ذات يوم .. وفاة فتحى رضوان «صوت مصطفى كامل» لأكثر من 50 عاماً

سألت وزير الخارجية المصرية، محمد إبراهيم كامل، عن ظروف اختياره أول رئيس للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وسبب توجهه للاهتمام بهذا المجال، فأجاب: «نادانى فتحى رضوان، فلبيت النداء»، قال «كامل»: هذه الكلمات المختصرة فى لقاء صحفى لى معه عام 1988، بعد عشر سنوات من استقالته من منصبه، اعتراضا على اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل.
فى عام 1987، كنت أتابع فى مجلس الدولة دعوى قضائية رفعها ضد رفض وزارة الشؤون الاجتماعية لطلب تأسيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ونودى على الدعوى فتقدم إلى المنصة، لتستقبله هيئة المحكمة «ثلاثة قضاة» بإنحناءة حملت تقديرا خاصا منها للرجل الذى قضى عمره مدافعا عن الحق و«عاش عمره يدمج الفن بالجهاد للحق والجهاد بالفن للجمال»، بتعبير الكاتبة «صافيناز كاظم»، فى مقالها «متى كان فتحى رضوان وزيرا للسادات؟» المنشور فى جريدة «الشرق الأوسط- لندن- 1 فبراير 2005».
توفى «رضوان» فى مثل هذا اليوم «2 أكتوبر 1988»، وفى اليوم التالى ذهبت للقاء المفكر الكبير، الدكتور جلال أمين، فى مكتبه بالجامعة الأمريكية، فوجدته متضايقا، محبطا، متعجبا، والسبب كما قال لى: «سألت اليوم طلابى عن فتحى رضوان فلم يجِبنى أحد، وتحدث «أمين» عن جريمة «التجريف المتعمد للوعى المصرى» بعد أن كان «رضوان» نفسه هو واحد من أهم صانعى هذا الوعى عبر مسيرته النضالية الطويلة.
ولد فى السابع من مايو عام 1911، وفى سيرته «خط العتبة والخليج العاشق» يتحدث عن تأثره بشخصية الزعيم الوطنى مصطفى كامل، الذى كان والداه يرويان له مواقفه: «تعلمت دور الوطنية الأولى من المنزل، بل من أمى بالذات، كنت أعود من المدرسة فأجدها متجهمة الوجه ثائرة الأعصاب، وفى أحد الأيام قالت لى أمى: يا فتحى ناد إخوتك وتعال، وعندما عدت بعد لحظات مع شقيقاتى الثلاثة، وجدت أمى تجلس على أحد المقاعد وأمامها سلة كبيرة مغطاة، وما كادت ترانا حتى قالت: هل أنتم جميعا هنا اجلسوا معى، ثم رفعت غطاء السلة وأخرجت منها مجموعة من جريدة اللواء «أسسها مصطفى كامل» وبدأت تقرأ فى صوت مرتفع خطب مصطفى كامل ومقالاته، وفى إحدى الأمسيات عدت إلى المنزل متأخرا فوجدت شقيقاتى وأمى وهن ينتحبن فى صوت مسموع وأمامهن جريدة اللواء، وارتعدت لهذا المنظر فقلت فى سذاجة: أمى، ماذا حدث، هل مات أحد؟ فقالت: أجلس يا ابنى إنى أقرأ وصف جنازة مصطفى كامل».
فى هذه التربة الوطنية، تربى «رضوان»، وأصبح بتأثره بمصطفى كامل ومحمد فريد مناضلا فريدا، دفعت صلاح عيسى إلى أن يخاطبه فى مقاله «فتحى رضوان- خط العتبة يا حبيبى» بكتابه «شخصيات لها العجب- دار نهضة مصر- القاهرة»: «كيف حافظت على نقائك وجسارتك واتساق مواقفك على امتداد نصف قرن أو يزيد، فلم تساوم، أو تهادن، أو تبحث عن أنصاف الحلول، ولم تضعف صلابتك شهوة نفس، فتستخدم، كما فعل آخرون، لسانك الذرب لتبرير السقوط».
كان من طراز المناضلين المثقفين النادرين الذين اقترنت أفكارهم بالحركة. قاوم الاستعمار الإنجليزى، طوال الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى، وفى نفس الوقت كان يقدم المؤلفات القيمة فى الفكر والأدب والسياسة والتاريخ، ما أكد على ثقافته الموسوعية، ففى مسيرته النضالية واصل مع رفيقه أحمد حسين الدعوة لمشروع القرش، وأنشأ عام 1944 الحزب الوطنى الجديد على مبادئ الحزب الوطنى الذى أسسه مصطفى كامل، كما أصدر جريدة اللواء الجديد، وصدر العدد الأول منها يوم 12 نوفمبر 1944، وظل الحزب قائما حتى حل الأحزاب عام 1953 بقرار من ثورة 23 يوليو.
تعرض للاعتقال أكثر من مرة كان آخرها بسبب حريق القاهرة فى 26 يناير 1952، وظل فى المعتقل حتى قيام ثورة 23 يوليو، ومع الثورة أصبح وزيرا للإرشاد القومى حتى خرج من الوزارة فى 7 أكتوبر عام 1958.
وفى سبعينيات القرن الماضى، أصبح من أهم رموز معارضى السادات فتم اعتقاله فى حملة 5 سبتمبر 1981، قائلا: «الرجل الذى ظل يخدعنا لمدة سبعين سنة»، وواصل مسيرته فى السنوات التى عاشها فى فترة مبارك، فاستمع إليه الآلاف فى المؤتمرات السياسية خطيبا مفوها، وتقدم الصفوف فى أكثر من مظاهرة ضد الوجود الإسرائيلى فى مصر.

مقالات ذات صلة

منوعات

مواضيع

أشهر الفيديوهات

شبكات التواصل الإجتماعي

للتواصل معنا ومتابعة آخر الأخبار لحضة بلحضة، المرجو الإشتراك بصفحاتنا