذى يستعبد البشر ، أما عن الإضاءة والموسيقى فساهما بشكل كبير فى توصيل انفعالات الممثلين ، وعندما تشتد حدة المشهد نسمع الموسيقى تدق كنبضات القلب فتشعر ان قلبك يدق معها ، وقام الفريق بجهد كبير فى التمثيل يستحق الإشادة ، و إن لم يكن الغناء على نفس الدرجة .

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا